No Image
روضة الصائم

أول معجم عربي

01 مارس 2026
01 مارس 2026

د. سالم بن سعيد البوسعيدي -

قد صاغه الله من تبر ومن ذهب//وصاغ راحته من عارض هطل

كذا وصفه أبو حاتم، وفي عام 2005م أدرجت اليونسكو الخليل بن أحمد الفراهيدي، واحدا من أعظم الشخصيات المؤثرة عالميا.

أبو عبد الرحمن الخليل بن عمرو الفراهيدي الأزدي العُماني، ولد عام مائة للهجرة، واختلف في مكان ولادته فقيل البصرة وقيل عُمان، ثم انتقل إلى البصرة. والعجيب من أمر نشأته أن المصادر القديمة أغفلت ذكر شيء عن طفولته، وكأن انبهارها بعقله وعبقريته أنساها طفولته وحياته. تلقى الخليل العلم على يد علماء عصره ومصره، وفي طليعتهم أبو عمرو بن العلا، وبلغ الخليل الذروة في علوم العربية، حتى أصبح عبقري اللغة، وهو في خص لا يشعر به أحد، ولم يتقرّب لحاكم أو سلطان على كثرة ما طلبوه ومن طلبوه، وقنع بالكفاف والحياة البسيطة.

يتفق اللغويون على أنه لا يوجد في العربية أحد يستحق لقب "أول" مثل الخليل، فهو أول مبتكر للتأليف المعجمي، وكان أول من بحر بحور الشعر فهو مخترع علم الموسيقى العروضية، وكان أول من رسم الحركات العربية، فأخرج الكتابة العربية بثوب جديد وكانت من قبله بلا هُوية واضحة، وهو أول من قعّد النحو العربي. وضع أسس علم النحو العربي، الذي لقنه لتلميذه سيبويه. وله مع ذلك شعر ونظم متناثر في كتب الأدب والتراجم والحكمة والموعظة والنظم العلمي. ولتعلم حجم منجز هذا العلم انظروا إلى تلامذته كسييبويه والأصمعي والنضر بن شميل والليث بن المظفّر.

(2)

خرج الخليل في أيامه الأخيرة من البصرة إلى خراسان بدعوة من تلميذه الليث بن المظفر أمير خراسان يشيعه ثلاثة آلاف من رجال البصرة الذين أحبوه، حتى بلغوا المربد فأوقفهم وخطب فيهم ما يشبه الاعتذار ومما قاله: "كانت هذه أيام سد فيها باب المعاش عليّ، وتضرر الأهل والولد، وكثر اللوم، فلم يثن العتب إلا دعوة صالح عالم، أراد أن يوفر إلى الراحة الشيخوخة ويسهل العيش على الأهل". وكان الليث كاتبا وعالما تلقى أستاذه الخليل بالحفاوة والتكريم، ولكن الخليل مشغولا بحصر تراكب اللغة وألفاظها فيما عرف بعد بكتاب "العين"، الذي كتب مقدمته ومنهاجه، ثم سلّمه لتلميذه الليث بعد أن قال له: "يا بني، لم يعد عندي من الحول والقوة ما يمكنني من إكمال العمل"، فأهداه مذكراته وملاحظته وتقييداته من اللغة ليستفيد منها، وأبدى استعداده لقراءة كل ما يحرره، فكان الخليل المشرف على العمل، وقد حصر الخليل في كتاب العين لغة العرب.

ثم لم يلبث أن هتف بها هاتف الحج، فسافر إلى مكة وقصد منها إلى البصرة التي استقبلته مكرمة إياه، حيث أقام بقية أيامه، وفي هذه الفترة التقى بتلميذه سيبويه الذي كان يكتب كل ما يقول، والذي كثر تردده على مجالس الخليل حتى أحبه، وقال له عبارته الخالدة: "مرحبا بزائر لا يمل"، وقد وجد فيه ما لم يجد في تلاميذه، حتى أن الأمر بلغ بينهما أن يتكلما فلا يفهم أحد ما يقولان. جمع سيبويه أقوال الخليل في النحو وأخرج مصنفا دعاه "الكتاب".

ثم جاء ختام حياة الخليل منسجما مع طبيعة هذه الحياة الهادفة المندفعة إلى البحث وإلى تجميع الأصول، حين رأى جارية تخاصم بائعا، وتطالبه بدراهم أخذها منها بمغالطته إياها، فأراد الخليل أن يقرب نوعا من الحساب تمضي به الجارية فلا يمكن ظلمها، ودخل المسجد وهو يفكر بفكرته تلك، فاصطدم رأسه بسارية ضخمة وانقلب على ظهره وتدحرج إلى الأرض مضرجا بالدماء وكانت هذه نهاية الرأس المفكر، الذي أخرج للناس علما وفكرا. كذا مات الفراهيدي عام مائة وثلاثة وسبعين للهجرة وقيل عام سبعين للهجرة. وهو مستغرق في البحث والتأمل كما كانت حياته بحثا وتأملا. فسلاما على روحه في الخالدين.

