ثقافة

مـي المغـربي: ما أردت قـوله عـن مديـنة عشـت فيـها 25 عـامًا انتـهى ولن يتـكرر!

27 يناير 2026
27 يناير 2026

حوارـ حسن عبد الموجود

تفضِّل قراءة المقالات والكتب النقدية عن الأدب - 

بطلتي ناصرة ألهمتني الكتابة عن ممارسات طب النساء العنصرية تجاه الآنسات بالذات - 

لست مهتمة بمسألة الأجيال وتصنيف الأدب حسب مقاسه شيء تجاوزه الزمن - 

في الرواية الأولى للكاتبة المصرية مي المغربي «الخروج من غيط العنب»، لا نرى مدينة الإسكندرية بصورتها الرومانسية الحالمة، وإنما تظهر على تخومها منطقة غيط العنب، كأنها مكان يطلُّ على الهاوية، يمحو أحلام البشر، ويحكم عليهم بالنسيان.

رواية قصيرة لكن فيها جرعة ضخمة من القسوة، فيها استبطان لمشاعر فتاة تدعى «ناصرة» حاولت أن تفهم حدود جسدها، وعالمها، ولماذا يتصرف الآخرون بدونية حولها!

في هذا الحوار تتحدث مي المغربي عن بطلتها وروايتها والمدينة التي عاشت فيها خمسة وعشرين عامًا وكيف ترى الإسكندرية الآن ومشروعاتها القادمة

تحكي الرواية الكيفية التي نزحت بها بعض الأسر من الصعيد أو الدلتا إلى منطقة «غيط العنب» في الإسكندرية وكيف غيَّر المكان مصيرها إلى الأبد.. لماذا وقع اختيارك على تلك المنطقة؟

انشغلتُ بفكرة التطوير والهدم، وما يلازمه من نزوحٍ من مكان لنفس المكان لكن بهيئة عمرانية جديدة، كيف سيؤثر ذلك على المقيمين وكيف سيتعاملون مع تلك النقلة المربكة، وكيف يمكن أن نقرأ تلك النقلة في الأدب. أيضًا انشغلتُ بالخطاب الكوزموبوليتاني السكندري الذي يزيح أي مكان من الخريطة الثقافية طالما لا يخدم سرديته الرومانسية عن المدينة. غيط العنب بدت لي مكانًا مناسبًا للاشتباك مع تلك الأسئلة، نظرًا لأنني عايشتها منذ أوائل الألفية وحتى لحظة الهدم وكانت حكايات الهجرة شبه يومية، غير مسموح بأن تروى للغرباء، لأنها لا تخدم السردية السائدة عن المدينة وبالتالي لا تخدم البشر الخارجين عن تلك السردية، حيث لا مكان للعمال وللفلاحين أو الصعايدة بجانب البحر أو الترام الأزرق. حفَّزني ذلك على اختيار غيط العنب لسببين: أولهما أن معظم الأدبيات عن «غيط العنب» بدأت في الستينيات وكأنه لا غيط عنب قبل هذا التاريخ، ولم أكن أعرف أين أضع هذا الأرشيف الذي ورثته.

وأيضًا تعاملتْ معظم الأدبيات مع غيط العنب معاملة الفندق أو العتبة للخروج إلى المدينة الحقيقية وكأنها مكان غير حقيقي وغير قادر على أن يدور داخله شيء دون مساندة من البحر. وثانيًا أن النزوح بسبب « التطوير» حدث أكثر من مرة من قبل بسبب بناء المصانع على سبيل المثال، ورأيت أنه يمكن استدعاء تاريخ التطوير في غيط العنب لفهم النزوح الجديد لبشاير الخير.

هل يمكن اعتبارها رواية عن المكان بقدر ما هي رواية عن ناسه؟

الرواية عن الاثنين، المكان وناسه كأنهم كتلة واحدة، حيث يصعب تفكيك المكان تاريخيًا أو جغرافيًا دون تفكيك سكانه. أبطال الرواية بتحركاتهم وأفعالهم ومصائرهم وحتى تفكيرهم وقصصهم الخيالية هو نتاج الجغرافيا الخانقة في غيط العنب، وأرى أن الإسكندرية بشكل ما خلقت انشغالًا ما بالمكان سواء كنت مع السردية الرومانسية السائدة حوله أو قررت أن تفككها.

