ما الوطن يا أستاذي؟
13 مايو 2026
زياد خداش
13 مايو 2026
عوّدت طلابي على إعادة تعريف الأشياء بعيدا عن التعريفات المدرسية في التعريف، (فالمدرسة قلت لهم مرة) ليست فقط مكان للحصول على معلومات، وشهادة تخرج، إنها حديقة لبناء القلب والروح والوجدان، وقطار للسفر إلى جزر مجهولة نتعلم فيها لذة المغادرة واقتحام غير المعلوم، ما هو الجمال يا طلابي؟ هو ليس أن يكون شعرك منتظما وملابسك أنيقة وعطرك فواح، انه أن يكون سلوكك أنيقا وذوقك وانتباهك حساسا، للبسطاء من فقراء وبسطاء البلاد، أن يكون قلبك حاضرا حين يتعذب شخص هو أن تحترم الآخر حتى لو رفض رأيك، أن تكون حساسا لحاجات وحساسيات الآخرين، أن تكون متواضعا، ومترفعا عن التفاصيل الصغيرة.
أتذكّر ذاك النهار البعيد القريب في مكتبة المدرسة، والطلاب جالسون على الأرض، متكئين باسترخاء يشبه النوم، ناجحين تماماً في ركل الضجيج الخارجي لطلاب المدرسة بعيداً عن اللحظة العميقة.
كنت أجلس وسط الحلقة على الأرض مغمض العينين، وأضواء الشموع تنام بيننا بطمأنينة كبيرة وبغياب كامل عن الوجود.
كان الطلاب يتناوبون على جلسة الوسط؛ ليصبح كلّ منهم مسؤولاً لا سائلاً.
كنت كمدرس محظوظاً بآباء وأمهات طلابي العشرين الذين لجؤوا إلى المكتبة هرباً من سجن المقعد الدراسي، والنافذة المغلقة، والولاء الأعمى للسبورة، والمنهاج المدمّر للروح الخالي من الأسئلة.
كنت أجلس في وسط الحلقة، العينان مغمضتان، واليدان متحررتان من جسدي، وكنتُ أجيبُ عن الأسئلة بتلقائية مريحة، وكنتُ ألعبُ في صياغة الأجوبة، وأرقصُ مع اللغة، وكأنها كتلة طين سعيدة، ومطواعة.
انتظر الطلاب إجاباتي، حاولتُ أن أكون تلقائياً لم أنجح، حاولتُ أن أقول أي شيء، مثل: الوطن هو جيش البلاد الذي يحمي الحدود، وهو العَلَمُ، وهو الوزارات، والمنهاج وجواز السفر.
لم أقل أيّاً من هذه الإجابات رغم أهميتها القصوى. كنت أشعر بأن الإجابة في منطقة أخرى، وأنها حسّاسة، وتتوجع كلما نطق بها أحد. شعرتُ بان صخرةً كبيرةً تسدّ فمي، وأن لساني صار صحراء، فتسللتُ من بين الطلاب دون أن يشعروا بي، إلى الوادي القريب، قطفتُ عصفورين عن الشجرة وعدتُ إلى المكتبة متسللًا.
فتحتُ الباب، والنوافذ كلها، أطلقتُ العصافير من يدي.
وقبل أن تخرج العصافير إلى السماء من الباب، والنوافذ كنتُ أصيح بملء اليباس الذي في لساني:
افتحوا أعينكم، على مصراعيها، وقفوا قرب النوافذ وانظروا.. هذا هو الوطن.. هذا هو الوطن.
لم يعجبني أني لم أقل ذلك لطلابي، وأني رميت الإجابة الشجاعة لفم الريح، وناقشت نفسي: إذا كنت مقتنعا بهذه الإجابة لم لا تعممها على الطلاب،؟ هل هذا جبن؟ وإذا كنت جبانا كيف ينسجم ذلك مع قولك أن كلمة الحق يجب أن تقال للناس لا للريح، في صباح اليوم الثاني، انتزعت معتذرا إجابتي من فم الريح، ووضعها مع العصفور على الطاولة أمام الطلاب.
قلت لطلابي غيبوا أسبوعا وأرجوكم فكروا ليس فقط بعيونكم بل أيضا بحدسكم وحياديتكم العاطفية بعيدا عن النزعة الفصائلية لأهلكم وبيئتكم، وبعيدا عن الشعر الذي يغوينا لنقول الوطن بألوان براقة وبلغة أقرب للطرب والزخارف، لا نريد طربا وهذه ليست حصة شعر وقصص وكتابة، هذه حصة تعريفات شجاعة صادرة من الجرح من الغضب من الخوف من الحب، عرّفوا الوطن بعيدا عن شعارات تلفاز بلادكم، وبعيدا عن اليافطات التي يضعها مرشحو مجالس البلديات ورئاسة الدولة.
عاد طلابي لي بعد أسبوع، ليعيدوا تعريف الوطن بشكل غير تقليدي وغير مبتذل وغير بلاغي.:
محمد : الوطن هو أن أحلق شعري بطريقتي التي أحبها.
وسام: هو أن أحترم رأي زميلي في حال لم يعجبني.
خالد: الوطن هو أن أزرع البقدونس مع أبي في ارضه الضيقة في المخيم.
جميل: الوطن هو أن ابتسم في وجه عامل النظافة.
علاء :الوطن هو أن أسافر إلى البرازيل، ثم أعود إلى فلسطين وأرفض البقاء هناك إلى الأبد.
جمعة: الوطن هو أن اطلب من جدي أن يكرر لي حكايات شبابه في قريته المهجرة.
خميس: الوطن هو أن أبحث في تاريخ بلادي عن بطولات وإنجازات حضارية.
وتوالت تعريفات الطلاب الجديدة، بكيت بصمت وأنا أسمعها، ناديت المدير، لافتخر بهم أمامه وليفتخر هو بهم أمامهم، بهم. استمتع لهم ونطق بجملة واحدة قبل أن يذهب لاجتماع وزاري:
(كم أنتم رائعون! لكن لا تنسوا أن الوطن أيضا ذكاء قيادة سياسية).
نظر إليّ الطلاب ليعرفوا رأيي بقول المدير، لم يجدوني ، كنت قد أدعيت التشاغل بمكالمة هاتفية.
