ثقافة

طارق العريس: كتبت "أهل الماء والنار" لأن الماضي لا يتركني وشأني

17 يوليو 2026
أراد أن يُقرأ كنصٍ مفتوح
17 يوليو 2026

Image

قد تقرأ كتاب "أهل الماء والنار" للأديب والأكاديمي اللبناني طارق العريس باعتباره رواية أو سيرة ذاتية أو نصاً مفتوحاً أو عملاً تاريخياً وفلسفياً، يتميز بحدة اللغة والصدق الجارح، ويجعلك ترى مدينة بيروت المغوية والقاسية من نظَّارته. لا يأبه العريس بالبناء الصارم للعمل الأدبي، ولا يضع تقسيماتٍ متساويةً لشخصياته، الجدان، والوالدان، والمربية السورية، ربما لأن الكتاب هو ترجمة لما جادت به ذاكرته، بمعنى أنها قد أسعفته مثلاً فيما يتعلق بـ"الدادا"، التي حلَّت بديلاً لأمه، بينما لم تلهمه بالكثير عن الأب بعد أن رحل فجأة.

الكتاب أيضاً يمنح قارئه معرفة واسعة وصافية ومدهشة بالمثيولوجيا والأدب والفن، فالعريس وضع فيه خلاصة قراءاته وتجاربه وفلسفته، كأنه يخفف بها قسوة مشاهد الحرب والشروخ المؤسفة التي قسمت الأرض إلى شرقية وغربية، وقسمت معها حتى العائلة الواحدة في لبنان.

Image

طارق العريس هو أستاذ جيمس رايت ورئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في كلية دارتموث، له عدة كتب أبرزها "محن الحداثة العربية.. التأثيرات الأدبية والسياسة الجديدة"، و"التسريبات والاختراقات والفضائح.. الثقافة العربية في العصر الرقمي" اللذان يعدَّان مرجعين في مجالهما. هنا حوار معه حول كتابه "أهل الماء والنار"، وذكرياته عن بيروت وحواجزها وطبقاتها وناسها، وكذلك رحلته الشخصية إلى إفريقيا وأمريكا.

لم تضع تصنيفاً معيناً للكتاب.. هل أردت أن يُقرأ كسيرة ذاتية أم كرواية أو كنص مفتوح؟

أردت له أن يُقرأ كنص مفتوح. لكن هناك من يقرؤه كرواية، أو كسيرة، أو كنص تاريخي سياسي معرفي فلسفي. لذا، أفضِّل ترك الحرية الكاملة للقارئ ليتلقى النص كما يشاء، ويرى فيه ما يراه، وإن كنت قد حرصت على شحن السرد بتشويق الرواية لمعرفة ما سيحدث لهذا الفتى، وفي الوقت ذاته، إدراك جانب هام يتعلق بتركيبة الذات، وهو كيف نتكون نحن؟ وما أثر الحرب في تشكيلنا؟

أنا متمرد قليلاً على فكرة الأجناس الأدبية ذات الأطر والسمات الجاهزة والمحددة. ومجمل عملي الأكاديمي ينحو هذا المنحى، إذ يتلاعب بحدود الأجناس الأدبية ويتجاوزها. وسؤالك هذا جوهري بلا شك، لكنني أحب دائماً أن يقرأ الناس العمل ويجدوا فيه ما يروق لهم.

بصفتك كاتباً، ماذا منحك عدم التقيد بالتصنيف الأدبي؟ هل حررك من قيود البناء الصارم؟

خلفيتي المعرفية وتكويني الفكري ينطلقان من الفلسفة والتفكيك، ومن الثورة على البنى التقليدية الواضحة. وتجربة الحرب تفرض عليك بالضرورة إعادة النظر في كل المسلمات والبنى، سواء كانت بنى اجتماعية، سياسية، أم أدبية. لذلك، أنا أنتمي إلى فضاء لا يرى الأشياء مركبة بنسق جامد أو بناء صارم، بل يسكنني دافع ثوري متمرد.

والفصل الخاص بالجامعة الأمريكية في بيروت يتناول هذه الثورة تحديداً، فقد خرجنا من الحرب للتو فلم يكن بمقدورنا الجلوس في مقاعدنا والتحدث في الفصل وكأننا لم نعش تجربة استثنائية غيَّرت منظورنا للعالم بأسره. ومن هنا، ينطلق مشروعي من موقع نقدي يتجلَّى في كل مؤلفاتي، مثل كتابي عن محن الحداثة العربية، وكتابي عن الثقافة الرقمية والعصر الرقمي، فكلها أعمال تسعى لتفكيك المنظومات والمسلمات الجمالية المستقرة في الأدب.

