"نادي قهقهة" يُشعل الضحك في ليلة "ستاند أب كوميدي"
مرت علي الكثير من مقاطع الفيديو لما يعرف بفن "ستاند أب كوميدي"، الكثير منها أضحكني فعلا، لأطرح تساؤلا على نفسي هل فن "ستاند أب كوميدي" مضحك فعلا، أم أن ما ينتشر من مقاطع يتم اختيار المضحك منه فقط؟!
هذا السؤال دفعني إلى فضول حضور هذا النوع من العروض "المسرحية" إن صح التعبير، فهو بالأخير شكل من أشكال المسرح، إنما يختلف معه بمساحة الحرية الأكبر والتحرير من سطوة المخرج، والنص والتحرر كذلك من أساسيات المسرح مثل الديكور والإضاءة والسينوغرافيا وغيرها من الأساسيات الأخرى.
وأتيحت لي الفرصة لحضور عرض من العروض المتنوعة لفن "ستاند أب كوميدي"، إذ ورد لي إعلان عن فعالية كوميدية ينظمها "نادي قهقهة"، وهو نادٍ من تأسيس شباب عمانيين يهدفون إلى نشر ثقافة فن "ستاند أب كوميدي" وما يحمله من روح مرحة.
كانت الليلة بمشاركة 10 فنانين كوميديين من سلطنة عمان ومن دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، لتكون ليلة خليجية صنعت الضحك والابتسامة على محيا الجمهور، إذ توافد الجمهور إلى مسرح صغير من مسارح مباني ميناء السلطان قابوس أمس الأول الجمعة.
انطلقت الأمسية الكوميدية بتقديم مؤسس "نادي قهقهة" خالد الغيلاني، والمعروف بلقب "لودو" محييا الجمهور ومشعلا فيهم روح الحماس، ليقدم المشاركين بعد ذلك الكاتب معاوية الرواحي، الذي كان بمثابة فنان من فناني "ستاند أب كوميدي" إذ قدم الفنانين بطريقة خفيفة للظل مليئة باللفتات المضحكة وأحيانا الغريبة غير المتوقعة، وأحيانا الجارحة كعبارة "وينك يا بغام"، فهل الكوميديا تُسقط التكلفة إلى هذا الحد -أو أكثر- في عالم "ستاند أب كوميدي".
خرجت من العرض بانطباعات خاصة، ربما يشترك معي من حضر هذا الفن لأول مرة، فكثير من فناني "ستاند أب كوميدي" يميلون إلى اختيار أسماء مستعارة، ليكون بمثابة الاسم الفني، منهم الفنان السعودي الجميل "براون" والذي نجح في إضحاك الجمهور بشكل كبير من خلال سرده لمواقف والدته، ومنهم العماني "ساد"، و"بيمو" و"لودو"، في حين قدم البعض فقراتهم بأسمائهم الحقيقية مثل الشاب العماني الصاعد "قابوس الغيثي" ذي الـ 16 ربيعا، والإماراتي "عبدالله الأنصاري"، والبحريني "عبدالله نزار"، وأخيرا النجم الكويتي "أحمد الشمري".
ومن انطباعاتي الشخصية على هذا الفن تطرق الكثير من الفنانين إلى المسائل الشخصية المرتبطة بالطفولة أو العائلة أو الأصدقاء، ليوظفها بصورة كوميدية أمام الجمهور، كما يعمد البعض إلى ملاطفة أحد الجماهير معلقا على ضحكته أو كلامه، إذ من الممكن للجمهور التفاعل والحديث مع مقدم الفن، ومما لاحظته كذلك اعتماد بعض الفنانين على الإيحاءات غير المباشرة للكثير من الأمور الحساسة، متجنبين الألفاظ الصريحة التي قد يستنكرها المتلقي، وكذلك جلد الذات.
إضافة إلى ذلك، تطرق الكثير من الفنانين إلى قضايا اجتماعية متعددة بطريقة كوميدية، منهم الفنان الكويتي أحمد الشمري الذي سرد حديثا طويلا عن مواقف الأزواج مع بعضهم.
