إتقان الكلمة.. التدريب الرمصاني على إتقان القول
تمر بالمسلم أحداث ومواقف شتى في يومه من أب ما إن يدخل بيته ويرى أي خطأ من أبنائه إلا وصب جام غضبه عليهم، أو رجل يسرع بسيارته ولا يراعي آداب الطريق وقد يؤذي غيره بصوت منبه السيارة، أو بلسانه إن كان الأمر يستحق كما يراه، وتاجر ينفق سلعته حالفًا، ومحاكم تزدحم بمن يتمسك بحقوق غيره ويأكلها ظلمًا وقد يحلف زورا ليقتطعها بيمينه.
وفي خضم هذا التخبط يطل على المسلمين شهر الصيام يرتب حياتهم ويهدئ نفوسهم ويزكيها ويرتقي بها إلى معالي الأمور، فهو وقاية للمسلم من شرور الآثام ومن تبعاتها كما أخبر بذلك خير البشرية -عليه الصلاة والتسليم-: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فلا يَرْفُثْ ولَا يَجْهلْ، وإنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» [البخاري: 1894].
فالمسلم مأمور بضبط لسانه وفي كل أحواله؛ لأن الكلمة الواحدة قد تورده النار -والعياذ بالله- ففي الحديث: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ، لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» [ابن ماجه:3970] وليعلم المسلم أنّ اللسان سبب لدخول النار. وفي إجابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصحابي الجليل معاذ بن جبل -رضي الله عنه- بيان لعظم خطر اللسان حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ :«ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» [ابن ماجه: 3973].
والصوم يمنع المسلم من أن يرد بالمثل تهذيبا لنفسه، وحفاظا على صومه؛ يقول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ» [البخاري:1894]، وهو من باب أولى لا يجهل بالقول. وفي رواية لا يصخب أي: لا يصرخ ولا يصيح ولا يخاصم، ولا يرفع صوته بالهذيان والسخرية والاستهزاء والاعتداء على الآخرين بكلامه.
وقد عدّ الإسلام أكثر آفات اللسان مبطلة للصيام فالغيبة التي يتهاون بها الناس تفسد الصيام، فهي كما أخبر النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام-: «الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ» [الربيع:105]. ومن المعاصي اللسانية أيضًا النميمة وهي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد، فكم زعزعت استقرار الأسر وأفقدت الإنسان الثقة في غيره! ففي الحديث عن المصطفى العدنان ـ صلى الله عليه وسلم ـ «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» [مسلم:105]. ومنها أيضا الهمز واللّمز بالقول أو الإشارة، يقول جلّ شأنه: "وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ" [الهمزة:1]، ويقول أيضًا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الحجرات:11].
وقد حذر الإسلام من تزيين الباطل والأمر بالمنكر، أو أن يؤيد صاحب المنكر، كأن ترى المرأة أختها متبرجة في مكان لا يجوز لها أن تبدي فيه زينتها فتثني على ذوقها العالي في اختيار ملابسها، فتشترك معها في الإثم. ومما نبّه عليه الإسلام من المعاصي القولية السعي بالإفساد بين الزوجين، فعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا» [أبوداود:2175]. ومن المعاصي التي يجدر بالمسلم الابتعاد عنها كذلك الكذب؛ فهو صفة ذميمة تدعو للفجور، وهو أُسٌّ لكثير من المخالفات الشرعية والمعاصي القولية والفعلية، فعن الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء: «وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [البخاري: 6094] والمؤمن لا يكون كذّابًا كما بيّن لنا رسولنا الكريم -عليه أفضل الصلاة والتسليم- «قيل له: أيكونُ المؤمنُ كذَّابًا ؟ قال: لا» [الترغيب:1752]، ومن الكبائر اللسانية الحلف الكاذب من التاجر ليزيد كسبه، يقول النبي الأكرم -صلوات ربي وسلامه عليه- «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ... والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» [النسائي:6007]، ومنها أيضًا اليمين الغموس فقد ورد في التحذير منها «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [البخاري:7445]. وأما قول الزور فكم من وعيد وتشديد جاء فيه؟ يقول جلّ شأنه: "وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ" [الحج:30]، وهي من الآفات التي ورد بيان أثرها على الصوم، ففي الحديث عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [أبوداود:2362].