أنا قرأت الكتاب باعتباره عملاً عن الحواجز في حياة الناس، أو في حياة بطليه على الأقل، بين بيروت الشرقية والغربية، بين شطري المدينة المسيحي والمسلم، أو حتى داخل العائلة الواحدة، بين الأشقاء من أم أمريكية والأخ من أم لبنانية، بين الظفر والإصبع، وبين الطبقات المتعددة لبيروت، وصولاً إلى الحاجز بين الماضي والحاضر. حين شرعت في الكتابة، ماذا أردت أن تقول؟

أردت أن أكتب كتاباً يُظهر أن البُعد الشخصي هو أيضاً بُعد اجتماعي، وسياسي، وطبقي في آن واحد. فالسيرة الشخصية - قصتي أنا طارق - تفتح من هذا المنظور نافذة لفهم الحواجز والفروق المناطقية، والأيديولوجية، والعائلية، وكيفية قراءتها عبر تجربة ذاتية ملموسة.

لم أرد تقديم دراسة أكاديمية بصفتي عالم إنسان أو اجتماع، بل أردت طرح هذه الرؤية بعين طفل يمر عبر هذه الحواجز، يتأملها ويتساءل ما معنى هذه الحواجز؟ وما جدوى عبورها بهذه الطريقة؟ وكيف تصقل هوياتنا لتقاوم وترفض الاستسلام للفوارق التي تسعى هذه الحدود لترسيخها؟

فعل العبور هنا هو رفض قاطع لمنظومة الحواجز والتقسيمات الفئوية، سواء كانت مناطقية، طائفية، عرقية، أو عائلية. وفكرة العبور المستمر - خاصة في الفصل الذي يتناول تنقلنا الدائم، وحتى حركة السفر بين سوريا ولبنان والمناطق المحيطة بنا - هي في جوهرها نقد لمفهوم الحدود بوصفها حقائق ثابتة أو دائمة ومستمرة.

هل يجوز لي أن أستخدم تعبير "الألبوم" لوصف الكتاب؟

نعم. الغلاف الذي صممته نجاح طاهر، مصممة دار الآداب، هو أيضاً بمثابة ألبوم صور. سترى في الأعلى صورة لي برفقة والدتي وهي تحملني، وهناك صورة لي وأنا أقص رموشي، وصورة لولد يحمل منحوتة "رأس ميدوسا" الأسطورية وهارب بها، وصور متنوعة من أيام الحرب.

لقد أحببت فكرة الألبوم لأنني نشأت مع الألبومات. لو زرت بيتنا وفتحت لك خزانة في غرفة المعيشة سترى أنها كانت مكدَّسة بها. اليوم لم يعد الناس يصنعون الألبومات. الألبوم شيء عزيز جداً على قلبي. إنه التشبيه الأدق للكتاب، كأنني أفتح الألبوم لأسترجع هذه الحياة وتلك السيرة.

لماذا كنت حريصاً على وجود رافد معرفي، أسطوري وتاريخي وفني، يبرز كنتوءات في السرد على امتداد الكتاب؟

لأن هذا يمثل جوهر شخصيتي، فأنا إنسان تشكلت مخيلته من الفن والأسطورة والأدب، وهي الروافد التي صاغت طريقتي في رؤية العالم وفي فهم ذاتي. لا يمكنني الحديث عن نفسي، أو عن بيروت، أو عن أي شأن آخر دون أن أستحضر في النص القصص والصور التي جعلتني أرى الواقع، فأنا لا أرى الواقع مجرداً، بل من خلال القصص التي قرأتها، والفنون والآداب التي تفاعلت معها وأثرت فيَّ. قصتي واقعية، لكنها تنبع أيضاً من خيال شكَّل نظرتي للوجود، وساعدني على فهم تجربتي في الحرب والهجرة، إذ منحتني الفنون الكلمات المعبرة عما عانيته، لأنه عند حدوث الهزات الكبرى والصدمات في الحياة، تنهار اللغة أولاً. ونحن بحاجة دائماً إلى المعنى، فبدونه نفقد أنفسنا وسط التحولات. وفي أوقات الاضطراب تلك، يمنحك الفن والأدب والأسطورة لغة تعيد بها بناء المعنى لترميم ذاتك وتفهم مشاعرك وتحدد موقعك من العالم، وهذا أمر يستغرق وقتاً طبعاً.