ويمتلك عدد من الفنانين القدرة على التلاعب بطبقات الصوت لإضفاء جرعة من الكوميديا، بعضهم ينجح والبعض قد يجانب النجاح، ومنهم من يمتلك مواهب متنوعة، وعلى سبيل المثال الحديث بصوت واضح دون تحريك الشفاه، ما يعرف بـ "الحديث من البطن" أو "الحديث الباطني" مثل الفنان عبدالله الأنصاري الذي أدخل معه شخصية أخرى عبارة عن دمية يحركها بيده ويحاورها بصوت مختلف، وكلاهما صوته، وهذا ما أدى إلى تفاعل الجمهور بشكل كبير، فالدمية "أبو جليل" أصبحت كأنها شخصية مستقلة لديها قدرة على الرد العفوي والمفاجئ الذي لا يتوقعه الجمهور.
الحديث الباطني
عبدالله الأنصاري الذي تفردت فقرته بتحريك الدمية والحديث الباطني، قال في حديث لـ "عمان": "فن التحدث الباطني هو مهارة مكتسبة وليست كما يظن البعض أنها موهبة ينفرد بها مجموعة قليلة من الناس، تعتمد هذه المهارة على الحديث من دون تحريك الشفاه، ويتم استبدال الحروف التي تحتاج إلى إطباق الشفاه كـ (الباء والميم) بأصوات أخرى تشبه تلك الحروف، ويستعين مؤدي هذا الفن بالعادة بدمية تظهر معه على المسرح، ويتحاور معها بطريقة شيقة وكوميدية، وتكمن صعوبة هذا الفن في إقناع الجمهور بأن الدمية شخص حقيقي، ولا يمكن إقناع الجمهور بذلك إلا باقتناع المؤدي نفسه بكون الدمية فعلا حقيقية، وفي بعض الأحيان أتفاجأ بما يقوله (أبو جليل)، لأنه يقول أول فكرة تخطر في بالي، ولا يتسنى لي أحيانا استيعاب ما قلت حتى أسمعه بصوت مرتفع".
نادي قهقهة
وللتعرف أكثر على "نادي قهقهة" التقينا بمؤسس النادي خالد الغيلاني، وقال: "قبل تشكيل نادي قهقهة للكوميديا، كانت هناك جهود فردية من قبل الشباب المهتمين بفن ستاند أب كوميدي، فاجتمعنا لتأسيس النادي ليكون تحت مظلة رسمية، وهي وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وتم إشهار النادي العام الماضي 2022 لتقديم العروض الحية الحديثة والفريدة من نوعها من ستاند أب كوميدي والغناء والشعر والمسرح وغيره الكثير".
وأضاف الغيلاني: "الكثير من الجمهور الذي حضر فعالية (قهقهة خليجية) كان متوقعا أن تفشل، جاء بروح سلبية، لأنه وضع في حسبانه مقارنة ما نقدمه مع الواقع الحالي في استاند أب كوميدي الغربي أو الأمريكي تحديدا، ولكننا لنا طبيعتنا الخاصة وثقافتنا وما يضحكنا في سلطنة عمان وفي الخليج بشكل عام، بمعنى أننا نستطيع صناعة ستاند أب كوميدي خليجي وننجح في صناعة البهجة والترفيه، وهذا ما حدث فعلا في الفعالية الأخيرة، إذ تغيرت نظرة الكثير من الجمهور".
وتابع: "الجمهور الذي حضر الفعالية أبدى إعجابه بها، الكثير منهم أبدى استعداده للوقوف معنا وتقديم ما يمكنه للارتقاء بهذا الفن وبهذا النادي".
طويت صفحة هذه الليلة وبقي معها أثر تجربة جميلة، وأمل بأن يرتقي هذا الفن ذو النشأة الأمريكية إلى مستوى أفضل في سلطنة عمان وفي المنطقة ليحمل رسائل إيجابية وروحا فكاهية مرحة بعيدا عن الإسفاف والتحريج والدخول في المحظور كما يحدث مع البعض.
