No Image
ثقافة

مرفأ قراءة... توفيق الحكيم في «قلت ذات يوم»

30 يوليو 2022
30 يوليو 2022

«صرير القلم اليوم.. هو نفير الإصلاح غدا...»

(توفيق الحكيم، مجلة «آخر ساعة»؛ 19 فبراير 1939)

- 1 -

قبل أيام (وبالتحديد في 26 من يوليو) مرت الذكرى الخامسة والثلاثون على رحيل أبي المسرح العربي، وأحد رواد النهضة الفنية والفكرية في تاريخنا الثقافي خلال القرن ونصف القرن الأخير، توفيق الحكيم (1899-1987).

كان توفيق الحكيم واحدا من جيل الرواد والنهضة (جنبا إلى جنب طه حسين، ومحمد حسين هيكل، والعقاد، والمازني، وأحمد أمين، وأمين الخولي، وآخرين)، حملوا على عاتقهم عبء تأسيس الحداثة الثقافية العربية، ولولا جهود هؤلاء الرواد لظلت الحداثة التي أطلت برأسها على استحياء من أواسط القرن التاسع عشر، وأخذت تتشكل وتتوسع وتنتشر طيلة النصف الأول من القرن العشرين، ثم أخذت في التراجع والانحسار منذ سبعينيات القرن الماضي، أقول لظلت غائبة عنا لقرون أخرى طويلة.

وتراث الحكيم زاخر ومتنوع ومبدع؛ يشمل المسرحية التي أصَّل حضورها في تربة الثقافة العربية، وصنع لها تاريخا مشرفا ونصوصا باتت على رأس كلاسيكيات المسرح العربي في العصر الحديث، والرواية التي عُدَّ من آبائها بروايته التأسيسية في مسيرة الرواية العربية «عودة الروح»، ومن بعدها «عصفور من الشرق»، و«يوميات نائب في الأرياف»، أو في السيرة الذاتية التي ترك لنا فيها واحدًا من أبدع نصوصها «سجن العمر».. وغير ذلك من نصوصٍ تؤكد ريادة الحكيم وأستاذيته، وتؤكد كذلك المكانة السامية والرفيعة التي يحتلها في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.

- 2 -

من بين إبداعات الحكيم المهمة جدا والتي لم تلق ما تستحقه بعد من دراسة وقراءة وتأمل إسهاماته البارزة في كتابة المقال بكل أشكاله وأنواعه؛ الأدبي والفكري، السياسي والاجتماعي، الفني والهزلي والساخر.. إلخ. وقد كان الحكيم من أغزر كتاب جيله إسهامًا في هذه الدائرة، وكان يُطلق عليه لسنوات طويلة "كاتب الشباب الأول"، وبلغة زمننا الآن فقد كان من ضمن الكتاب الأعلى مبيعًا أو الأكثر رواجًا في وقته.. ولهذا كانت مقالاته تُجمع وتطبع وتنشر دوريا بين دفتي كتبٍ كانت تصدر عن سلاسل جماهيرية معروفة ومشهورة؛ مثل سلسلة (اقرأ) التي كانت تصدر عن دار المعارف، وسلسلة كتاب الهلال (عن دار الهلال)، وكتاب اليوم (عن مؤسسة أخبار اليوم)، والكتاب الذهبي (عن مؤسسة روزاليوسف) وغيرها.

من بين هذه الكتب، كتاب أظنه من أهم وأجمل كتب الحكيم المقالية من حيث موضوعاته وقضاياه التي تناولها وعالجها بأسلوبه السهل الممتنع، هذا الكتاب عنوانه «قلت ذات يوم» وقد صدر عن سلسلة (كتاب اليوم) التي كانت تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم في سبعينيات القرن الماضي.. وقد ضم مقالات متفرقة نشرها الحكيم خلال الفترة من 1939 وحتى 1949 وأغلبها تلك التي كان يكتبها وينشرها في جريدة (أخبار اليوم) الجماهيرية في ذلك الوقت.

وللأسف فإن هذا الكتاب ومنذ صدوره عام 1970، لم يعد طبعه بحال ولم يصدر أبدا في أي طبعة تالية، وإن كنت أرجح أن ناشر كتب الحكيم فيما بعد (مكتبة مصر) قد دمج مقالات هذا الكتاب -وغيره من مقالات الكتب التي صدرت عن السلاسل الدورية- في كتبه التي شهرت بعد ذلك من إصدار مكتبة مصر.

- 3 -

صدر كتاب «قلت ذات يوم»، في أغسطس 1970؛ أي منذ اثنين وخمسين عاما بالتحديد، ورغم بعده عنا بما يزيد على نصف القرن، فإننا نندهش -على الحقيقة- من معاصرة وجاذبية وراهنية ما كتبه الحكيم في ذلك التاريخ البعيد. ونندهش من تلك القدرة التحليلية على معالجة القضايا الفكرية والأدبية والسياسية التي كانت تضطرم وتموج بها الحياة الثقافية في مصر في تلك الحقبة الخصبة من تاريخها المعاصر (ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي).