وحتى لا يتحول الكتاب إلى مجرد حكايات مرسلة أيضاً؟

بالتأكيد. أنا أرى الواقع بعيون سيغموند فرويد، وهدى بركات، ونجيب محفوظ، ومن خلال الأساطير والقصص التي استلهمها هؤلاء من النصوص القديمة، من الأناجيل، والتوراة، والقرآن، كسورة يوسف وغيرها. هذه المرجعيات حيَّة في وجداننا ومن خلالها نفهم العالم وتجاربنا.

وما نوع التحضير الذي احتجته أثناء الكتابة؟ هل كنت تتوقف عن السرد لتبحث عن معلومة في ذهنك تعرف أنك قرأتها سابقاً؟

طبعاً، فأنا في نهاية المطاف باحث وأكاديمي، والكتاب قادني إلى آفاق لم أكن أتخيل بلوغها. على سبيل المثال، حين كنت أتحدث عن والدتي وعن الماء الذي كانت تخزنه في زجاجات قادني السرد إلى قصة السيدة هاجر وابنها إسماعيل في الصحراء، وفكرة السعي بين الصفا والمروة التي تعد من أركان الحج. تساءلت عن جوهر هذه القصة، وذهبت لأقرأ كيف حاولت هذه المرأة إنقاذ ابنها من العطش في الصحراء وهي تبحث عن الماء، حتى نزل الملك جبريل وضرب الأرض فانفجر الماء. قرأت الأحاديث النبوية والسير وتفاصيل القصة، وهو بحث لم أكن أتوقع القيام به، فرغم معرفتي بالقصة إجمالاً كنت أحتاج إلى مزيد من التنقيب. أردت فهم الرابط بين تخزين المياه، والبحث عنها، وحفر الآبار، فإما أن يضرب ملكٌ الأرض لينبع الماء، أو تجلب آلة حفر لتصنع بئراً، كما كنا نفعل نحن زمن الحرب.

ببساطة الكتاب أخذني إلى عوالم كانت لدي فكرة عامة عنها، لكنني لم أكن متبحراً فيها، فذهبت وبحثت واستقصيت معلوماتها ومصادرها.

الكتابة عن بيروت هل يجب أن تورط كاتبها بالضرورة في السياسة؟

بالتأكيد، لكن مفهومي للسياسة هو مفهوم كلي شمولي، أي أنها ليست السياسة بمعناها الضيق كالممارسة الحزبية اليومية، بل ما تعنيه السياسة جوهرياً. ماذا يعني مثلاً أن تنقسم المدينة بين مسلمين ومسيحيين، وما معنى أن يقتل الجار جاره؟

أنا أتحدث عن هذه الأحداث والمفاصل السياسية لإبراز وحشيتها، لكنني لا أقول مَن معه الحق ومَن يفتقده، فلست قاضياً، والكتاب لا يهدف إلى إطلاق الأحكام وتصويب الوقائع التاريخية. كنت طفلاً إبان الحرب في لبنان، ولم أكن أملك آنذاك الوعي السياسي الكافي للتحليل، لكنني أركز على كيفية مساهمة الصراعات والحروب والنكبات في تشكيل وعيك السياسي ومفهومك لذاتك، مَن أنت؟ ومن أين جئت؟ وكيف تصنعك هذه الأزمات.

هل يمكن اعتبار هذه الكتابة محاولة لمقاومة النسيان والمحو؟

قصة مدير المدرسة، الضابط الفرنسي القديم، الذي كنت أبحث عن اسمه ولم أجده يؤكد لك أن البحث، مهما بذلت فيه من جهد، قد لا يفضي إلى نتيجة في بعض الأحيان. ما معنى هذا؟ معناه أن الذاكرة تأتي من تلقاء نفسها، قد تحاول الذهاب إليها والبحث عنها وتقول إنها تقطن في هذا المكان وسأطرق الباب لأستعيدها، لكن الذاكرة بالنسبة لي تشبه الماء، تنساب وتتحرك، تأتي وتذهب كفقاعات الماء على الشاطئ أو بين الصخور، تظهر تارة وتختفي تارة أخرى.

الذاكرة ليست شيئاً محفوظاً في بيت أو خزنة يتطلب رقماً سرياً لفتحه، بل هي حالة حية تأتيك بغتة. تماماً كالفصل الخاص بحلوى "المفتقة"، والذي بدأ باسم "شفيقة"، إذ لاحت لي هذه الشخصية فجأة. هناك ديناميكية وحيوية تربطنا بالماضي وبالذاكرة، وصحيح أنني قد أقاوم النسيان، لكن الحقيقة هي أنني لا أستطيع النسيان أساساً.

