"أيها العالم يا حبي".. جغرافيا ياسر عبد اللطيف الشعرية
حين أصدر الشاعر المصري ياسر عبد اللطيف ديوانه الأولى "ناس وأحجار" كان عقد التسعينيات قد انتصف، وبدت صرخة جيل شعراء النثر عالية أكثر من اللازم، لأن شعراءً كلاسيكيين كباراً بحجم أحمد عبد المعطي حجازي وغيره اتهموا أصحابها بأنهم صنيعة المخابرات الغربية.
انقسم المشهد إلى محب وكارهٍ للقصيدة الجديدة، قصيدة اليومي والعابر. وفرح كثير من الشعراء بالضجة، ففي المعارك يختفي سؤال القيمة، ويعلو صوت القبلية، الذي يلخصه المثل القائل "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". وفي غمرة تمدد قصيدة النثر بدا كأن الجميع تقريباً يكتبون نصاً واحداً، وينهلون من قاموس واحد. اختفت الفروق الفردية تقريباً، وعُقِر أي مثقف جرؤ على انتقاد التكرار، بل وشُيطِن واتُّهِم بالسلفية الأدبية، أي أن شعراء النثر مارسوا نفس الإرهاب الذي مورس عليهم.
بدا المشهد مرتبكاً، خاصة مع هجرة شعراء السبعينيات والثمانينيات، مثل حلمي سالم ومحمد صالح وجمال القصاص إلى القصيدة الجديدة، وبذلك وجدنا شعراء في الستين أو السبعين من أعمارهم يبدأون السلَّم من أوله. خلعوا معاطفهم الثقيلة وارتدوا قمصان "هاواي". من ناحية الشكل بدا كأن جسم الشعر قد رُدَّتْ إليه الحياة، لكن القفص امتلأ في داخله بحبَّات طماطم عطنة هدَّدت بقية الثمرات بالفساد، كما أن الخلط امتد إلى عدم التفرقة بين قصيدة النثر والقصيدة الحرة، كأنهما شيء واحد، رغم وضوح الفوارق في مقولات آباء قصيدة النثر مثل تشارلز سيميك وجون آشبري وراسل إدسون.
كان ياسر عبد اللطيف واحداً من الأسماء القليلة – في جيل التسعينيات - ذات الصوت الهادئ والمختلف. قصيدته ابنة مكانها وزمانها، ولا تشبه إلا نفسها. لم ينشغل بفكرة تعزيز وجوده بسرعة مؤاخاة الديوان، حتى أنه حين أصدر عمله الثاني بعد عدة سنوات (2002) كان رواية هي "قانون الوراثة"، رواية قصيرة حصلت على جائزة ساويرس في أولى دوراتها وكُتِبت عنها عدة مقالات تشيد بجودتها، وتصويرها لوجهٍ آخر من وجوه ضواحي القاهرة. بدءاً من هذه اللحظة رسَّخ ياسر لوجوده ككاتب، يضع قدماً في الشعر، وقدماً في السرد، ولماذا لا يحدث ذلك، وقصيدة النثر في أحد تجلياتها قد استعارت السرد والحكاية و"شكل الفقرة" من القصة والرواية. صار ياسر مع توالي أعماله الشعرية "جولة ليلية" و"قصائد العطلة الطويلة"، وكذلك القصصية "يونس في أحشاء الحوت" و"في الإقامة والترحال" و"موسم الأوقات العالية"، هو الدليل على سهولة انتقال الشاعر إلى كتابة السرد والتميز فيه. لم يزاحم الآخرين على مناطق نفوذهم، وكتب تجربته الذاتية مع المدينة، أو الأدق مع ضواحيها، من المعادي إلى حلوان، ومن المعادي إلى وسط البلد. كتب أيضاً عن لحظات الفرح المسروقة مع الرفاق، عن كلاب الشوارع الخلفية سواء كانوا بشراً أو حيواناتٍ، عن غرق المعادي وبيوتها وثكناتها في العزلة، عن المخبوء الشعبي الغريب والمبتذل في الجهة النائمة المقابلة لكورنيش النيل. بحث عن المعاني في لغة السكان الأصليين، وكيف تسرَّبت إليها أصوات الحداثة، أو كيف حفظت نفسها من الموت.
