No Image
ثقافة

الثقافة ثم الثقافة

11 يونيو 2026
تحسين يقين
11 يونيو 2026

لو تتبعنا تاريخ الأمم والحضارات، لوجدنا أننا نتتبع لا النظم السياسية فقط، بل مجالات المنظومة الحاكمة جميعها، حسب الأمكنة والأزمنة؛ ففي التاريخ العام يمكننا أن نطلع على جوانب الحياة المختلفة لأمة، بل ولأمم، وفي التاريخ الخاص، يمكن الاطلاع على ما تم حفظه من معلومات تخص جانبا معينا، منذ بدء التوثيق والتدوين حتى الآن.

يأتي سياق المقالة بالثقافة والفنون ما بعد مرحلة الاستقلال، حسب ما تم تداولها، حيث مثلت الثقافة الوسيلة الأكثر حيوية في تحقيق التحرري الفكري والاجتماعي، في مرحلة زاد فيها هامش التحرر السياسي العربي.

عندما بدأنا تعلم «تاريخ الأدب»، خلطنا بين الأدب وتاريخ الأدب؛ فقد كنا فتيانا ننظر إلى النصوص جميعها على أنها أدب. لكن، وافتنانا منا بالأدب، حين بدأنا بدراسة الأدب العربي في الجامعة، إذا بنا في السنة الدراسية الأولى أمام تاريخ الأدب العربي مقسما -كما يبدو- منذ العصر «الجاهلي»، كما اتفق على تسميته، حتى العصر الحديث. وقد واكب ذلك بشكل خاص دراسة تاريخ النقد العربي، أما البلاغة، فقد تم تدريسنا مجالاتها كما هي، فلم تبتعد عن النهج العام.

إذن، لكل عهد أدبه، وهو كما درسنا، يحمل صفاته، فصرنا كطلبة تعليم عال حين ندرس تاريخ الأدب، ندرس في الوقت نفسه التاريخ العام لذلك العهد؛ فكان الأدب والفنون، بمثابة المنتج الناعم للعصور كلها، وصولا إلى التعمق أكثر فأكثر في دور الأدب والفن، لا لما فيهما من انعكاس جمال للزمان والمكان، لما يختمر فيهما من طاقة عظيمة في حياة الأفراد والجماعات والأمم، حتى لقد خلص الفلاسفة والمؤرخون إلى أن نهضة الشعوب تبدأ من الثقافة.

ولحسن التقدير، تم تدريسنا شيئا مهما من تاريخ الأدب العالمي القديم، خاصة ما يتعلق بأدب الملاحم، ثم وصولا للأدب العالمي الحديث والنقد كذلك، فتفتحت أعيننا أكثر فأكثر. ثم رحنا خارج الدراسة الأكاديمية ندرس تاريخ الفن، ثم كلما تعلمنا قليلا، وجدنا أنفسنا نتعلم ما نحتاجه من تاريخ مخصص لمجال أدبي أو فني. وقد وجدتني وأنا أعد شيئا عن الأدب العربي في فلسطين أبحث عن الأدب القديم لهذه المنطقة التي ننتمي لها، والتي سبقت بالطبع الأدب العربي الذي ظهر في جزيرة العرب قبل 16 قرنا، ممثلا بالشعر العمودي.

لماذا الثقافة الآن؟ ولماذا تاريخها؟ إن فهم ما كان ويكون، هو ما سيسهم ليس في فهم ما نعيشه، بل في كيف ينبغي أن نعيشه؛ فعلى مدار عقود اختلطت الأمور في زمن التحولات التي يبدو طالت كثيرا، فوصلت الثقافة إلى حال ما بين التقليد بما يلائم الظروف والمقاييس القيمية والجمالية، وأحوال أخرى من التجريب والتمرد والاغتراب، وظهرت جدلية تبعية الثقافة للسياسة. وزادت الأمور تعقيدا، حين أصبح التعليم -كنظام معرفي- يهدف إلى إيجاد مخرجات وظيفية. ثم دخلت الثقافة والفن مرحلة التجاذبات السياسية والأيديولوجية، فزاد الصراخ على حساب المستوى الإبداعي، فأصبح الإبداع الحقيقي في الأدب والفنون استثناء.

