القصيدة الغافريّة في وقعة بَتَّة
كان من مفاخر دولة اليعاربة التي حكمت عمان نحو قرن وربع قرن من الزمن إجلاءُ البرتغاليين من السواحل العمانية كافة، ثم مطاردتهم على الساحل الشرقي لإفريقيا، وفي كلا الميدانين لهم وقائع مشهورة سطّرها التأريخ. ومن بين أبرز محطات التاريخ اليعربي في شرق إفريقيا واقعة جزيرة بتّة أو "باتي" كما تُعرَف اليوم وهي ضمن أرخبيل لامو، وكانت حينذاك مركزًا تجاريًا مهمًا ضمن مدن الساحل الشرقي لإفريقيا المرتبطة بالتجارة في المحيط الهندي. وقد سَيَّر الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي (1059-1090هـ) حملة إليها بقيادة الوالي محمد بن مسعود الصارمي، ضمن حملات مطاردة البرتغاليين وتثبيت النفوذ العماني هنالك. وقد خلّد الشعراء في العهد اليعربي جملة من الأحداث والوقائع في قصائد نظموها، فغدا شعرهم مصدرًا من مصادر البحث التاريخي اليوم. أما عن واقعة بتّة هذه فقد أفصح عنها الوالي محمد بن مسعود الصارمي قائد الحملة نفسه في قصيدة شهيرة نقلها نور الدين السالمي في كتاب (تحفة الأعيان)، لكن من بين النصوص الشعرية المتوارية قصيدة رائية للفقيه الشاعر خلف بن سنان الغافري (حي:1127هـ) قالها في الواقعة نفسها، ومطلعها:
هو الصبر مقرونٌ به العزّ والنصرُ ** فصَيِّرْهُ خُلْقًا لا يُزَيِّلُهُ الدهرُ
وحيث إن شعر الغافري أكثره مغمور لم يُنشَر منه غير أشتات أبرزها ما نقله المؤرخ البطاشي في كتابه "إيقاظ الوسنان" فنقتطف منها بعض الأبيات، منها ما قاله في وصف حالة الجزيرة قبل الواقعة ثم وصف المعركة، يقول:
ألم تعلمنْ صبر الشراة بِبَتَّةٍ، أتوها وفيها من جنود أولي العمى، وقد ملكوها واستباحوا حريمها، ومن دونهم أسوارها وبروجها، أتوها ضحى والعين تنظر أختها، وأبدَوا بها صبر الكرام وكابدوا، فأجلوهمُ منها فَوَلَّوا كأنهم، فحازوا ثناءً ليس يبلى جديده، وهم مائة مع نيّف عددٌ نزرُ، ألوفٌ بأيديها المهنّدة البترُ، وصار لهم في أهلها النهي والأمرُ، وقطفيةٌ خضرٌ وخطيّة سُمرُ، يؤمهمُ فتحٌ ويتبعهم نصرُ، أمورًا صعابًا طعمها مقرٌ مُرُّ، حميرٌ عدا في إثرها جحفلٌ مِجرُ، وغنمًا على أمثاله يجب الشكر
وفي الثناء على الإمام سلطان بن سيف بن مالك يقول:
بِعزمة مَلْكٍ ليس يقلق قلبه، إمام الهدى سلطان سيف بن مالكٍ، كذا فليكن من سار للحرب قاصدًا، مخوفٌ ولا يومًا يقلقله ذُعرُ، مليكٌ له دون الورى المجد والفخرُ، ودع عنك برقًا ليس يتبعه قطرُ
وفي وصف الجيش وقائده محمد بن مسعود الصارمي يقول:
شراة شرى ذو العرش منهم نفوسَهم، غَزَو في سبيل الله غزوة صادقٍ، يؤمهمُ ليثٌ هصورٌ غضنفرٌ، سلالة مسعودٍ عنيتُ محمدًا، تَبَدّى لنا من بعد ما كان خافيًا، فبوركَ من والٍ وَليٍّ وبوركت، بأنفَسِ ربحٍ ليس يعقبه خُسْرُ، فنالوا بها فخرًا منوطًا به الأجرُ، شجاعٌ جَريٌّ باسلٌ مُقدِمٌ ذمْرُ، حميد المساعي ذو يحقّ له الذكرُ، كما يختفي في باطن الصَّدَفِ الدُّرُّ، شراة بن زهران الغطارفة الزهرُ
والوالي الصارمي كان فقيهًا ولغويًا له آثار منها منظومة في الصرف مع شرحها، نُشِرت بتحقيق الباحث محبوب بن محمد الرحيلي. وقد اقتطفنا أبيات القصيدة من نسخة لها في آخر إحدى المخطوطات، وبهامشها أبيات من قصيدة أخرى في المناسبة نفسها قالها الشاعر بشير بن عامر الفزاري الإزكوي (ق11هـ)، ولعل قصيدة الغافري من قلائل نصوص التراث العماني التي أشارت إلى البرتغاليين.