لم تختلف كتابة ياسر بعد أن هاجر إلى كندا، سوى أن رقعتها الجغرافية قد اتَّسعت، وضمَّت ضواحي مدينة إدمنتون في مقاطعة ألبرتا. انشغل بتأمل أبناء الأعراق الأخرى وهم يتحولون إلى تماثيل منحوتة من الثلج والضجر، وبذلك بعد أن كانت عزلته في وسط مدينة يعرفها جيداً، صارت غربة في مدينة صناعية لا تبذل أي مجهود لتجميل نفسها في عين أي مهاجر.
طالت المقدمة بعض الشيء لكنها لازمة لقراءة ديوان ياسر عبد اللطيف الجديد "أيها العالم يا حبي"، فهو خلاصة تجربته الأدبية، ورؤيته للحياة ولنفسه، ونظرته إلى أيامه العابرة وماضيه القديم، وكذلك توقه لمدن تغيَّرت حتى لم يبقَ منها سوى أطلال وأشباح. يبدأ ياسر عالم الديوان من غربته، حيث الوحدة أكبر حقيقة: "أحياناً، أتعثَّر على أرض غريبة، بلا عصا أتوكأ عليها، ولا أهل ولا سكن، بلا صحبة ولا مال".
إن الجمال الغربي الصارخ لا يمكن أبداً أن ينسيه موقعه الحالي من العالم، فهذا الجبل العظيم، الذي يجلس أسفله، لا يذكِّره إلا بضآلته، أو بالأشياء التافهة الجميلة التي فقدها: "فجأة وعند منعطف، تضربني الطبيعة بحضورها، أنا الذي لا يعرف سوى الماكينات الخربة، والمقاهي التي يتفجَّر بها اللعاب القومي، أنهاراً من الكلام، أجلس عند أقدام جبل حقيقي، أقضم تفاحة".
أثناء الوحدة يتحوَّل إلى عين تراقب. كل نأمة، أو كلمة، أو تصرف، أو مشهد، تذكره بما مرَّ به وهو وسط أقرانه وعائلته ورفاقه، لا ليغلِّب طرفاً على آخر، ولا ليقدِّس حياة بعينها، فالناس مجبولون أحياناً على التصرف بنفس الطريقة مهما باعدت بينهم المسافات، طالما أنهم ينتمون إلى نفس الطبقة أو الثقافة. مثلاً في قصيدة "سوسيولوجيا" حيث الأسر الفقيرة تزور الأسر الغنية، يمنِّي الأطفال أنفسهم بأطباق الحلوى، وحين تُقدَّم لهم لا يمدون أيديهم، خوفاً من لوم الأبوين، أو لتمثيل التعفف، كما يفكر الكبار في عشاء دسم، لكن تقكيرهم يظل مجرد أمنية، فهم يعرفون أن المضيفين حريصون أو بخيلون ولا يمكن أن يبدِّدوا مالهم على عشاءات بدون حساب: "شاهدت ذلك مراراً، ومن الناحيتين".
ياسر عبد اللطيف يقابل كل موقف عاشه في الغرب، بموقف شبيه في الشرق. يتأمل مثلاً النادلة الكندية ذات الأصل الأوكراني وهي تأكل شطيرتها في فترة الاستراحة. إنها على ما يبدو لا تراه، أو تراه ولا تكترث إلا لإخماد ثورة معدتها، فهي تأكل بفك معوج يشوِّه حسنها السلافي في خلوة خلف المشرب. يستدعي ياسر مقابلها على الناحية الأخرى. خادمة من قرية "الصفِّ" في ضواحي الجيزة، تجلس على الأرض لا تعير العالم أي انتباه، وهي تنكبُّ على طبق طعامٍ بائت. يصل الشاعر إلى حقيقته أخيراً: "أمام طعام الضرورة، نستحيل جميعاً إلى جرذان جزعة".
