لهذه الأسباب كفرت بالإلحاد
في مطلع سنتي الجامعية الأولى، صدمت سيارة سريعة أخي التوأم جيم في شارع قريب من الحرم الجامعي. تلك كانت أيام ما قبل الهاتف المحمول، لكنني كنت بالمصادفة في غرفتي بالسكن الجامعي حينما جاء الاتصال فسارعت لأركب مع أخي سيارة الإسعاف. وسرعان ما جاءت أختنا أليس ـ وكانت تسبقنا بسنة في الجامعة ـ إلى المستشفى.
بعد قليل من اقتياد المسعفين أخي لوضعه على الأجهزة، أوضح طبيب رعاية مركزة لي ولأختي أليس أن أخانا يعاني من فشل حاد في التنفس وعلى نحو عارض أضاف الرجل الذي لم نره من قبل أنه لا يرجح أن يظل جيم على قيد الحياة حتى الصباح. ثم مضى يواصل جولته. وكان أول ما فعلناه بعد ذهابه أننا دعونا.
كنا قد نشأنا في بيت كاثوليكي، نحضر القداس كل يوم أحد وفي الأيام المقدسة، ونتلو صلاة الشكر قبل وجباتنا، وقبل النوم، ونردد التسابيح قبل الرحلات الطويلة بالسيارة، ونضيف دائما المرضى والمأزومين من الأحباء إلى قائمة أدعيتنا. وفي المستشفى، كان الاشتراك في الدعاء ملهيا لنا، ولكنه أيضا كان عملا نؤمن بأن له شيئا من القدرة على مساعدة أخينا في أن يجتاز الليلة على قيد الحياة.
وحدث أن تجاوزها. كان تعافيه طويلا، استغرق شهورا امتدت إلى سنين، لكنه اكتمل في النهاية. شكرت الرب على ذلك. لكن ذكرى تلك الليلة التي ظننت فيها أنني أفقده إلى الأبد لازمتني. وإدراك البشر ضعفهم الأكيد يدفع بعضهم إلى الإيمان، لكنه في حالتي كان ذا أثر عكسي. ففي الحرم الجامعي في ربيع ذلك العام، بدأت أتغيب عن القداس، وتبين أن تلك هي الخطوة الأولى في طريق أفضى في النهاية إلى رفض العقيدة التي نشأت عليها. فكانت استجابة دعائي هي التي جعلتني ألحد.
من نواح كثيرة، كانت تلك السنوات ـ وهي سنوات انعطاف القرن ـ وقتا مثاليا لكافر مبتدئ. ففي عام 2004 نشر كاتب مجهول اسمه سام هاريس "نهاية الإيمان" وكان رسالة قصيرة في الخطر الوجودي الذي يمثله الدين على الحضارة الغربية. وفي تتابع سريع بعد كتاب هاريس صدرت كتب "وهم الإله" لريتشارد داوكنز (2006) و"تبديد السحر" لدانيال دينيت (2006) "وليس الله أكبر" لكرستوفر هيتشنز (2007) ووجدت طريقها إلى قوائم الكتب الرائجة، وبات فريق اشتهر بـ"الفرسان الأربعة" واجهةً عامة لانبعاث (الإلحادية الجديدة).
لكنني سرعان ما اكتشفت أنني لست من جمهور هذه الكتب، وأنني لا أبحث عما يقنعني بالتخلي عن الإيمان بالرب، إذ كنت تخليت بالفعل. إنما كنت أريد أن أعرف بأي بديل أومن.
لو أنني كنت لا أزال أبحث عن معتقدات، فمعنى ذلك ـ كما قد يقول كثير من الملاحدة ـ أنني لم أتجاوز تنشئتي الدينية حقا. فالملحد الحق لا يعنى بالمعتقد وإنما بالمعلومات، ولا يعنى بالإيمان وإنما بالمعرفة. لكنني لم أتمكن من العثور على إجابة معلوماتية معرفية لسؤال كان من أكثر الأسئلة إلحاحا عليّ: كيف لي أن أعيش؟
لا أقصد القول بأن (الملاحدة الجدد) كانوا بلا حس أخلاقي. بل لقد كانوا على العكس يمتلئون غضبا أخلاقيا على المعاناة التي يتسبب فيها الدين دونما داع. لكن طبيعة الأخلاقية في ما يبدو هي الشيء الوحيد الذي لم يكترثوا بالجدال فيه. فقد رأوا أنه من البديهي أن نؤثر لأنفسنا اللذة على الألم، وأن كل ذي عقل إنما يرجو ذلك للآخرين. ومن أضرار الدين الكبرى في اعتقادهم أنه يصرف الناس عن هذا الأمر البديهي. ولم يطمح من الفرسان الأربعة إلا هاري في "علم للخير والشر" يستطيع إخضاع المزاعم الأخلاقية للتدقيق والفحص العقلانيين اللذين تخضع لمثلهما بقية المزاعم، ولكن الفصل الذي كتبه في هذا الموضوع سرعان ما يتحول إلى جدل حول استحالة السلمية والضرورة الأخلاقية لممارسة الحكومة للتعذيب. (لقد كنا حقا في زمن غريب).