الرواية تقارب بشكل مباشر مشاعر البطلة وتشكك القارئ في أنها تحمل هرمونات ذكورية، وترصد علاقتها الحسية بمايكل.. ماذا تمنح المباشرة في الإيروتيكا للعمل الأدبي؟

في روايتي لا أرى أن هناك إيروتيكا، فالإيروتيكا لها أبعاد جمالية لم أنشغل بها وقت الكتابة. في الرواية مشاهد حسية أو جنسية لكن الحياة تمشي هكذا، فأنا لا أتصور عملًا أدبيًا يحكي تفاصيل حياة شخصية دون أن يجعلها تأكل مثلًا، أو تدخل في علاقة حسية، كما أن العلاقات الجنسية التي تتورط فيها ناصرة مهمة لفهم سؤالها عن جندريتها، إذ كيف يمكن أن تكتشف إن كانت امرأة أم رجلًا دون الانخراط مع آخر، خاصة وأن بوابة طب النساء مغلقة في وجهها، فمسألة الجندر والعلاقات الجنسية عند ناصرة تفتح بوابة شديدة الخصوصية على ممارسات طب النساء. كنت مشغولة بشدة وما زلت بممارسات طب النساء شديدة البرودة والعنصرية تجاه الآنسات بالذات، ووجدت في حيرة ناصرة عن جندرها بوابة جديدة لدخول عالم بارد وغير مهتم بأزمات النساء الصحية والجندرية.

أما علاقتها مع مايكل أو غيره فهي علاقة ساذجة ومليئة بالممارسات المرتبكة، وأهميتها في إبراز اضطراب ناصرة تجاه نفسها وجندريتها، وتجاه ذاكرتها، حيث يختلط كل ماهو حسي بذكرياتها وأحلام يقظتها.

تمتلئ الرواية بمفردات شتائم الشارع.. هل الشخصيات فرضت «معجم العمل»؟

نعم، لأنها جزء لا يتجزأ من ثقافة المكان المختلطة، فكل شتيمة أو مسبَّة هي نتاج اختلاط مشكلات ونكات وممارسة كل ما هو سكندري وصعيدي وريفي معًا. ولكن في بداية عملي على الرواية قررت استخدام العامية القريبة من الفصحى في السرد، لأني أردت الابتعاد بالرواية عن تصنيف «رواية تاريخية» قدر الإمكان، رغم أن العامية لا تقلل من العمل أو التاريخ، ولكنها الجماليات المفروضة الآن، وأيضًا لتصبح الرواية كأرشيف ذاتي لناصرة وعائلتها وعملها. ما شجعني وجعلني أتمسك بهذا القرار هو عدد مجلة «الإسكندرية في بداية القرن العشرين» ليوسف فهمي الجزايرلي، صار مرجعًا أساسيًا لكل ما يخص غيط العنب قبل الستينيات، وأيضًا لفت نظري أن اللغة المستخدمة فيه «عامية فصحى» أيضًا. عامية مختلفة عن العامية المستخدمة في عصرنا الآن ولكنها ما زالت عامية. العدد نُشِر داخل مجلة فرنسية اسمها «كراسات الإسكندرية- Cahiers d›Alexandrie» وفيه يحاول توثيق لغة الأحياء الشعبية وممارسات أهلها، فهو تاريخ موجَّه لأولاد البلد ومنشغل بهم وليس بالأجانب، والأهم أنه لا يداعب سردية الإسكندرية الكوزموبوليتانية.

أيضاً ثمة مرجع آخر هو ملفات المحاكم الأهلية في بداية القرن العشرين، حيث وجدت فيه قضايا مرفوعة من نساء ضد أزواجهن بسبب رفضهم لهجرة زوجاتهم من الريف للإسكندرية، ومارسوا عليهن عنفًا لفظيًا وجسديًا لإبعادهن عن الإسكندرية. في المحاضر والعوارض وجدت اللغة عامية ومليئة بالشتائم والمسبَّات لإثبات حالات العنف التي تعرَّضت لها السيدات الصعيديات والريفيات، وهو ما يظهر في قصة رية وزوجها داخل الرواية.