لقد فاجأني تمامًا أن أقرأ في هذا الكتاب ثلاثة مقالات عن قضية من أشهر قضايا حرية الرأي والبحث الجامعي في أربعينيات القرن الماضي وهي التي شهرت بقضية (الفن القصصي في القرآن). أقل ما توصف به هذه المقالات -التي لم أقرأ مثلها إحاطة وتحليلا- أنها رائعة وشاملة، وتقدم واحدة من أنضج وأرقى المعالجات لقضية حرية الفكر والتعبير وحق الباحثين الجامعيين في البحث والنقد وإبداء الرأي حتى لو أدى بهم اجتهادهم هذا إلى مخالفة الأعراف والخروج عن المستقر والمألوف.. فلنا أن نتفق أو نختلف لكن من المهم احترام قيمة البحث، واحترام استقلالية الجامعة، واحترام وتقدير الجهد العلمي أيا ما كانت النتائج التي توصل إليها..

المقال الأول كان بعنوان (رسالة جامعية يطالبون بحرقها) وفيه يعرض للجانب التاريخي والمعلوماتي للقضية التي شغلت الرأي العام الثقافي والفكري في مصر لأشهر طويلة من عام 1947، وجاء المقال الثاني بعنوان (الأستاذ المشرف على الرسالة يقول)، ثم نفاجأ بالمقال الثالث والأخير والذي طالب فيه الحكيم رئيسَ الحكومة المصرية؛ النقراشي باشا بالاستقالة! (في نوفمبر 1948) على خلفية هذه الأزمة التي رأى فيها أن الحكومة لم تقم بواجبها في حماية الباحث وحقه في التعبير عن رأيه بل وحقه في الخطأ أيضًا!

الأزمة ببساطة اندلعت عندما تقدم محمد أحمد خلف الله؛ الباحث بقسم اللغة العربية وآدابها برسالته (الفن القصصي في القرآن الكريم) إلى الجامعة المصرية لنيل درجة الدكتوراه سنة 1947 تحت إشراف الشيخ الجليل أمين الخولي. وتشكلت لجنة المناقشة، وجاء تقريرا عضوين منها سلبيا، وفيه إشارات توحي بأن صاحبها قدم آراء تخالف المجمع عليه في تراث الدراسات القرآنية، فرفضت الجامعة مناقشتها بسبب اعتراض عضوي اللجنة على آراء الباحث في الدلالة التاريخية للقص القرآني، وأصبحت تلك القضية هي الأزمة الأشهر التي تثار بعد أزمة «في الشعر الجاهلي» لطه حسين سنة 1926.

- 4 -

وتنوعت المقالات بعد ذلك تنوعا لافتا ومثيرا للاهتمام؛ وإن لم تفارق دوائر اهتمام الحكيم المشهورة؛ من سجالات في الرأي حول بعض القضايا الإنسانية والتأملات الذاتية، والكفاح الوطني والصراع العربي الإسرائيلي، وعن الأدب والمسرح والشباب والمرأة.. إلخ، ويختتم الكتاب الذي يقع في 136 صفحة من القطع الأقل من المتوسط، بحوارية مسرحية غاية في القصر لم تتجاوز الصفحات الثلاث بين شهريار وشهرزاد بعنوان "ألف ليلة وليلتان"!

على أن من أهم هذه المقالات الدسمة الغنية بالفكر وإثارة الأسئلة ورصد الظواهر وتحليلها، مقال بعنوان "الجاحظ ينظر إلينا"، وما أكثر ما أشار الحكيم إلى الجاحظ في كتبه ومقالاته، وقد قرأه في سن مبكرة وأحبه كثيرا وتأثر بطريقته العقلانية في تحليل الظواهر وتشقيق الأفكار، يقول الحكيم مبديا إعجابه الوافر بالجاحظ: "والحق أن الجاحظ وقد مضى على وفاته أكثر من ألف عام هو الأستاذ المباشر لأكثر زعماء القلم في الأدب العربي المعاصر.. لأنه رفع علم التجديد وعلم الكتاب". وفي هذا المقال المنشور في جريدة أخبار اليوم عام 1948 (ولاحظ التاريخ جيدا!!) يصف العصر الذي يكتب فيه مقاله بعصر «الجهل الشامل»!! لماذا يصف الحكيم عصره -الذي يسجل التاريخ الآن أنه كان عصر ازدهار وفنون وآداب ونهضة فكرية وثقافية ملموسة- بـ عصر الجهل الشامل"؟ يجيب:

"... ما من أحد يريد أن ينقطع إلى علم أو يتوفر على فن.. إنما الكل يتطلع إلى الثمرة قبل الشجرة! ودب هذا الروح في شباب اليوم فلم يعد لهم جلَد على درس، أو صبر على كدح.. لا ينظرون إلى الجهد الذي يجب أن يبذل، ولكنهم يبصرون المراتب التي يجب أن يرقوا إليها. لا يريدون أن يضيعوا وقتا في الغرس البطيء والإعداد الطويل.. ولكنهم يريدون ثمرة غرس الآخرين، عجلين متلهفين! لذلك قلّ الاطلاع العميق وندرت القراءة المجدية، وكسدت الكتب القيمة فاختلت الموازين وفسدت القيم! ذلك هو عصر "الجهل الشامل" الذي نعيش فيه... وما أرى الجاحظ إلا راضيا عن نفسه، قانعا بمصيره، لو أتيح له أن ينظر إلينا اليوم من غابر زمانه"..

ترى لو كان بين ظهرانينا الآن في 2022.. ماذا كان سيكتب الحكيم؟!