(3)

"لقد حصرت الأنغام ومقاديرها وأنواعها، فضممت كلا إلى نوعه، ثم حصرت أوزان الشعر العربي بتوفيق الله، فما لي لا أفكر في حصر ألفاظ اللغة العربية بشكل علمي تام كامل لا يغادر منها فيه لفظ". هذه الضخمة الفكرة البارقة التي كانت تملأ نفسه، وتدور في أعماقه وهو في طريقه من البصرة إلى خراسان، ليعيش في ظل صداقة حبيبة إلى نفسه في شخص الليث بن المظفر، ثم لم يلبث أن وضع مقومات هذا العمل الضخم، ورسم خطوطه، وأوكل أمره إلى الليث الذي أتمه، ذلك هو كتاب "العين" الذي يعد دائرة معارف ضخمة، جهد الخليل في ذلك العمل جهدا بالغا فقد شافه الأعراب في البادية، وأحاط من ذلك بما لم يحط به من قبله. وقد انبعث لهذا العمل في ظل تحد خطير واضح، فقد رأى أن العرب قد ضعفت فيهم السليقة العربية، بعد أن تبلبلت الألسن ونشأ اللحن وأخذت المقاييس غير العربية تسيطر، فكان من ذلك عمله في اللغة ثم عمله في الشعر، أما في اللغة فوضع معجم "العين"، وإما في الشعر فوضع علم "العروض". الذي رتبه ترتيبا عجيبا وجعل الشعر طوائف بحسب الأوزان وأرجع كل طائفة إلى أصلها.

وهكذا انطلق الخليل من فكرة هذا العمل الضخم إلى فكرة بناء المعجم، الذي يقال إنه أول معجم في اللغات بأسرها، وكانت فكرة المعاجم قبله ترمي إلى حصر ألفاظ موضوع معين، فاكتشف الخليل فكرة المعجم الكامل بكتابه "العين"، راميا ضبط اللغة وحصرها، وقد رأى أن اللغة العربية تتألف من تسعة وعشرين حرفا لا يخرج عنها أية كلمة، فوصل إلى يقين من أن الكلمات العربية تنحصر بين الثنائي والخماسي فلا تقل ولا تزيد إلا بحروف زوائد لا دخل لها في المعنى الأصيل، واستطاع من خلال الحروف الـ29 وفيها بين الثنائي أن يحصر اللغة بتتبع دوران كل حرف في الشفاه، عبر ما سمي بنظرية "التقليبات" مستفيدا من علمه ونبوغه في الرياضيات. يقول الدكتور حسن نصّار: "فرتب الحروف أولا وابتكر نظاما جيدا قائما على الأصوات، فالأصوات اللغوية أصوات شبيهة بأنغام الآلات الموسيقية، فأقام دراسته حول الأصوات اللغوية أو الحروف، ثم رتب الأبنية فيما بين الثنائي والخماسي، وجعل هذه الأبنية أساس تقسيم الكتب إلى أبواب".

شهد المؤرخون للخليل بأنه ابتكر طريقة تدوين المعجم، وأنه صاحب الشكل المستعمل منها إلى اليوم.

لم تألف العقلية العربية في ذلك الوقت وجود كتاب المعجم وقد كان هناك بعض الكتب المعاني ككتاب الخيل للأصمعي، وكانت الكتب التي تجمع أسلحة الحرب وغيرها وتسمى دواوين أو ومعاجم معانٍ، لكن الفراهيدي عمل نظاما للعربية جمع فيه كل مفرداتها بطريقة رياضية عجيبة، فقد تمتع بعقلية حسابية. وأنتج معجم "العين" معتمدا على رد الكلمات إلى جذورها، وهو من وضع فكرة "الجذر"، فمثلا الفعل كتب يضع له صيغا افتراضية من خلال نظام "التقليبات" هي: بكت، تكب، بتك... ثم يثبت المستعمل منها فيميزها عن المهمل، معتمدا الواقع اللغوي متمثلا بالقرآن والشعر. فما كان مهملا أهمله وما كان مستعملا أثبته بمعانيه. وبهذه الطريقة الميسرة استطاع حصر أكثر كلمات اللغة العربية. واتخذ الخليل بن أحمد ترتيب المعجم صوتيا، فبنى على مخارج الحروف ترتيب مادته المعجمية، وبذلك يكون قد مهّد لعلم الصوتيات، واهتم الخليل بمخرج الحرف لأن كل صوت له مخرج وله صفة، فالمخرج يعين المكان الذي يتوقف الهواء عنده وقفا كاملا، ولذلك وجدت الأصوات الرخوة والممتدة والشديدة. ووجد الخليل حرف العين هو أبعد الحروف مخرجا، فاختار اسم معجمه من ذلك فسماه "العين" لأنه أول حروف معجمه. واعتمد صدى الصوت ليحدد المخرج الحقيقي للصوت مستخدما أواني الفخار، فكان بذلك واحدا من روّاد المنهج العلمي التجريبي في الفكر العربي الإسلامي. وبذلك أسس أول مدرسة معجمية في العربية، على أساس علمي واضح في ترتيب الكلمات ومواقعها من الجهاز الصوتي وهو الحلق واللسان والفم والشفتان، ثم تصنيف الكلمات وفق ترتيبها في البناء الصرفي.