جابر عصفور
جابر عصفور
ثقافة

مرفأ قراءة... أستاذي جابر عصفور.. الناقد التنويري

01 يناير 2022
إيهاب الملاح كاتب صحفي وناقد أدبي مصري وباحث في التراث الثقافي
01 يناير 2022

- 1 -

أَبَت 2021 أن تطوي صفحتها الأخيرة دون أن تصطحب معها قامة فكرية ونقدية وثقافية عالية المقام؛ علمًا كبيرًا وأصيلًا من أعلام ثقافتنا العربية المعاصرة في نصف القرن الأخير؛ وهو الناقد والمفكر الكبير الدكتور جابر عصفور (1944-2021) الذي رحل عن عالمنا صباح الجمعة الماضي عن 78 عاما.

رحلة طويلة وعامرة بالكثير والكثير من المعرفة والإنجازات النقدية والفكرية والثقافية، والمعارك والصدامات، والمناصب والآمال، والآلام والوعود والأحلام، كان جابر عصفور شأنه شأن أساتذته، وأساتذة أساتذته، من رواد النهضة والتنوير في مصر وعالمنا العربي، صاحب حلم طموح بالحرية والعدل والعدالة الاجتماعية، والنهوض الفكري والثقافي والعلمي وعلى كل المستويات، وتجسد حلمه هذا في إنتاجٍ ثقافي ونقدي زاخر وباذخ، وفي مشروعاتٍ كبرى (المركز القومي للترجمة؛ على سبيل المثال) حلُم بها، وخرجت إلى النور على يديه، وبذل جهده وخبرته ومعرفته وكفاءته في تأسيسها وترسيخها، حتى استقرت وباتت واقعًا ماثلًا للعيان والأذهان تمارس أدوارها التنويرية والثقافية بكفاءة واقتدار..

كان واحدًا من أبرع من رسموا وقادوا السياسات الثقافية في بلدانهم، تخطيطًا وتنفيذًا، وإنجازًا، وبفضل جهده ونشاطه أعاد للقاهرة حضورها الثقافي العربي المتوهج الذي كانت افتقدته في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وبكفاءة إدارته للمجلس الأعلى للثقافة نظم العديد من المؤتمرات والملتقيات المهمة التي تلاقى في رحابها كبار المبدعين العرب، وصفوة العقول العربية في العلوم الإنسانية والطبيعية معًا، بل واستطاع جابر عصفور بفضل نشاطه وهمته أن يجذب كبار المثقفين العالميين للحضور إلى القاهرة؛ ولا ينسى أبناء جيلي حين حضر فيلسوف التفكيك ومنظرها الفرنسي جاك دريدا إلى القاهرة، وكيف امتلأت قاعة المؤتمرات والندوات بالحضور وفاضت حتى ازدحمت الممرات الخارجية والبهو الرئيسي للمجلس بالجمهور.

- 2 -

كتبت كثيرًا عن الدكتور جابر؛ كتبت عنه أستاذا وناقدا ورائدا ثقافيا عملاقا، وقد جمعتني به علاقة إنسانية هي في حقيقتها وصميمها علاقة الأستاذ الأب بتلميذه الأثير الذي حلّ منه محل الابن الأصغر (آخر العنقود) في سلالة طويلة متصلة وممتدة منذ الجد الأكبر طه حسين؛ مرورًا بأبنائه سهير القلماوي، ومحمد مندور، ومن في طبقتهما، وصولًا إلى الأحفاد من جيل جابر عصفور نفسه، ثم أبناء الأحفاد ممثلة في الجيل الذي سبقني، وجيلي الذي أنتمي إليه.

لم يكن جابر عصفور مجرد أستاذ جامعي مرموق ومتفوق؛ أبدًا، كان مفكرًا مستنيرًا ومثقفًا تجديديًا وإصلاحيًا بامتياز. مارس أدواره بالمعنى الذي قصده المفكر والناقد الإيطالي المعروف أنطونيو جرامشي في تأسيسه لمصطلح "المثقف العضوي"، فلم ينكفئ جابر عصفور على ذاته وأستاذيته، وممارسته التدريس داخل قاعات الدرس، بل تعدى هذا الدور إلى أدوار ثقافية ومجتمعية وإنسانية خارج أسوار الجامعة؛ يخوض غمار المعارك غير هياب ولا وجل ويشتبك فكريًا وثقافيًا بجسارة مع أصحاب الفكر الظلامي المتطرف، ويدلي بدلوه في كل القضايا التي شغلت وطنه ومجتمعه ومحيطه العربي ككل.

ولا أظن أن هناك من يمكن أن يختلف على مكانة واعتبار الدكتور جابر عصفور النقدية بشكل خاص، فقد كان أحد أكبر النقاد في العالم العربي، ولا أبالغ لو قلت إنه الأهم والأكبر بمقاييس الإنجاز والإنتاج والإسهام النقدي؛ تأصيلًا وتنظيرًا وتطبيقًا، وقد كان رحمه الله من أغزر النقاد العرب في العقود الخمسة الأخيرة؛ تأليفًا وترجمة، وكتابة دورية في الصحف والمجلات العامة والمتخصصة منها على السواء.