لا يبدو ياسر عبد اللطيف منشغلاً بما تفضي إليه تلك المقارنات، فثمة فراغات يمكن له أن يملأها مهما تأزمت الحياة، وهي فراغات يجد فيها سلواه، كأن يصبح فرداً في أخوة المدخنين مثلاً: "لا تقل يتسوَّل سجائره، وقل يفترضها. ثمة أخوة سرية وعالمية للمدخنين، تضمن أن يعيد لك أحدهم تلك اللفافة، وفي أي مكان في العالم، وقت نفاد التبغ من جيوبك، ومَن قدَّم شيئاً يلقه لاحقاً".
يستعيد ياسر إسكندريته الجميلة، يَدخُلها من بوابتها السوداء بروح مجرم، فرَّ من عدالة السماء، بتعبيره. يستعيدها كما رآها، أو كما قرأ عنها في كتب التاريخ، بأعمدتها الرخامية وتماثيل التناجرا فيها، ونبيذ البطالسة التي تفيض من دنان فخارها. إن رؤيته لها تفتقد إلى مواقف حميمة كان يتمنى أن يمر بها، كأن يشاهد أهم أدبائها وهم يتعاطون معها، إدوار الخراط موظفاً في بنكها الأهلي، وعلاء خالد يأكل الفول بمقهى "عيدة"، وأسامة الدناصوري يعبر نفق سموحة، لكنه على أية حال يستحضرها بطريقته: "فقط رأيتها هناك بجرح في قدمها، يتخثَّر بين يدي طبيب يهودي، في مستشفى حكومي للمومسات".
رآها أيضاً في وجه "عايدة"، بائعة الزهور الغجرية العجوز، التي تحصل كل يوم على بضاعتها من مقابر الروم الكاثوليك في الشاطبي، رآها في قصر صغير أبيض قاعة الطعام به ترى البحر من نافذة عريضة. إن قصائد ياسر عن الإسكندرية تفيض برائحة اليود، وتهدر بصوت البحر، ويبدو زمنها سائلاً كأنه يجمع طبقاتها وأزمانها كلها في يده.
يقفز ياسر من الإسكندرية إلى القاهرة، ومن الحاضر إلى العدم، يتأمل نفسه. موضع عينه الخاملة في وجهه. يرجع إلى صباه، وهو يتقاسم القطارات مع شقيقه: "هذا القطار لي وهذا القطار لك"، ثم إلى شبابه يتأمل رحلة أحد أقربائه المهاجرين، الذي يقضي عمره في محاولة الاندماج أو تغيير الصورة، يأكل على طريقة أصحاب البلد، ويرطن بلهجتهم، وتفوح ملابسه بروائح عطورهم، لكنه في لحظة ما، حين ينخر جسده السرطان، يُشحَن جثمانه إلى القارة السمراء ليُدفن مع العائلة، فالرفات ملك للأرض التي نبتت فيها، لا للغرباء.
كذلك يتأمل ياسر الصدف التي صنعتنا، بلغة مسنونة، وكلمات معجمية، فيها رائحة وصدق وحرارة، دون أن تتحول القصيدة إلى حكمة أو فلسفة: "يسير ابن آدم على البسيطة في خط مستقيم، والأفق أمامه. يصلي ويشكر نعمة الأنفاس والروتين والتكرار، ويحصي عمره بملاعق القهوة، وبأنابيب معجون الأسنان، وبأرغفة الخبز التي تنفد كلما اشتراها". هذا الديوان يجهلك تعتقد أن بإمكانك أن تصبح شاعراً وتكتب مثله، فلغته وصوره وحكاياته بسيطة وقريبة من القلب، وتفتح نافذة في الروح على حقول الجمال المشرقة.
