No Image
روضة الصائم

"الكتب التي التهمت والدي" لأنفونسو كروش

07 مارس 2026
07 مارس 2026

د.عبدالله الكعبي شاعر وكاتب عماني -

رواية (الكتب التي التهمت والدي) لأنفونسو كروش تتناول الغرائبية في تناول السرد والفكرة معا؛ حيث تمثل حادثة انغماس (فيفالدو) في الكتب هروبا من الواقع المرير باتجاه الخيال والغوص في الكتب. تتعدد الأصوات التي تمسك بنسيج السرد؛ فالابن الذي يبحث عن أبيه بين رفوف الكتب محاولا مط ّملامحه منها هو نفسه الرابط بين العالم السحري والعجائبي والعالم الحقيقي المعاش. وأما صوت الجدة الذي يبعث في القارئ دفقة شعورية من الحنان المتواري في الحوارات الباعثة للأمل (هذا ما حكته لي جدتي بأفكارها المليئة بتجاعيد كالتي غزت جبهتها). لم أعرف والدي قطّ ؛ فعندما ولدت لم يعد من أهل هذه الدنيا. يطلق الراوي العديد من الجمل التي تحمل التورية، وهي نفسها حل لألغاز الرواية؛ فمثلا يبرر الابن جملة لم يعد من أهل الدنيا بدل قوله مات، حتى نكتشف أن الحدث الأكبر هو الانغماس في الكتب.

في نسيج الرواية يصبح فعل القراءة هو أهم الأحداث التي تصنع الكشف عن المخبوء؛ فالقراة كما تقول أم فيفالدو وجدة ابنه هي كالسلالم والأدراج في رحلة صوفية وبناء خيالي؛ حيث تتحول القراءة لتراكمات لبناء المدلول العام.

لقد أدخلت الجدة حفيدها لعالم العجائب من خلال ذكر كتاب جزيرة مورو، وهو الكتاب الذي تجزم فيه بأن ابنها قد التُهِم من خلاله.

يتماهى الابن مع أبيه، فيتقمص دوره في محاولة منه الولوج إلى عالم الكتاب باحثا عن والده، ثم يقرأ كتبا كثيرة ما يجعله يلتحق بأبيه في الصفات النفسية والسلوكية مثل الانزواء وحب العزلة والتأخر عن أكل العشاء.

يسرد لنا الابن قصصا كثيرة عن الكتب، وقد أصبح قارئا، بل أصبح بتقمص أبطال الروايات، ويسند بعض الجمل والشخوص لأصحابه، وأصبحت المكتبة متاهة ونحن نتشكل من الحكايات، وتولد بعدها شعور لدى الابن بأن والده تاه في الكتب.

بعض الكتب مثل كتاب جزيرة الدكتور مورو هو عبارة عن إضاءة للابن؛ كي يلج إلى عالم الكتب الغرائبي، كما أن جزيرة مورو هي محطة من محطات القراءة، وفيها تعرف (بوفين) على خيط مهم من خيوط حل المعضلة، ولغز اختفاء (فيفالدو)؛ فقد كان قارئا بصوت مرتفع للشخص الأعمى.

من خلال عملية البحث في الكتب التي قرأها والده مثل جزيرة الكنز ودكتور جيكل كان بوفين يتمعن الهوامش التي يكتبها والده، ومن خلال الهوامش بدأت تتشكل له الحقيقة من جهة وصورة الأب الغائب من جهة أخرى في بناء جديد للشخوص والمواد؛ إنه الهامش. يمثل الهامش للكتاب رؤية موازية للمحتوى هي رؤية القارئ.

تتحول الكتب نفسها مع بوفين إلى مرشد نفسي وسلوكي؛ ففي العشق والحب نجد كتاب دانتي الكوميديا الإلهية هي الملهم للبوح بحبه لحبيبته، وفي نهاية كل تجربة قراءة يظهر صون في رأس إلياس يوفين هو عبارة عن نداء والده.

يتحول الهامش من الروايات المختلفة إلى هذا الصوت العميق الذي يدخل في أفكار بوفين، ربما عصارة التجارب التي تتناثر في الكتب هي نفسها من تتداخل مع تجربة الكاتب في هذه الرواية من خلال استدعاء الرمز من الروايات والقصص. بل يستدعي الكتاب كما حدث مع ستيفينسون صاحب قصة بائعة الكبريت؛ حيث يمثل ظاهرة فارقة في كتابة القصة القصيرة ومحاورة شخوصه المخلدة. ويعدد الكاتب هذه الروايات المتدخلة، ويعتمد على صناعة سيميائية للكتابة والصوت والصورة، فصار الابن من خلال تتبع الكتب واستجواب كاتبيها يشكل عالمه الخاص، ويخالف النص الأصل من خلال وضع فرضيات لظهور جمل هو يخالفها (كان رجلا عنيدا ابتكره كاتب يُدعى إتاليو كالفينو). ولقد أجبره والده البارون على تناول الحساء، وليتجنب ذلك صعد إلى أعلى شجرة... ولقد أجبره والده على النزول، لكنه قال: إنه لن ينزل أبدا). التنقل في الرواية من كتاب إلى آخر بغية سرد النسيج القصصي هو التقنية التي يفعلها بحرفية كاتب الرواية (إن الكتب التي تستند ظهورها إلى كتب أخرى فوق الرفوف عبارة عن عوالم متوازية). وفي النهاية يتوصل الكاتب لمغزى هذه الحبكة وهذا النسيج إلى تحول الناس إلى كتب، وهو يعرض فكرة أن الناس مهما كانوا حفظة للكتب، لكنهم يحاولون دوما التغيير في النص، وهم نفسهم من يتحول لكتاب جديد بهذا التصرف وهذا التصحيف.

بعد هذه الرحلة في الكتب والحوارات التي قام فيها بوفين حتى يجد أباه وقد أكمل من العمر 72 عاما وجد والده في نهاية الأمر (لقد قرأت الكثير وأنا قد تحولت إلى والدي نفسه).