- 3 -

وشاءت إرادة الله أن يوافيه الأجل قبل أن يقرأ آخر ما كتبته عنه هنا في مساحتي الأحب والأرحب؛ مرفأ قراءة، الذي نُشر قبل أسابيع عن كتابه الأخير «متعة القص ـ مراجعات وقراءات»؛ وهو آخر ما ظهر للنور للدكتور جابر عصفور قبل رحيله المحزن. وكنت قبلها كتبت هنا أيضًا عن صدور طبعات جديدة من كتبه النقدية العميقة وعلى رأسها كتابه التأسيسي في نقد النقد «قراءة النقد الأدبي»، وكتابه الفكري الآخر «ضد التعصب» الذي وثق فيه لمرحلة حالكة من تاريخنا الفكري والثقافي ومواجهاته مع دعاة التطرف والإرهاب، وخاصة في التسعينيات من القرن الماضي التي شهدت اشتداد الهجمات البربرية ضد المثقفين كان من نتائجها الوخيمة اغتيال المفكر المصري فرج فودة في يونيو من العام 1992، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ بعدها بعامين اثنين، وفي العام التالي مباشرة (1995) وقعت نكبة نصر أبو زيد الذي صدر حكم بالتفريق بينه وبين زوجه بدعوى ارتداده عن الإسلام!

لم يتزعزع إيمانه لحظة بالعلم والعقلانية، وبضرورة إشاعة أنوار العقل وتأسيس التنوير في مواجهة ثقافة التخلف ودعاة الإظلام والتكفير، كان من أشد المؤمنين بمدنية الدولة الحديثة والمواطنة والمساواة، ولطالما نادي وجاهر بأنه لا تقدم ولا استنارة ولا نهضة بدون تعليم حقيقي مقرون بثقافةٍ أصيلة تعلي من شأن قيم الخير والحرية والجمال، ثقافة منفتحة تقبل التعدد والتنوع والاختلاف وتؤمن بالتسامح والحرية والمساواة وتدعو إلى تحاور الحضارات والثقافات لا إلى اصطراعها وتصادمها المقيت.

- 4 -

آخر لقاء جمعني به، رحمه الله، كان في أغسطس من العام الماضي، في بيته الأنيق بمدينة السادس من أكتوبر والذي لم يكن يفصله عن منزلي سوى شارع واحد.. ذهبت كي أطمئن عليه وأهديه كتابي عن طه حسين، وكتابي الآخر «على أجنحة السرد بين الرواية والقصة ـ مدخل نقدي»، وفي اللقاء ذاته أهداني آخر كتبه وكتب لي كلمات أعتز بها وأعتبرها أثمن وأغلى المكافآت والجوائز التي يمكن أن أنالها في حياتي كلها؛ كتب:

"إلى ابني العزيز... مع محبة الأب وإعزاز الأستاذ الذي يفرح بتلامذته".

لم أكن أعلم أنه اللقاء الأخير ولم أفسر حالة الوهن التي بدا عليها سوى أنها حالة إرهاق مؤقتة بسبب حر الصيف القائظ..

في السنوات الخمس التي سبقت رحيله، توطدت علاقتي به إنسانيا لدرجة خاصة جدًّا، كان يبوح لي بالكثير مما يفكر فيه أو يضايقه أو يحزنه.. وعبر لي عن استيائه من الطريقة التي كان يعامله بها بعض ناشريه، خاصة في كتابه الأخير.

كان يأخذ رأيي ويناقشني في مشروعاته التأليفية ما نُشر منها، وما كان قيد النشر، وائتمنني رحمه الله على كثيرٍ منها مما تشرفت بإعداده للنشر في طبعات جديدة أو الإشراف على صدوره خلال تلك الفترة..

وفي 2019 أشرفت على طبعة خاصة من كتبه صدرت عن مؤسسة دار المعارف بالقاهرة، وطلب مني أن يقدم لكل كتاب منها تلميذ من تلاميذه الذين كان يعتز بهم ويفخر بأستاذيته لهم. وبالفعل صدر الكتاب الأول «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب» بتقديم تلميذه الناقد الدكتور طارق النعمان، وصدر كتاب «الرواية والاستنارة» بتقديم تلميذه الناقد الدكتور حسين حمودة، وصدر كتابا «قراءة النقد الأدبي» و«ضد التعصب» بتقديم تلميذه كاتب هذه السطور.

وكنا اتفقنا أن تصدر مجموعة تالية من كتبه التأسيسية وعلى رأسها «مفهوم الشعر ـ دراسة في التراث النقدي»، و«قراءة التراث النقدي»، و«استعادة الماضي ـ دراسات في شعر النهضة» بتقديم كل من حضرات النقاد الكبار الدكتور محمد بدوي، والدكتور خيري دومة، والدكتور محمد عبد الباسط عيد. لكنه توفي رحمه الله قبل أن ترى هذه المشروعات النور.

- 5 -

رحم الله أستاذي الجليل وأبي الكريم الدكتور جابر عصفور أحد أكبر العقول التي عرفتها مصر والعالم العربي في العقود الأخيرة.

أودعك يا أستاذي بكثير من الألم والدموع والوجع والحزن، غيابك فادح وفاجع، ولا نملك إلا أن نقول "اللهم أجرنا في مصيبتنا".. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

_____