أيضًا بالنسبة لفرض معجم معين في العمل، واجهتُ تحديًا كبيرًا بالنسبة لي أن أكتب عن مسألة الحيرة والأزمات الجندرية بلغة غير معاصرة، فالمتاح لغة شمولية مترجمة أو معربة والأهم أنها لا تتسق مع الزمن -السبعينيات والثمانينيات- الذي تعيش فيه ناصرة حالة الحيرة تجاه جسدها وميولها الجنسية، ولذلك فكَّرت كثيرًا في مسألة اختيار لغة مناسبة ومقبولة.

لم تقترب الرواية بالشكل الكافي من الأب أو الأم أو الجد والجدة، لماذا لم تمنحيهم الحق في الكلام؟

صحيح، لأن الرواية عبارة عن تمشية في دماغ ناصرة المرتكزة حول ذاتها والمسحولة في تكريس صورة خاصة متماسكة عن نفسها. أيضًا أعتبر ذلك التهميش للباقين من طرف ناصرة هو رد فعل على العنف الذي لاقته منهم، فهي تُخرِس مَن همَّشها وتبتر قصته، أو تحذف وتضيف من ذاكرتها لتكون هي الحدث الأساسي.

فيما يخص الجد والجدة حاولت ناصرة استعادة أرشيفهما، وحاولت فهمه رغم كرهها لهما، لأنهما السبب الرئيسي في وجودها بغيط العنب. أصبح تهميشها لهما منطقيًا لأنها لا تعرف الكثير عنهما وتحركها عاطفة الغضب منهما. كذلك علاقة ناصرة مع أمها مضطربة فهي تكره لمستها لها، وكذلك تكره حضور أبيها المرعب وبالتالي هي غير مستعدة لإعطائهما مساحة في دماغها.

أما أخوها سامي فمنحته مساحة في بداية الرواية حتى بدأ في تعنيفها فقلَّصت حضوره لأنه يذكِّرها وبشكل ساخر ومؤلم بالانفصال عن فكرة العائلة أو فكرة الأمان الذي يجب أن تستقبله منهم.

لماذا اخترتِ أن تكون نوفيلا قصيرة مع أن قماشة العالم واسعة؟

لم أخطط وقت كتابتي للرواية كيف سيكون مقاسها، انتهت وقت ما انتهت، وأرى أن مسألة تصنيف الأدب حسب مقاسه شيء تجاوزه الزمن.

هل تأخرت الرواية الأولى لك؟

لا، كل شيء يحدث في وقته المناسب.

هل ستكون روايتك الثانية في الإسكندرية؟

لا، ما أردت قوله عن المدينة التي عشت فيها لمدة خمسة وعشرين عامًا، انتهى، ورواياتي القادمة ليس من الضروري أن تنشغل بالمكان لهذه الدرجة.

ما الجيل الذي تحسبين نفسك عليه؟ ومَن الكتَّاب المصريين والعرب الذين تفضلين القراءة لهم ولماذا؟

لست مشغولة بمسألة الأجيال، وأفضِّل قراءة المقالات والكتب النقدية والبحثية عن الأدب أغلب الوقت، أقرأ كثيرًا لبيل هوكس وخالد فهمي وعبد الفتاح كيليطو ويان اسمان وسوزان سونتاج، لأني أحب لعبة التفكيك والاشتباك مع الأكواد.

وفي الأدب أفضل محمد مستجاب وألبير قصيري وياسر عبد اللطيف وسالي روني وجاهين ولويز غلك وسيلفيا بلاث وعماد أبو صالح، وأيضًا كتاب «أوائل زيارات الدهشة» لمحمد عفيفي مطر أعيد قراءته كل عام، تقريبًا في نفس الموعد.

ما يتقاطع بين كل هؤلاء الأدباء هو قدرتهم المدهشة على التكثيف، السخرية الحادة، والاشتباك مع مسائل ونظريات فلسفية ونقدية وتحليلية بشكل أدبي خالص.

أخيرًا.. ما تخطيطك لخطواتك المقبلة أدبيًا؟

أعمل على ديوان شعري منذ ثلاث سنوات، ونشرت منه عدة قصائد بعنوان «هدايا عيد الأم» تُرجِمت للإنجليزية والإيطالية، وصار الآن شبه جاهز، كما أعمل على رواية،

أختبر فيها معجمًا جديدًا وعوالم

أكثر معاصرة من روايتي الأولى.