هذه هي النقطة الجوهرية، ففعل الكتابة أو تدوين السيرة واستدعاء الماضي لا ينبع فقط من رغبة بطولية لمقاومة النسيان أو إثبات الصمود وإيصال رسالة للأجيال القادمة حول ما عشناه، بل لأن هذا الماضي لا يتركني وشأني، هو يفرض نفسه عليَّ، ويقيدني، وأسمع أصواتاً قادمة منه، توجِّه تصرفاتي.

بدأت الكتاب بزيارة المحللة النفسية، وختمته بالحديث عن الحشرات المتوهمة لمرض نفسي يحاصر البطل، فلماذا اخترت هذا البناء الزمني المتسلسل الذي يبدأ من أول درجة، أعني الطفولة، مروراً بالصبا والشباب وصولاً إلى الزمن الراهن؟

في البداية، كانت لديَّ أفكار متفرقة للفصول، فالكتاب بدأ فعلياً بفصل البحر - وهو الفصل الثاني "أهل البحر" - وكان أول ما كتبته قبل نحو خمسة عشر عاماً، حيث نشرته وقدمته في محاضرة. بعد ذلك كتبت الفصل الخاص بـ "المفتقة" حين طلب مني أحدهم كتابة مادة عن بيروت.

وعقب إنجاز هذين الفصلين، قلتُ لنفسي إن هناك مشروع كتاب شخصي، غير أكاديمي بالكامل، يختمر في داخلي ويجب أن أكتبه، فوضعت خطوطاً عريضة وقررت أن يتضمن فصلاً عن الضابط الفرنسي، وفصلاً عن الماء وكيفية جلبه وتخزينه، وعزمت على إنجاز هذا الكتاب مستقبلاً.

حدث الأمر نفسه تماماً مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، إذ حوصرنا في المنازل، وتوقف العالم دون أن ندري ماذا يجري أو كيف ستؤول الأمور. في تلك الأجواء، كتبْتُ الفصل الخاص بالماء، لأن تلك التجربة أعادت إلى ذاكرتي أجواء الحرب، حين كنا نمكث في البيوت عاجزين عن الخروج أو السفر، وكان التنقل مغامرة غير مأمونة العواقب، ولا تدري كيف سيوافيك الموت أو كيف ستلتقط العدوى.

تلك كانت الطريقة التي أنجزت بها فصول الكتاب. لاحقاً، فكرت في البنية الهيكلية لترتيب هذه الفصول حتى لا يتشتت القارئ، فأنا حريص جداً على قارئي، ولا أحب إرهاقه كثيراً، وإن كنت أفعل ذلك، فبطريقة منظمة ومدروسة. كنت عازماً في البداية على استهلال الكتاب بفصل البحر "أهل البحر" الذي يتناول بيروت، لكنني اعتدت إرسال مسوداتي لبعض الأصدقاء المقربين لتبادل الآراء، فأشار كثير منهم إلى ضرورة كتابة تمهيد، لذا ارتأيت أن أبدأ من عيادة المحللة النفسية في نيويورك، فذلك يمثل الولوج إلى عالم الوعي الباطن. ومن تلك اللحظة ينطلق السرد مسترجعاً ذكريات الطفولة في بيروت وحتى مرحلة السفر إلى أمريكا، لينتهي المطاف في نيويورك مع أحداث 11 سبتمبر، لنكتشف أن الحرب تلاحقنا أينما ذهبنا، وألا مفر منها. أما توهم وجود الحشرات، فيعني ببساطة أنك حين هاجرت، حملت حربك معك في حقيبتك.

هذا يقودني إلى سؤالي التالي.. حين كان البطل يعيش في ساحل العاج اندلعت المظاهرات ضد الفساد وحين استقر في نيويورك وقعت أحداث 11 سبتمبر. هل تقول تلك الصدف الغريبة إن الإنسان البيروتي الأصلي يجذب الحرب أينما حلَّ؟

قد تكون هذه من مفارقات القدر الساخرة. لا أدري إن كانت هناك نظرية علمية تفسر هذا الأمر، لكن يبدو أن الحرب كُتِبت علينا أينما حللنا. والرسالة الكامنة هنا هي أن الحرب لا تدور رحاها في الشوارع المحيطة بك فحسب - سواء في ساحل العاج أو نيويورك - بل تسكن مخيلتك وعقلك الباطن وتكوينك النفسي.

وبالطبع، حدوث هذه الاضطرابات في الواقع يحول دون نسيان الماضي، فمع كل مظاهرة أعود بذاكرتي إلى أجواء الحرب في بيروت. ومع هجمات نيويورك أو جائحة كورونا أرتد تلقائياً إلى تلك التجربة المريرة. هذا يعني أن الحرب غدت بنية داخلية في أعماقي تتفعَّل مع أي حدث يثير مشاعر الخطر، أو القلق، أو غياب الأمان، لتصبح هي المنظار الذي أرى من خلاله العالم.

