روضة الصائم

الرجل الذي كان يحب الكلاب

03 مارس 2026
بين دفتين
03 مارس 2026

لطالما أيقنت أن الحاجة إلى فعل التثقيف حاجة إنسانية ملحّة، لإدراك الذات ثم إدراك الآخر، وللتنقل بالوعي خارج محدودية الزمان والظرف. وبتعبير آخر، كما قال عباس العقاد: «العيش أكثر من حياة». لكن فعل التثقيف، كالقراءة على سبيل المثال، قد يكون ملحًا ومخادعًا بالقدر ذاته؛ وهنا تولد المعضلة. ففي مخاض رواية «الرجل الذي كان يحب الكلاب» للكاتب ليوناردو بادورا، تتجلى هذه المعضلة في أضلّ صورها.

يأخذك الكاتب في نفق زمني، متنقلًا بين الذوات، شاهدًا على أدق تفاصيل حيواتهم، بعيدًا عن الوصمات التاريخية، فيرغمك على ارتداء جلودهم، والمرور عبر الأيام معهم، فيربك موضوعية حكمك، ويجعلك تبرر ما لا يُبرر. في هذه الرواية نلبس، بفعل سحر السرد، ذات الجلاد والضحية وحامل عبء الحقيقة، ثلاث حيوات في خطوط زمنية متوازية. ورغم كثافتها وتشعبها، يرهقك العيش بجلد الجلاد أكثر من غيره.

فأنت حين تكون رامون ميركادير، الشاب الكتالوني المأخوذ بإله الشيوعية غير الشرعي جوزيف ستالين، والمؤمن بإمكانية صعود البروليتاريا إلى السلطة، والمشدود إلى أحلام طوبائية عن تحطيم الدكتاتوريات، ترى حياته ثمنًا بخسًا في مذبح التضحيات الكبرى لوطنٍ متخيّل لا مكان فيه لجشاعة الرأسمالي.

رامون الوطني حد التوحش، الذي آمن بضرورة تاريخية لتقديم البطولة للإمبريالية السوفييتية، انحلّ طوعًا عن هويته ليصير جاك مورناو البلجيكي الذائب في عالم فرنسي فاره، ثم خايمي لوبيث، المسنّ المجهول المحب للكلاب، المنهك تحت وطأة الذنب وخذلان التاريخ، بعد أن أجهضته الأنظمة الشمولية التي راهن عليها باسمه وكيانه، مؤديًا لها فروض الطاعة العمياء، منكرًا ذاته في سبيل القضية الكبرى.

هو الكثير من الوجوه والجوازات، تستمد شرعيتها من أجهزة ستالين، ومن تضخم سوفييتي منهجي عبر العقول الغضة في مشارق العالم ومغاربه. صار، بتغلغل المعتقد في مسام جلده وأوردته، خازنًا لزبانية ستالين، فردًا في جيش حاصدي الأرواح، غير آبه بعلاقة المتهم بتهمته.

هو من انتزع بيديه روح ليون تروتسكي، المنفي والمغضوب عليه، باسم كل شيوعي مؤمن، قاصدًا أن ينهي فصلًا من المعارضة والخيانة الكبرى للقضية العمالية، ليدفن الفكر التروتسكي المهدد للكيان الشيوعي الممثل في ستالين.

لكن المفارقة أن اغتياله لتروتسكي خلّد اسم الأخير شهيدًا شيوعيًا حقيقيًا، وفيًّا للبروليتاريا العالمية، مجددًا لعهود الثورة؛ فقد كان تروتسكي قد تنبه لحقيقة ستالين، وسمّاه صراحة «حفار قبر الثورة»، متنبئًا بانحراف السلطة المتوجة باسم الشعوب الكادحة، وارتدادها إلى قيصرية دكتاتورية جديدة.

رامون، حتى في أقصى درجات تزعزع إيمانه، اختار أن يستمر بيدقًا في الرقعة الستالينية الكبرى، مثبتًا لتروتسكي صدق تكهناته. توّج نفسه، بإصراره على فعلته، زعيمًا لجرذان مزبلة التاريخ الشيوعي، ثم نُفي إلى برزخ لا اسم له فيه ولا لون، مُبعدًا ومُدانًا باسم كل شناعات ستالين التي تجاوزت عشرات الملايين. هنا تكمن المعضلة التي يحدثها فعل التثقيف عبر القراءة، فتقمّص الأدوار أثره نافع وضار؛ كما يمنحك رؤية إنسانية للحيوات المهمشة، يجبرك أيضًا بغواية خفية على توهّم إنسانية المجرم، فتجد نفسك تبرر جريمته، متفهمًا سلسلة ظروفه، غائصًا في تفاصيل فكره وشعوره ومعتقداته، حتى تكاد تنسى البدهيات الأخلاقية الأولى.

في قراءة «الرجل الذي كان يحب الكلاب» يقف القارئ منهكًا، مرتبطًا ومنفصلًا في آن، بالجلاد وضحيته، عاجزًا عن تثبيت بوصلة الحكم. القراءة هنا ليست فعل معرفة بريئًا، بل تجربة وجودية تُربك الضمير، وتكشف هشاشة الحدود بين الفهم والتبرير، بين التعاطف والعدالة. إنها رواية لا تكتفي بسرد جريمة اغتيال، بل تكشف آلية صناعة القاتل، وكيف يتشكل الإيمان حين يُسلب من الإنسان فرديته ويُغذّى بخطاب الخلاص الجمعي.

تكشف كيف يمكن لفكرة، حين تُقدَّس، أن تتحول إلى ماكينة تطحن البشر باسمهم. ومع ذلك، لا تقدم شخوصها كوحوش خالصة، بل كبشر آمنوا، وخُدعوا، وانخرطوا في سردية أكبر منهم. وهنا تحديدًا يتجلى خداع التثقيف؛ إذ يمنحك القدرة على رؤية التعقيد الإنساني، لكنه يضعك في منطقة رمادية، حيث يتزاحم الفهم مع الإدانة.

فهل يكفي أن نفهم كي نعفو؟ وهل يبرر السياق التاريخي جريمة فردية؟ أم أن في محاولة الفهم خطرًا على صلابة حكمنا الأخلاقي؟ الرواية تتركك محاصرًا في متاهة أسئلة تتجاوز شخصياتها لتطال الوجود ذاته، بزمانه الذي يعيد نفسه كطائر الفينيق، يموت ليبعث من رماده حيًا في تتابع أبدي.

وبين الميلاد والموت، بين الفكرة والدم، يقف القارئ شاهدًا على هشاشة الإنسان حين يسلم روحه لفكرة مطلقة، ويخرج من التجربة مثقلًا بسؤال لا يكفّ عن الطرق: أين ينتهي الفهم، وأين يبدأ التبرير؟