أبو عُمَر النخلي .. في نصٍّ رثائيٍّ يتيم
كان مما قيل عن أبي بكر أحمد بن النضر السمائلي العُماني (ق5هـ) أنه أول من نظم الفقه من أهل عمان في كتاب جامع هو كتاب الدعائم.
وقد كانت لنا لفتة إلى كتاب الدعائم في سلسلة مقالات سابقة وحديث عن استهلالات ابن النضر في منظوماته الفقهية، وكيف أنه صاغ الأدب في قالب الفقه. غير أننا نقف اليوم أمام نصٍ رثائي ختم به إحدى منظوماته الثماني والعشرين التي ضمّها الكتاب، ومطلعها:
هُوَ الدَّهْرُ يَأْسُو مَنْ أَرَادَ وَيَجْرَحُ ** وَأَحْدَاثُهُ فِي الشُّمَّخِ الشُّمِّ تَقْدَحُ
وكم هو عجيب أن تطالعك مرثيّة من اثني عشر بيتًا في ذيل منظومة في فقه النكاح بلغت مائة بيت وبيتين، ثم لا تقف الدهشة عند ذلك حين ترى كيف أن النص يوحي بأثرٍ عميق تركه رحيل المَرثِي في نفْس الراثي.
يفسر محمد بن وصّاف النزوي (ق6هـ) في كتاب «الحَلّ والإصابة» تذييل ابن النضر منظومته الفقهية بذلكم الرثاء فيقول: «أخبرني بعض أهل الحديث: أن أبا بكر أحمد بن النضر -رحمه الله- كان له أخ في الله تعالى، وكان يسكن قرية نَخل، فأتاه نعيه وهو في عمل هذه القصيدة، فرثاه في آخرها بأبيات، وكان يسمى عبدالله ويُكَنَّى أبا عُمَر».
ولا نكاد نجدُ شيئًا عن أبي عُمَر عبدالله النخلي هذا خبرًا أو ذكرًا في أي مصدر آخر، وها هنا نزعم أن رثاء ابن النضر أبقى ذكره، وأبان عن علاقة متينة بينهما، وعن منزلة عَليّة للمرثي بين الناس في زمانه، فهو يخاطبه في أول الأبيات وكأنه في الحياة فيقول:
أَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ لَمَّا تَغَيَّبَتْ ** مَحَاسِنُهُ فِي الأَرْضِ وَالْعَيْنُ تَسْفَحُ
أَبَا عُمَرٍ مَنْ لِلْمَكَارِمِ وَالْعُلاَ ** وَمَنْ لِذَوِي الإِسْلاَمِ يُؤْوِي وَيَنْصَحُ
أَبَا عُمَرٍ إِنْ غَابَ شَخْصُكَ لَمْ يَغِبْ ** عَنِ النَّاسِ نَشْرٌ مِنْ ثَنَائِكِ يَنْفَحُ
أَبَا عُمَرٍ إِنْ لَمْ يَجِدْكَ فَمَنْ لَهُ ** يَتِيمٌ وَمِسْكِينٌ وَمَنْ يَتَصَفَّحُ
ثم يصف وقع المصاب بفقده، وينتقل مُحبِّرًا عبارات الثناء لشخصه:
لَقَدْ هَوَّنَتْ فِي الدِّينِ كُلَّ مُصِيبَةٍ ** مُصِيبَةُ عَبْدِ اللهِ فَالْقَلْبُ مُقْرَحُ
أَغَرُّ كَنَصْلِ السَّيْفِ مُعْتَدِلُ الْقُوَى ** جَمِيلُ الْمُحَيَّا ضَاحِكُ السِّنِّ شَرْمَحُ
يُعَادِي لِحُبِّ اللهِ أَهْلَ صَفَائِهِ ** وَيَشْتِمُ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَيَمْدَحُ
وعندما شرح ابن وصاف هذه الأبيات جاء بشاهد على قوله: «جميل المُحَيّا» من شعر أبي بكر الستالي، وهو قوله:
إليك سرت ليل التمام ركابُنا ** وأحرَفها طيّ الفَلا وأَكَلَّها
بنور مُحيّاك اهتدت مسلك السرى ** ونشر سجاياك الظواهر دَلّها
وهذان البيتان مما ليس في ديوان الستالي المخطوط والمطبوع، ومثلهما شواهد أخرى في الشرح لم تَرِد في الديوان، ولعل تتبعها مما يخدم إعادة تحقيق الديوان ونشره. وفي خاتمة الأبيات الاثني عشر التي أجزل ابن النضر فيها من بليغ نظمه يشير إلى قبره بنخل، وهو ما يعضد الرواية التي نقلها ابن وصّاف:
فَللهِ قَبْرٌ ضَمَّنَ البِرَّ وَالتُّقَى ** بِنَخْلٍ وَبَحْرًا بِالْمَوَاهِبِ يَطْفَحُ
لَئِنْ كَانَ ضَنْكًا قَبْرُهُ إِنَّ ذِكْرَهُ ** لَيُشْجَى بِهِ خَرْقٌ مِنَ الأَرْضِ أَفْيَحُ
لَقَدْ قُدِّسَتْ أَرْضٌ أَبُو عُمَرٍ بِهَا ** وَقُدِّسَ أَهْلُوهَا جَمِيعًا وَأَفْلَحُوا
