"ماء الحَجَرْ".. مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحَجَرْ بالإمارات وسلطنة عُمان
القاهرة "د.ب.أ": تواصل الكاتبة والباحثة الإماراتية لولوة المنصوري رحلتها البحثية مع الماء والجبال في قلب البيئة الإماراتية والخليجية مُسلّطة الضوء على مفردات تلك البيئة ودلالاتها.
وفي هذا السياق جاءت دراستها التي صدرت في كتاب عن معهد الشارقة للتراث بعنوان "ماء الحَجَر: مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحجر"، لتفتح أبعاداً لسانية وسيميائية على لهجة جبال الحجر المحكية المتميزة بتنوعها الدلالي والصوتي والبنائي. وهو التميز الذي يرجع لتعدد القبائل الموزعة بين رؤوس الجبال والجبال الساحلية والداخلية؛ حيث تشترك اللهجات في الكثرة الغالبة من الكلمات ومعانيها.
وتتناول بنية الكلمات وتراكيب الجمل، واللهجات المستقلة التي لها أسسها الخاصة، والأكثر تعقيداً من حيث الفرادة والتميز في تركيب جملها، وإن ظلت تتصل بغيرها بوشائج تجعلها جميعاً تنتمي إلى فصيلة واحدة من الفصائل اللغوية الخاصة بأهالي جبال الحجر.
وتتناول الدراسة كذلك اللهجة الكمزارية التي تتميز بتركيب لغوي مزجي وعر وبالغ الصعوبة، وتتوقف عند بعض المفردات الحجرية، وتركز على المفردات المشتركة في ظواهرها اللغوية بين أفراد القبائل الجبلية، ولغة الخطاب الشائعة عند بعض قبائل الساحل الشرقي، وهي مفردات تيسر اتصال أفراد هذه البيئة وما يدور بينهم من حديث وخطاب وتعامل.
وتتبّع لولوة المنصوري في دراستها لهجة أهل جبال الحجر، وتتمعّن في قيمتها الدلالية الثرية وتُشير إلى أن تلك اللهجة متداولة بين أبنائها وأجيالها بكل حماسة وفخر، ومكتنزة بالتنوع والحضور المميز.
وتحاول "المنصوري" في دراستها "ماء الحَجَر: مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحجر" سبر أسرار اللغة العربية الفصحى باعتبار اللهجة المحلية امتداداً أصيلاً للهجات العربية القديمة المتجذرة في ربوع الجزيرة العربية.
وتقول الباحثة في مقدمة دراستها: إن التنوع البيئي المعقد والغامض والمجهول لإقليم الحجر ورؤوس الجبال الواقعة وفق امتداد جغرافي يضم جبال دولة الإمارات وسلطنة عُمان، عكس ثراءً وخصوبة جعل من تلك المناطق أنموذجاً حياً لدراسة المفردات، وبخاصة تلك الدالة على الماء عند أهل جبال الحجر باعتبار أن الماء رمز الحياة والتكوين والنشأة والتطور البشري على الأرض بشكل عام.
وبحسب الدراسة فإن إقليم جبال الحجر يُعد مركزاً أحفورياً مهماً على الأرض متجدداً وحيوياً بالماء في الإمارات وعمان وخزاناً طبيعياً عميقاً وقديماً للمياه، لتشكل هذه الثروة المائية الطبيعية عبر الزمن خزاناً لغوياً مائياً مستمداً من الخصوبة والزرع والثراء. وأن روح الماء انعكست على روح اللغة. وبرزت في الإقليم ظاهرة لفظية مائية تستحق البحث والتوثيق والدراسة والنبش في أصلها القديم قدم الإنسان الذي عاش بين وديانها السحيقة وعلى سفوح جبالها القديمة، وكوّن إرثه الخاص بين حقولها، لينتقل هذا الإرث والنسيج اللغوي من جيل إلى جيل، الأمر الذي أوجد "امتدادا لغويا عربيا جبليا حجريا اتصف بالتنوّع والخصوبة والثراء والتجذر على مدار قرون مضت.
