"فيلم غرينلاند".. العالم يؤول الى الفناء والحل في جزيرة نائية
طاهر علوان -
انشغلت السينما طويلا ومن خلال عشرات الأفلام طيلة العقود الماضية بموضوع استهداف الأرض ومحاولة تدميرها وتنوعت وتعددت الأسباب والقوى الفاعلة التي تتراوح ما بين قوى واقعية وأخرى ذات سمات خارقية وقدرات هي فوق طاقة أو قدرات البشر، وذلك من خلال افتراض أن الأرض المعرضة للفناء تكون أما مستهدفة بواسط الغرباء ذوي القوى الخارقة أو بسبب الأوبئة أو عوامل الطبيعة وخلال ذلك يجري التركيز على الناجين أو الباحثين عن خلاص.
وخلال ذلك نجد ان هذا الفيلم يعالج إشكالية أخرى تلك التي تفترض أن الأرض معرضة لهجوم غير مسبوق بواسط النيازك والكواكب المحطمة، وهو التحدي الذي لا تقوى قدرة البشر على التصدي له او الهرب منه فكأنه قدر مسيطر مستحكم فلا تعرف البشرية المذعورة أين تختبئ وهل ستكون في مأمن كما لا تعرف متى ينتهي قصف النيازك وما هو سبيل التخلص من تلك الازمة.
هنا يقدم المخرج ريك رومان ووه واقعا مبسطا وحياة يومية معتادة الا ان مفاجآت غير متوقعة سوف تقلب الموازين رأسا على عقب، ولسوف نبدأ مع المهندس المدني جون - يقوم بالدور الممثل جيرير بوتلر وهو يمارس حياته اليومية فيما هو بصدد إجراءات الطلاق بعد خلافات مع زوجته، هو في زيارة روتينية لتفقد ابنه الصغير المصاب بمرض السكري الشديد وخلال ذلك تعلن السلطات عن وجود حالة طوارئ عالمية بسبب قصف نيازك وتحطم أجزاء من كواكب مجهولة.
سوف ننتقل مباشرة الى سلسة من الاحداث المتصاعدة بالتزامن مع قيام سلطات الولايات المتحدة باختيار عينة عشوائية من السكان يتم نقلهم الى أماكن آمنة بعيدا عن أماكن قصف النيازك وتشاء الصدف ان تكون هذه العائلة هي من العائلات التي وقع الإختيار عليها لغرض اجلاؤها ولكن وهم في ذروة الفوضى وتدافع الاف الناس المذعورين يكتشفون انهم قد نسوا حقن الانسولين الي يجب أن تعطى للطفل ناثان وإلا سوف يفقد حياته مما يضطر جون الى ترك الطائرة العسكرية والعودة الى السيارة لجلب حقن الانسولين ولم يكن يتوقع ان يتم الكشف عن وجود جهاز حقن الانسولين ملتصقا بجسم الطفل فيكون ذلك سببا كافيا لإبعادهما، يتفرق الزوج وزجته وابنه كل في مكان لكن الزوجة اليسون تكون قد عادت الى عالم الفوضى فيما جون عاد بحقن الانسولين باحثا وصارخا باسم اليسون، زوجته وابنه دون وسط الفوضى، في تلك الاثناء تكون اليسون قد قررت الذهاب الى منزل والدها تاركة رسالة موجزة في السيارة لجون انها ذاهبة الى والدها لكن ما لم يكن متوقعا ان يختطف الطفل ناثان من بين يدي الام في وسط تلك الفوضى.
ها نحن امام واقع تراجيدي مرير، الزوح والزوجة والابن، كل واحد منهم في أرض ولا يعرف عن الاخر شيئا وتتنقل كاميرا المخرج بين العديد من الأماكن ناقلة صورا متداخلة من الفوضى العارمة التي تضرب البلاد طولا وعرضا ولا يعرف أحدا الى اين تسير الاحداث ومتى تنتهي تلك الفوضى وذلك ما ينجح فيه المخرج وفريقه في تحجسديه متنقلا بين العديد من المشاهد والأماكن وقد أصيبت عامة المجتمع بحالة من الهلع والهستريا.
