هذا كتاب حب لا كتاب مرض
الفلسطيني ليس دائما شهيدا، وليس مطلوب منه أن يستشهد ليثبت فلسطينيته، يكفي أن يحافظ الفلسطيني على حياته ووطنيته داخل عقله وقلبه، والتزامه الحديدي بثوابت الكفاح الفلسطيني ويبقى صامدا في قريته أو مدينته وحتى مخيمه، ليكون مقاوما جميلا، يشكل صموده وتماسكه شوكة في حلق المحتلين، يكفي أن يكافح ليساعد شعبه في مجالات كثيرة، يكفي أن يكون قدوة لشعبه في الحب والخير والجمال والإيمان بالإنسانية، هذا ما استنتجته من كتاب سيرة الصديق جاد الطويل ( الهيموفيليا – نزف الدم، جاد والقدس) من مدينة البيرة في فلسطين، السيرة( التي ستصدر خلال أسابيع عن دار الياحور للنشر والتوزيع في القدس،) لم تقل فقط حكاياته الشخصية مع هذا المرض الوراثي اللعين لكنها أيضا وصفت السياق الوطني والطبي والاجتماعي الذي أثّر عليه، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، شاهدة على مراحل مهمة من مراحل الكفاح الفلسطيني و القطاع الطبي الفلسطيني بشكل خاص، كما وصفت مشاركته في هم شعبه العام وألم مرضى بلاده بطريقته الفريدة الوفية. ولعل أجمل فصول الكتاب هو وصف الكاتب لتأثير والده الراحل على معنوياته وإحساسه بالعدالة والحق والجمال كمريض مرض( نزف الدم) يقول الكاتب:
(مر أكثر من خمسة وخمسين عاما، ومع ذلك ما تزال كلمات والدي الراحل وشغفه والتزامه الثابت بالعدالة محفور في ذاكرتي بوضوح، كان ذلك خلال صيف في فلسطين عندما عاد من أمريكا في زيارة قصيرة، كنت ابنه البكر، أنصت إليه بشغف، بينما كان يحدثني عن حركة الحقوق المدنية الأمريكية وعن أهوال الحروب، ومعاناة حياة اللاجئين. كان يردد لي باحترام يكاد يكون مقدسا كلمات القس مارتن لوثر كنج الابن: لدي حلم، أنه في يوم من الأيام، ستنهض هذه الأمة وتعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها، ونحن نتمسك بهذه الحقائق لتكون بديهية، أن جميع الناس خلقوا متساوين).
استمتعت متألما بقراءة هذه التحفة الشفافة والإنسانية للعزيز الصديق جاد الطويل، وقصة ألم الاستمتاع هذه أواجهها حين أقرأ ألما شخصيا يتحدث عنه الكاتب بعذوبة لغوية وشفافية شعرية ودفء ،لا أعرف عن جاد إلا أنه كان أحد طلاب أبي في مدارس رام الله وأنه لطيف جدا حتى لتحسب صوته صوت طفل يحب العالم كله، وأنه من مواليد القدس تحديدا في مشفى الهوسبيس، عام 64 في أول الشهر السابع منه، وهذا يعني أني أكبره بأربعة أيام، وأتشارك معه نفس المشفى وربما نفس الطبيب الذي أتى بنا لهذا العالم. هذا كله جعلني أكتب بحماسة لرفيق المشفى.
انخرط جاد في مهمة مقدسة وهي أن يساعد مرضى هذا المرض النادر الخطير في بلاده، لن يتركهم لوحدهم، هو يعرف كم هو مؤلم وخطير هذا المرض، وكم يعطل الحياة ويعرقل الأحلام، كان ذلك متاحا بحكم عمله التطوعي في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، اجتهد جاد الطويل، في الاقتراب من مؤسسات القطاع العام الطبية في الضفة الغربية والقدس وقطاع القدس، وشارك في مؤتمرات طبية، وإعلامية مطالبا المؤسسات ووزارة الصحة بالانتباه أكثر إلى هذا المرض. يقول الكاتب: عام 1012 شكل نقطة تحول في حياته المهنية والتطوعية، اذ أتاح لي الانخراط في مؤتمرات محلية، وإقليمية ودولية فرصة إثراء معرفتي الطبية، ودفعني لاتخاذ قرار الانتقال لمسار جديد وهو العمل الصحي في القطاع الخاص، وفي ذلك العام جبت العالم مشاركا في كل معارض ومؤتمرات طبية، في تركيا وإيطاليا ودبي وأمريكا).
الكتاب ليس سيرة ذاتية لرحلة جاد مع مرض وراثي نادر هو الهيموفيليا، يتجلط فيه الدم بشكل طبيعي، ويسبب نزيفا متواصلا عند التعرض لأقل خدش أو رضة، الكتاب أوسع من مجرد سرد لمحطات معاناة الكاتب من هذا المرض، هو درس في الصبر وحكمة التفكير، والاستمتاع بالحياة قدر الإمكان، وتأمل في لغز الحياة، والقتال من أجل الشفاء، أجمل ما في هذا الكتاب أن جاد حول قتاله من أجل الشفاء الشخصي إلى قتال من أجل مساعدة الناس على الشفاء، بكل كرم روحه وتضامنه مع متألمي مرضه، استطاع الكاتب الحصول على دعم أوروبي لوزارة الصحة الفلسطينية لعلاج مصابي المرض في فلسطين. قوة ومجد هذا الكتاب يتوزعان أيضا على سرد الكاتب لعديد من المواقف والأحداث التي يظهر فيها الأب، عملاقا جميلا نبيلا يقاتل من أجل شفاء ابنه... هذا كتاب حب، لا كتاب مرض.