ووفقاً للدراسة أيضاً؛ فإن الغموض الذي اكتنف مجتمع جبال الحجر لسنوات طويلة ربما برزت انعكاساته على الإرث اللغوي، فبقيت الدراسات والبحوث بمنأى عن السبر والتوثيق الميداني للكنوز المادية واللامادية، لنجد أنفسنا أمام قدر قليل من الكتابات التي تتناول هذا الموضوع.
وتلفت لولوة المنصوري في دراستها إلى أن السنوات الأخيرة شهدت إنجاز أبحاث ودراسات رصدت بشكل عام الألفاظ العامية المتعارف عليها في لهجة الإمارات من دون تخصيص للهجة بعينها، وبخاصة لهجة جبال الحجر؛ حيث أفادت تلك الأبحاث والدراسات في معرفة اللهجة والخصائص الصوتية لأهالي الإمارات بشكل عام، ومكنت من الاطلاع على ثقافة التخوم الاجتماعية لسكان جبال الحجر وطبيعة لهجتهم وحياة الناطقين بها.
وأكدت أن تلك المناطق يعوزها الكثير من الدراسات العلمية والنشاط البحثي والنبش في الملهم من اللغة والتراث والكنوز.
ولما كانت غالبية الأمكنة والمواقع والقرى ذات الصلة الوثيقة بمعاني الماء والارتواء والسقي والأمطار سواء بدلالة مباشرة أو ضمنية لم تنل حظها في الكشف عن الأصل اللغوي والدلالي؛ فقد اختارت الباحثة معجم أهل جبال الحجر موضوعاً لدراستها، وجعلت تركيزها على المفردات الخاصة بالركيزة الأساسية لنمو حياة المجتمعات وتطورها، ألا وهي مفردات (الماء)، وذلك لما لمسته من وفرة لغوية خاصة بالمياه، وقد عملت على مقارنة المفردة بأصولها العربية الفصحى في ضوء لغة المعجم العربي بنيّة الكشف عن التطور الدلالي والتعرف إلى مدى بقاء المفردات حاملة معانيها المعجمية القديمة، وما طرأ على معانيها من دلالات جديدة؛ ذلك لأنها قديمة بقدم مسمياتها.
وقد قادها ذلك التنوع والثراء المعجمي والتعدد اللهجي عند أهالي جبال الحجر إلى ضرورة التخصيص، والتركيز على حقول دلالية ذات صلة أنثروبولوجية وثيقة بمحور حركة النمو والتطور الاجتماعي والتاريخي بين تضاريس جبال الحجر.
وقد استقت لولوة المنصوري مادة دراستها من خلال البحث الميداني من مجموعة من الرواة في القرى المتفرقة في إقليم جبال الحجر في راس الخيمة، والفجيرة، والشارقة، ودبي في دولة الإمارات، وفي ولايات ومناطق عدة منها: خصب، وضنك، وعبري، وبهلا، ومناطق من شمال الشرقية في سلطنة عُمان.
وقد جاءت دراسة "ماء الحَجَر: مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحجر" في أربعة فصول، ويندرج تحت كل فصل مجمل من الحقول الدلالية ذات الصلة بالماء، وضمت الحقول مفردات تم إيراد معناها في اللهجة، ثم البحث عن معناها في المعاجم، لاستخلاص العلاقات القائمة بين لهجة جبال الحجر واللغة العربية الفصحى. وفي الفصل الأخير قامت الباحثة يإدراج مفردات الماء المشتركة بين لهجة جبال الحجر ولهجة سكان الخليج العربي.
وركّزت الدراسة على لهجة سكان جبال الحجر في الإمارات وسلطنة عمان؛ لما تتسم به من خصوصية وتنوع وثراء لهجي تبعاً للتنوع الكبير لتضاريس الإقليم، وتعدد القبائل الراسخة منذ قرون في تلك المواقع التاريخية العريقة المبهمة في أغلب مساحاتها وأغوارها العميقة.