كتب العديد من النقاد عن هذا الفيلم وقد تباينت اراؤهم عنه ومن ذلك ما كتبه الناقد بيتر سوبزينيسكي في موقع روجر ايبيرت حيث قال " لقد أعجبتني الطريقة الهادئة نسبيًا التي اتبعها كاتب السيناريو كريس سبارلينغ والمخرج ريك رومان ووه، سواءً فيما يتعلق بالعنف الظاهر والمتفشي أو بشخصية باتلر؛ فبدلًا من شخصية البطل الخارق التي اعتاد تجسيدها، نجده هنا رجلًا عاديًا تمامًا، مهاراته الرئيسية تقتصر على القيادة، والصراخ، وعند الضرورة، صدّ الأشرار بمطرقة".
على الرغم من أن هنالك ملاحظات تتعلق بالحبكة التي كانت تعتمد على قدر هائل من المصادفات. ويتضح هذا جليًا خلال ذروة الأحداث، عندما تسيطر المؤثرات الخاصة بطريقة لا ترقى إلى مستوى التوقعات".
أما الناقد بيلغ ايبيري في موقع فولتشر فيقول " عندما نشاهد هذا الفيلم فإننا نستمتع بالفوضى العارمة التي تضرب المجتمع وتطال العديد من الشخصيات، لكن ميزة هذا الفيلم أنه يجعل الكارثة تبدو وكأنها حقيقية ومألوفة. إنه فيلم هروب من الواقع بالقدر الكافي لإشباع رغبتنا في أفلام الكوارث.
يُجسد المخرج ووه الدراما ويُطورها دون تحويل أي شخص إلى شرير مُفتعل: إنهم مجرد أناس مرتبكون وخائفون لا يعرفون ماذا يفعلون وهذه الفكرة هي التي تُهيمن على معظم أحداث الفيلم".
أما إذا انتقلنا الى الجانب الآخر الأكثر إيجابية فسوف نستغرب ونحن في منتصف الفيلم كيف آلت الاحداث والأزمة الى الحل، ومن بين تلك الحلول الإيجابية رفض ناثان ابتزاز تلك لعائلة التي اختطفته مما يستدعي تدحل أجهزة الجيش وأخذ الطفل الى مكان آمن بينما الأم تائهة وفي حالة من الهلع حتى تقرر العودة ال المطار وبالفعل تصل الى المطار المكتظ بألاف الأشخاص المحاصرين وهناك تجد طفلها فلا يبقى من سبب للهلع ما داما على مقربة من الوصول الى الزوج جون ولهذا تقرر ادارة الكوارث نقلهما الى منزل والد اليسون بينما سوف يعود جون وتعود الحياة بينهم الى طبيعتها اذ كانت هذه الخضات القاسية التي تعرضا لها كفيلة بأن يراجعا نفسيهما ويعودان الى الصواب.
ينحرف السرد الفيلمي باتجاه حاد وغير متوقع لاسيما مع تصاعد حالات الهلع والجنون التي اصابت البشرية الهاربة الى المجهول ولهذا يتصادم بعض اليائسين مع جون ويحاولون قتله الا انه يتمكن من التخلص منهم ولكن بعد مبارزة قاسية وبما يجعل مساحة العنف والصراع من اجل البقاء تتسع ويتحول السرد الفيلمي الى ملاحقات وقطع انفاس وعمليات انتقام وايذاء لا مثيل لها.
لا شك ان واحدة من ميزات الفيلم الأكثر إيجابية هي القدرة على صناعة حبكات ثانوية متواصلة وكلما انحدر الإيقاع الفيلمي الى ما دون المستوى، نجد ان المخرج ما يلبث ان يدخل في احداث متصاعدة جديدة لكنها مهما كانت لا تتعدى ذلك القصف المتواصل بواسطة النيازك التي أحرقت مدنا بأكمها من حول العالم وهو التحدي الذي دفع البشرية الى ان تتساءل عن الحل والملاذ الامن ليكتشف جون بعد مخالطته مع آخرين ان الملاذ السري ما هو الا جزيرة غرينلاند آخر ملاذات الهرب من خراب التفجيرات ودمار الكرة الأرضية.
...................
إخراج/ ريك رومان ووه
سيناريو/ كريس سبارلينغ
تمثيل/ جيرار بوتلر في دور جون، مورينا بوكارين في دور اليسون، روجر فلويد في دور ناثان
مدير التصوير/ دان غونزاليز
مونتاج / دانييل فيلمنك
موسيقى/ ديفيد بوكلي