وإنّ أعظم آفات اللسان بلا شك الشرك بالله، سواء كان جحودًا أو مساواة، كأن ينكر وجود الله -جلّ شأنه- أو ينكر شيئا مما يعرف من الدين بالضرورة كالصلاة مثلًا أو صيام رمضان، ومن آفات اللسان أيضًا وهو مؤثر في المجتمع كبيرة القذف وهو اتهام المسلم العفيف بارتكاب الفاحشة، وجاء فيه الوعيد الشديد في الآخرة والحدّ عقوبة شرعية في الدنيا "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [النور:5]، وقد يتحدث في المنكرات ويزينها للآخرين وهو من الخوض في الباطل المنهي عنه، أما الجدال وهو كثير الحدوث بين الناس لتساهلهم فيه، ولأن الإنسان بطبيعته يحب أن ينتصر ويظهر تفوقه، وجاء الإسلام مهذّبًا ومربيًا فالنبي المجتبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» [أبوداود:4800].
ونحن نتجول في تقرير آفات اللسان ندرك تمامًا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمعاذ أمسك عليك هذا وهو يشير إلى لسانه، ونفهم قول الله تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" [ق:18]، وبعد أن وضعنا اليد على أكثر آفات اللسان وتعرفناها وفهمنا خطرها، يجدر بنا أن نبين أثر الصيام في التخلص منها.
إن الصيام يعمق في النفس قيمة الصبر وقوة الإرادة وحسن الإتقان؛ فالصائم يمتنع عن شهواته الجسدية ويصبر دون مراقبة من أحد من البشر، فهو سرّ بين العبد وربه، وكل هذا الجهد والصبر يفعله المسلم ابتغاء مرضاة الله، فيسعى مجتهدًا أن يطهّر نفسه وسلوكه من كل ما يؤثر في صيامه هذا، ثم إن السعي لضبط اللسان في رمضان أيسر؛ كونه شهر القرآن، فيكثر الصائم من التلاوة والتدبر والحفظ لكتاب الله أو أن يشتغل الصائم بذكر الله ؛كون رمضان تتضاعف فيه الأجور وهو موسم للطاعات، فيشتغل المسلم بالطاعات عن القيل والقال وغيرها من الآفات اللسانية المتقدم ذكرها، فمزاحمة المعصية بالطاعة قد تقضي عليها.
يقول الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ» [ابن ماجه: 1642] وهذه عوامل تسهم في جعل الصائم أكثر قدرة على اجتناب الآفات القولية، بل ويختار من الكلام ما يقربه إلى الله، ورمضان موسم إجابة الدعاء، وقبول التوبة، وهو شهر العتق من النيران، وقد جعلت لياليه العشر أعظم الليالي في السنة وبها ليلة خير من ألف شهر، وفي هذه الغنائم العظيمة اكتفاء للمؤمن والعاقل واشتغال لهم عن التوافه وعن المعاصي بأنواعها وخاصة القولية، بل ويسعى دائبًا للتطهر والتخلص منها تماما؛ فإنه يدرك أن المعاصي تُذهِب أجر تعبه وجُهده كما أخبر بذلك الصادق الأمين -صلوات ربي وسلامه عليه-:«رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [النسائي: 3236].
وبهذا يمكننا القول إن جودة الصيام وإتقانه لا تمنع من المعاصي القولية بأنواعها فقط بل وتغرس في قلب المؤمن الخوف من الاقتراب منها، وتملأ وقته بالطاعات القولية بحيث لا مكان لديه لسواها بتوفيق الله.