في المقابل، وعلى الأرض، وبخاصة فيما يتعلق بفئة الشباب، وجدنا اغتراب هذه الفئة، والتي تشظت ما بين التطرف وبين الانحراف عن الدرب، وبين الحيادية غير الإيجابية، فبدأنا نحصد في أكثر من بلد عربي تلك النتائج، والتي وجدت من يستخدمها ويوظفها، بل وساهم في برمجتها والتخطيط لها.

والآن؟ ليس أمامنا إلا استعادة الجمهور، وبخاصة الشباب.

تُمثل الفئة الشابة النسبة الكبرى من شعوبنا، بل تصبح هي النسبة العظمة بانتقال ملايين الفتيان والفتيات لها سنويا من ناحية، وانتقال ملايين أخرى من هذه الفئة إلى فئة الكبار من ناحية أخرى. وعليه، فإن الاستثمار بنسبة قليلة من المال العام، والمال الخاص، يمكن أن يوفر على بلادنا الكثير، ليس فقط من الخسائر المادية، بل الخسائر الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية أيضا.

إن استعادة الجمهور الشاب بشكل خاص سيعني الكثير لما يتم التخطيط له من مشاريع التنمية؛ فاستعادة الجمهور ستعني وجودنا معا، ضمن الخلاص العام كضامن للخلاص الفردي وليس العكس. أما وسيلة ذلك، فهي امتلاك الصدق الأدبي والفني، ما سيزيد من إقبال الجمهور على المنتج الثقافي العربي، وليس فقط ما يتم إنتاجه في قطر عربي معين، كون الثقافة العربية حاضنة لنا جميعا.

وهكذا، ففي ظل هذه الاستعادة، ستخف العلاقة الملتبسة بين الحاكم والمحكوم، بحيث تتحول العلاقة بين طرفين، إلى أن يصبحا معا فئة واحدة، للجميع مرجعية وطنية عامة فيها العدالة والأمان والتحرر والجمال، في ظل الانتباه للناحية الروحية كأكبر ناظم إنساني للأفراد والمجتمعات، والتي بحمد الله نتميز بوجودها في حياتنا.

لا تسعى الثقافة إلى المتعة الفنية والأدبية فقط، ولا إلى نشر القيم الجمالية، بل إلى التأمل فيما نقرأ ونسمع ونشاهد، لا في الكتب وعلى خشبات المسرح وشاشات العرض، والجدران التي تحمل اللوحات فقط، بل في واقع الحياة نفسها، من خلال الانتماء الإيجابي في ظل وجود تفكير نقدي وناقد، يكون للإنسان فيه دور إيجابي، بحيث تصبح محصلة النتاجات الفردية محصلة عامة، تشكل دعامة نستند لها في المشروع القومي والوطني والاجتماعي والشخصي.

إذا كان يحق لنا أن نطمح باستعادة فئة جمهور الشباب الغالي، فإن الواجب يحتم علينا فعل ذلك، بتعاون أركان المنظومة في القطر الواحد، والوطن الكبير، في ظل وجود هيئات عربية يمكن تفعليها ومدها بأسباب القوة، ومنها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

إن وجود هذه التصالحية الإيجابية وطنيا وقوميا، تعني في المقام الأول صون الوجود من خلال تجنب التدخل الأجنبي الذي يتدخل في حياتنا بدوافع غريبة عجيبة منها الحفاظ على الحريات، علما أنه آخر من يحق له التحدث عن القيم. كذلك، فإن هذه التصالحية الممنهجة تسهم بشكل استراتيجي في بناء طرق الوحدة، ما يعني زرع الأمل بغد لنا جميعا، لا يتم استثناء أية فئة من المجتمع العربي، فيصبح الاستقرار عامل جذب لنا يبعدنا عن أية خسائر تنتج عن أية نزاعات اجتماعية وسياسية نحن في غنى عنها.