على أي حال، لم أكن أبحث حقا عن إرشاد عملي. وليس سؤالي "كيف لي أن أعيش؟" سؤالا عما هو صواب وإنما عما هو خير. ليس سؤالا "عما يجدر بي أن أفعله؟" وإنما عن "كيف يجدر بي أن أكون؟" وأرحب تفسير لرؤية الملاحدة الجدد للسؤال هو أنه يجدر بالناس أن تكون لهم حرية اتخاذ القرار لأنفسهم. وفي ذلك كنت أوافقهم تماما، ولكن ذلك تركني في النقطة التي بدأت منها، أي أنني كنت لا أزال بحاجة إلى إجابة.
منصرفا عن الجدالات الشائعة آنذاك، شرعت أقرأ في الفلسفة الحديثة التي فهمت أنها الوسيلة الأساسية التي يبحث عبرها البشر عن إجابات علمانية لأسئلة الحياة. قرأت الفلاسفة الأكثر شيوعا بوصفهم أمثلة تحتذى لدى ملاحدة العصر ـ جون لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل ـ وكذلك من درج الشباب الجياع إلى المعنى على تبنيهم بوصفهم هداة العلمانية: فريدريك نيتشه ولودفيج فتجنشتاين وألبير كامو. لكنني قرأت أيضا الفلاسفة الذين يكثر الفلاسفة أنفسهم من قرائتهم.
وحتى وأنا أكافح في قراءة أصعب هذه الأعمال، بدت لي القراءة ضرورة ملحة. لم أكن ملزما بتقديم أبحاث أو بالحصول على درجات، لم أكن أبحث عن كسب درجة عليمة أو التقدم في مسيرة مهنية. بل ولم أكن أحاول إثارة إعجاب الناس في الفعاليات الأدبية. (فمن أجل ذلك كانت أمامي روايات ما بعد الحداثة التي تربو صفحات إحداها على الألف). كنت فقط أحاول أن أفهم. وكثيرا ما يقال إن "انتقادات" إيمانويل كانط الثلاثة من أولى الأعمال التي قطعت الصلة بين الفلسفة وغير المتخصصين فيها، أما كانط في رأيه فقد كان يعالج الأسئلة المباشرة للغاية ـ ما الذي يمكن أن أعرفه؟ ما الذي لا بد أن أفعله؟ وما الذي قد أرجوه؟ ولقد كنت بالقطع من غير المتخصصين، وتلك كانت الأسئلة التي أردت إجابات لها.
مما علمتنيه هذه القراءت أن الملاحدة لديهم معتقدات، لا بشأن الأخلاقيات والمعنويات فقط وإنما أيضا بشأن ماهية العالم وكيفية اندماج البشر فيه. والمعتقدات لدى الملاحدة، كحالها لدى المؤمنين، ليست واحدة، لكنني وجدت المعتقد الإلحادي الحديث ينزع إلى الانضواء في أحد تراثين عريضين.
تحمل رؤية العالم الإلحادية الأكثر شيوعا أسماء كثيرة ـ التجريبية، والوضعية، والمادية، والطبيعية ـ لكن المصطلح الذي يقتنص على خير نحو كامل نسختها المعاصرة هو المادية العلمية. وبشكل عام، ترى هذه الرؤية أن العالم المادي هو الموجود الوحيد، وأن البشر يمكن أن يعرفوا هذا العالم من خلال الإدراك الحسي، وأن مناهج العلم تتيح لنا تحويل البيانات الأولية لهذا الإدراك إلى مبادئ عامة، وأن هذه المبادئ قابلة للاختبار وقابلة للتطبيق العملي من خلال التنبؤات بأحداث المستقبل.
وشأن رؤى العالم، فإن لدى المادية العالمية الكثير مما يشهد لها. فهي تخبرنا بأن البشر قادرون، دونما عون من قوى وراء طبيعية، على فهم الواقع كله وتسيُّده في نهاية المطاف. وتخبرنا بأن مخزن المعرفة الإنسانية دائم الزيادة والتحسين لأوضاعنا المادية. وتحقيقا لهذه الغاية، تشير المادية العالمية إلى التقدم البشري المذهل الذي حدث في عصر هيمنة العلم. وتشجعنا على التنعم بثمار هذا التقدم بقدر المستطاع، بما أن حياتنا هنا على الأرض هي حياتنا الوحيدة.