العمل منح مساحة كبيرة لبعض الشخصيات وبخاصة المربية، فهل يعود ذلك لمدى قربها من البطل؟ وفي هذه الحالة، لماذا منحت الأب مساحة وافرة أيضاً على الرغم من حرصه على الحياد حين هاجر إخوتك من والدتك الأمريكية خارج لبنان؟

في الواقع، مثل هذه القرارات الفنية لا تكون واعية دوماً. لقد توفي والدي وأنا في الرابعة عشرة من عمري، ولم يتسع لي الوقت لأتعرف عليه كفاية. بينما والدتي ما زالت على قيد الحياة وأعرفها عن قرب. لذا، فإن المساحة التي أفردتها لوالدي في الكتاب هي محاولة لاستحضاره، ومحاورته، وفهمه، وبعثه في نفسي وبطريقة عجزت عنها وأنا طفل.

أما عن مربيتي السورية، فقد كانت بمنزلة أمي الحقيقية، هي مَن ربتني، وكنت أنام معها في الغرفة ذاتها، وهي مَن كانت تطعمني وتعتني بكافة تفاصيلي. وهذا يطرح فكرة تعدد الأمهات، وهي سمة في مجتمعاتنا حيث قد تتولى الأخت الكبرى، أو الجدة، أو العمة تربيتك ويكون لها الفضل الأكبر عليك. نحن ننتمي إلى ثقافة تتعدد فيها مصادر الرعاية والتربية، فالأمر لا يقتصر على النموذج الغربي الحديث المتمثل في الأب والأم والتبعية المباشرة، بل هناك اتساع في الهويات وروابط القرابة المعقدة. هذا التعدد بدأ قديماً في عائلتي مع جدتي التي تزوجت بضابط عثماني ثم تزوجت مرتين بعدها.

لو أردت في المستقبل إضافة فصل جديد، فماذا سيكون موضوعه؟

في الواقع، يمكنني تقديم جزء ثانٍ لهذا العمل لتستمر القصة، فهذا الكتاب كان بمنزلة محاولة أولى لفهم كيف تشكلت هذه الشخصية عبر تجارب الحرب، والهجرة، والتفاعل الاجتماعي والمعرفي. وأود مواصلة هذا الفهم والتبحر فيه، فقد كتبت مؤخراً مقالاً باللغة العربية عن بيروت وعن الشارع الذي أقطنه حالياً، والذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، متناولاً علاقته بالنهضة العربية والمتاجر المجاورة التي تبيع التحف الأثرية والأثاث القديم العائد لتلك الحقبة. وبذلك، أنا أواصل استكشاف علاقتي بالأشياء، وبالذاكرة، وبيروت، وهذا هو الجانب الذي يشغل اهتمامي.

هل ستستمر في هذا المسار الإبداعي مستقبلاً؟

بالتأكيد، نزولاً عند رغبة المتلقين! تفاعل الجمهور مع عملك يمنحك مؤشراً واضحاً لكيفية المضي قدماً، لذا أحاول حالياً استيعاب كيفية قراءة الناس للكتاب وتلقيهم له لأحدد خطوتي القادمة، لكن المؤكد أنني سأستمر في هذا المسار.

الأحداث المتلاحقة في منطقتنا تفرض علينا مواصلة الكتابة، لأن الحرب بأشكالها المختلفة لا تنتهي، بل تتجدد وتكبر، وتتحول فيها الرصاصة إلى صاروخ. أشعر أن من واجبي الاستمرار في هذا الموضوع لأفهم علاقتي بما يجري اليوم، وليتمكن القراء بدورهم من فهم واقعهم بربطه بسياقات حروب وتجارب أخرى صعبة استطاع أصحابها التصالح معها ومواجهتها.

هذا الكتاب لا يخلو من الفكاهة والسخرية المريرة، فأنا لست شخصاً كئيباً، لقد مررت بالتجربة لكنني أتعايش معها وأتجاوزها. علينا التفكير في كيفية التعامل مع الأوضاع بالغة الصعوبة، فهناك جانب يُبرِز قدرة الإنسان الكامنة على مواجهة الظروف وتجاوزها بالوعي واللغة المغايرة. فنحن لسنا مجرد ضحايا سلبيين للنكبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل نملك القدرة على التفكير، والفهم، وابتكار منافذ ونوافذ للأمل كي نستمر.

Image