ومن استنتاجات تلك الدراسة أن الماء تُلفظ "مُويه" أو "مَا" عند الحضر، وتُلفظ عند أغلب القبائل الساكنة في رؤوس الجبال والمفاوز الداخلية "موو" ومنهم من ينطقونها "مووي".
وتُلفظ "مووء" عند قبيلة الحبوس، وعند أهالي وادي شعم وغليلة، وبعضهم في وادي عليلة يتلفظها "مَايْ"، وتُلفظ "مَيْ" عند بعض القبائل في جبال الحجر في الإمارات وسلطنة عُمان، وعند أغلبهم تُلفظ "ماي".
ورصدت الدراسة تداول مجتمع الحجر لمفردات مشتركة ومتعارف عليها في الخليج العربي مع اختلاف الخصائص اللغوية من حيث تمايز طريقة النطق الخاصة بمجتمع الحجر، ووجود مفردات مشتركة بين سكان الحجر بالإمارات وسلطنة عُمان مع تمايز بعض المفردات في مجتمع الحجر بسلطنة عُمان عن المفردات المتداولة في مجتمع الحجر بدولة الإمارات.
وتؤكد الدراسة عروبة لهجة أهل جبال الحجر؛ فهي ذات جذور لغوية متأصلة بمفرداتها ومعانيها في المعاجم العربية.
ونتعرّف من الدراسة على جغرافية منطقة الحجر أو "الحَيَر"، وتُلفظ أيضاً "الحَيْر" في دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، وهي جزء من إقليم جغرافي جاف يُعرف بـ(جبال الحَجَرْ) يتكون من سلسلة جبال تبلغ مساحتها نحو 35000 كيلو متر مربع من الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتمتد مرتفعات الحجر من المنحدرات الصخرية الشاهقة لمضيق هرمز في الشمال الشرقي إلى رأس الحدّ جنوب شرق سلطنة عُمان.
وتحدثنا الباحثة والكاتبة لولوة المنصوري في دراستها "ماء الحَجَر: مفردات الماء ودلالاتها في جبال الحجر" عن عمارة أهل الحجر، وكيف طوعت العمارة الخاصة ببيوت سكان الحجر المعطيات الجغرافية وظروف الحياة الصعبة بقوتها وقدرتها على الانسجام مع المتغيرات.
وكان بيت "القفل" من أهم أشكال البيوت الشتوية في رؤوس الجبال الذي يتوخى به الجبلي حماية أهله، وتوفير الدفء المقاوم لبرد الشتاء وأمطاره. أما في الصيف فقد كان بيت "الصَّفْ" شكلاً لإراحة النفس وحمايتها من لهيب الصيف وحرارته القاسية، صف إنسان الحجر الصخري على طبقات، وصنع فيها فتحات جانبية على الأطراف ليعبر إلى البيت الهواء البارد، وصنع سقفه من جذوع السدر والطين والخوص تتخللها فتحات الهواء، فاستظلت واستراحت أسفله العائلة.
وأما اليوم فعائلات الفلاحين الحجريين تعيش في بيوت مبنية بالخرسانة والنظم الحديثة التي تتوافق وطبيعة تلك المناطق بمساعدات من الحكومة في كل من الإمارات وسلطنة عُمان.
يُذكر أن لولوة المنصوري هي باحثة وقاصة وروائية إماراتية صدر لها أعمال أدبية عدة تنوعت ما بين الرواية والقصة والقصيرة بينها "آخر نساء لجنة"، و"قبر تحت راسي"، و"عندما كانت الأرض مربعة"، و"خرجنا من ضلع جبل"، و"قوس الرمل"، و"القرية التي تنام في جيبي" بجانب إصداراتها البحثية التي نذكر منها كتاب "تنوير الماء" الذي خصصته للحديث عن تاريخ الماء في الإمارات بجانب كتاب "لنا المدى والظلال.. قصائد من الإمارات".