وأغلب من يتبنون المادية العلمية يرونها صحيحة بوضوح فلا سبيل إلى إنكارها من شخص عقلاني يفهمها حق فهمها. لكن قراءتي أظهرت لي أن هذه الرؤية للعالم لها نقائصها. ولعل أفدحها أصيل في كل رؤية للعالم على الإطلاق، وهو أنها تقوم على مجموعة مبادئ لا يمكن إثباتها في الغالب، حتى بمعايير الإثبات التي تتبناها. فالمبدأ العام القائل بأن كل المعرفة الحقيقية مستلهم من الإدراك الحسي للمعلومات المادية غير قابل هو نفسه للاستنباط من إدراك معلومات العالم، ومن ثم فهو غير قابل للإقرار من خلال مناهج المادية العلمية نفسها. والحق أن هذا ينطبق على كل مبدأ عام. فمشروعية استخلاص مبادئ عامة من تفاصيل تجربة لا يمكن أن تتأسس من التجربة بدون وجود المبدأ مسبقا.
وتشتهر هذه المشكلة بمشكلة الاستقراء، ولم يكن أول من أشار إليها رجعيا معاديا للتنوير وإنما كان التجريبي الاسكتلندي ديفيد هيوم. وكان تجريبيون أسبق من أمثال لوك وفرانسين بيكون يعتقدون أن العلم الفيزيقي يجب أن يبقى قائما جزئيا على إيمان ميتافيزيقي. وصار هيوم من أبطال الفكر العظماء لدى الإلحاد الحديث برفضه هذه الفكرة. لكنه لم يضع في موضعها أساسا آخر. وذهب بدلا من ذلك إلى أننا يجب ببساطة أن نتخلى عن الأسس بالكلية، باستثناء أسس متزعزعة من قبيل العرف والعادة والمصلحة. وكانت تلك هي الإجابة العلمية المادية لا أكثر ولا أقل على المشكلة منذ ذلك الحين: المادية العلمية صالحة وحسب.
ولو أن "الصلاحية" تعنى القابلية للاستعمال النافع، فالمادية العلمية كذلك بلا مراء. لكن لو أننا نعني بها أن تقتنص في إطارها جميع سمات تجربتنا البارزة، فتلك مسألة أخرى. فالحقيقة أن ما لا تفلح المادية في اقتناصه باقتدار هو التجربة ذاتها. فالوعي ليس ماديا، وليس متاحا علنيا من خلال إدراك حسي، ولا يخضع للملاحظة التي تعدها المادية العلمية علامة المعرفة، فهو بمعايير رؤية العالم المادية غير موجود أصلا. وفي رأيي أن هذا نقص قاتل. فقد قضيت وقتا كبيرا للغاية داخل عقلي بما يمنعني أن أقبل رؤية للعالم تقول لي إن أي شيء يجري هناك إنما هو غير حقيقي.
ومن حسن الحظ أنني اتصلت آنذاك بعائلة أخرى عظيمة في المعتقد الإلحادي الحديث، انتهيت إلى تسميتها بالمثالية الرومنتيكية. هذه هي إلحادية نيتشه ومارتن هيدجر ونسلهم من الوجوديين، ويبدأ هذا التيار بالتحديد في الموضع الذي تهمله المادية العلمية، أي من إرادة الكائن الواعي الذاتي. والمثالية الرومنتيكية في أقصى أشكالها تعامل كل واحد منا باعتباره الإرادة الموجدة لعالمنا المنشئة للواقع الذي نعيش فيه. وحتى حين لا تمضي إلى هذا الشطط، فإنها تعامل تجربتنا الذاتية باعتبارها الموضوع الملائم للمعرفة، بل باعتبارها الشيء الوحيد الذي يمكن القول بمعرفته.
نشأت المثالية الرومنتيكية في عصر ما بعد التنوير وعارضت مبادئ عقلانية التنوير بقدر معارضتها للسلطة الدينية. وبرغم ارتباط الإلحادية في الغالب بالعقلانية المفرطة فهذا الضرب منها لاعقلاني سافر. وفي موضع العقل والملاحظة والدرس العلمي، يعلي من شأن العاطفة والخيال والإبداع الفني. وأخلاقيات المثالية الرومنتيكية هي أخلاقيات الأصالة: فالخير الأقصى ليس اللذة القصوى والألم الأدنى ولكنه العيش بما يصدق مع واقعنا الذاتي. وترفض هذه الحركة الإيمان الديني لا لزيفه من الزاوية التجريبية وإنما لكونه استجابة جاهزة وموروثة لمشكلات وجودية علينا أن نحلها بأنفسنا. ولا بد أن تكون جاذبية هذه الرؤية للعالم ـ وبخاصة لدى شاب منخرط في هذا بالفعل ـ أمرا واضحا، فسرعان ما وجدت نفسي واقعا في فتنتها.
شأن المادية العلمية، ليس للمثالية الرومنتيكية أساس صلب قائم في أي حقيقة مطلقة قابلة للإثبات. لكنها سعيدة بهذا الوضع: فالافتقار إلى أي أساس من هذا النوع هو الذي يمكِّن كل واحد منا من إقامة حقيقته الخاصة. ولهذه النسبية أخطار واضحة. فمنذ عهد لوك، ارتبطت التجريبية ارتباطا وثيقا بالليبرالية السياسية، في حين أن المثالية الرومنتيكية ترتبط بقوى سياسية أشد قتامة. فجان جاك روسو ـ وهو من مؤسسي الرومنتيكية ـ كان مصدر إلهام عظيم لعهد الإرهاب في الثورة الفرنسية. وقد ذهب إلى أن الحقوق المطلقة المفترضة التي تقول بها الليبرالية إن هي إلا أقنعة للمصلحة الشخصية البرجوازية. وقد تطورت هذه الحجة لاحقا بإسهاب كبير على يد نيتشه وهو أحد مفكرين هذا التيار العديدين الذين ألهموا صعود الفاشية.
ثمة مشكلة أهم في المثالية الرومنتيكية تظهر على المستوى الشخصي: وهي أن إنشاء المعنى من العدم مهمة صعبة على نحو لا يصدق. فالنهج المثالي الرومنتيكي حافل بالخوف والارتعاد، وهو لا ينكر هذا. فهو ليس طريق سعادة في حقيقة الأمر، وإنما يبدو أنه يزدري هدف السعادة أصلا. (فقد كتب نيتشه أن "الإنسانية لا تسعى إلى السعادة، وإنما الإنجليزي وحده من يسعى إليها"). ولقد افتتن كثير من كتاب المثالية الرومنتيكية بـ"مشكلة" الانتحار، والمشكلة في رأيهم هي أنه لا يوجد سبب وجيه لعدم الانتحار.
ذلك العنصر من عناصر المثالية الرومنتيكية هو الذي أفضى بي في نهاية المطاف إلى رفضها. فقد سئمت من التعاسة والقلق طيلة الوقت، ومن التساؤل المستمر عما لو أن الحياة تستحق العنت. من أسباب هذا الشعور، بالنسبة لي، أن الماديين أصابوا في نقطة مهمة: وهي أن خارج رءوسنا بالفعل عالما لا يمكن تجاهله أو التغلب عليه بقوة الإرادة، وإنكار هذا وصفة مضمونة للشقاء.
بعد قرابة عشرين سنة من البحث دونما جدوى عن رؤية إلحادية متماسكة للعالم، بدأت في منتصف الثلاثينيات من عمري، أفكر في احتمالية أن تكون الإلحادية نفسها جزءا من المشكلة. وكثرت الخطوات من هذا السؤال وصولا إلى رجوعي النهائي للإيمان الراسخ، لكنني بدأت بفكرة أن الحياة الحقيقية بالنسبة لي قد تكون حياة الإيمان، التي تقر بوجود كل من العالم المادي الخارجي وعالم الأفكار الداخلي وتسعى إلى المصالحة بينهما، وتقبل بأساس مطلق للأشياء، وتحاول أن تفهم على نحو مؤقت ومنقوص طبيعة هذا الأساس وما يريده مني.
مر الآن قرابة عقد منذ رجوعي إلى الإيمان التوحيدي. وفي ما خلا بعض التغير المتطرف، فعما قريب سوف تكون مرحلة الإيمان الثانية هذه قد دامت أكثر مما دامت سنواتي في التجوال الإلحادي. غير أن تلك السنوات سوف تبقى معي دائما، وسيبقى شكري لها دائما أيضا. فبها فهمت العالم المحيط بي الذي سيطر عليه في الآونة الأخيرة الحزن واليأس، وفهمته فهما شديد الاختلاف عما كان يمكن أن أفهمه لولا تلك السنوات.
•المقال مأخوذ من كتاب "لماذا لست ملحدا: اعترافات مؤمن مرتاب".
** كريستوفر بيها روائي وكاتب أمريكي، شغل منصب رئيس تحرير مجلة Harper’s Magazine بين أكتوبر 2019 وأكتوبر 2023.
*** عن ذي نيويوركر
