1645987
1645987
ثقافة

قراءة تحليلية لقصيدة «إلى سمو» للشاعر عتيق الفلاسي

22 مايو 2021
22 مايو 2021

قراءة الباحث - عمر بن غابش النوفلي -

إن كينونة الشعر تتمثل في ذلك الدفق الحيوي الذي يمنح القصيدة حضورا جماليا هذا الحضور بدوره يخضب الأسماع ويوقد جذوة المشاعر ويسبك الحب الإنساني في دينامية حية ابتدعها الإنسان واجترحها من وحي اللغة، إذ أن القصيدة بعذوبتها تزرعُ في حقل الشعر المتسع أبوابه، فلا تنحصر تلك الآفاق في كلمات ميتة -كما يرى بعض المتزمتين- بل تتخلق في فضاءات المعرفة لتكون كلا إبداعيا، هذا الكل الذي يبرر النسق الثقافي المضمر والمسيطر على شاعرية الشاعر... ولكل شاعر عموما أزمته الوجودية يسعى من خلال أدوات المعرفة الإنسانية أن يحقق مصالحة شعورية ضد دوامة الاغتراب النفسي وتظهر في قصائد الشاعر عتيق الفلاسي سمة البعد الصوفي حيث تبدو هذه السمة نسقا مضمرا يحرك النصوص الجمالية لترنو في فضاءات المتعة واللذة والتجلي الديني، وبناء على ذلك نجد أنفسنا أمام متخيل إبداعي نشترك معه في لعبة المحمولات الدلالية -كما يزعم ميشيل فوكو- فالنص وحده هو معول الهدم والبناء وهو النسيج الذي يحيل على شبكة من الأفكار والعواطف العميقة، ومما لا شك فيه أن النص يحقق مقاربات تأويلية لا نهائية، لأنه يفترض مجموعة من الحقائق فلا وجود للحقيقة المطلقة في صلب اللغة وهذا الفضاء يفسح المجال لحقائق أخر وتأويلات شتى طالما ديمومة القراءة في إنتاجية مستمرة، وحتى لا نغرق في بحر التنظير والكلمات الإنشائية وجب علينا أن نقدم تحليلا أدبيا عن قصيدة من قصائد الشاعر عتيق الفلاسي والتي عنوانها: «إلى سموّ» من ديوان سراج المنتدى.

ولما كان العنوان -النص الموازي- العتبة الأولى للدخول إلى النص الكبير في كونه يمثل حلقة الوصل بين العتبات النصية الأخرى كان لازما على القارئ أن يقف وقفة جادة لاستنطاق إشارية العنوان لأن العنوان يختزل امتدادات سميولوجية واجتماعية قابلة لتحقق مقاربات تأويلية وتدعم موقف القارئ من النص والكاتب ضمن ما يعرف بجمالية التلقي فالعنوان علامة إغرائية إيحائية تمكن القارئ من المشاركة بل قتل المؤلف والاستئثار بحب النص ولذته الايروسية بغية البحث عن الخطاب المسكوت عنه والذي يتوافق مع رؤية الشاعر وفلسفته الخاصة. استنادا على العلامة التركيبية لعنوان القصيدة «إلى سمو» يلحظ القارئ أن العنوان يتألف من حرف الجر «إلى» الذي يفيد انتهاء الغاية الزمانية أو المكانية والشق الثاني الذي جاء اسما مجرورا «سمو» والذي يشير دلاليا إلى المكانة العليا والارتفاع والعلو، وبناء على العتبة الأولى يمكن القول: إن منتهى لذة الشاعر هو بلوغ المكانة العليا بيد أن المكانة التي يصبوا إليها عتيق الفلاسي ويتوجس منها خيفة ورهبة لن تتضح للقارئ أو يظهر سلطانها إلا بقراءة النص الكبير فهو يختزن المضمرات الأساسية للسيرورة التي ستؤدي إلى إنتاج المعرفة لاحقا.

إن الحب يتبدى في وداعة تحار منها الأذهان فهو سر لم يبح بجوهره الكلي كالبحر في زرقة مياهه لكنه في أعماقه يخفي أسرارا دفينة وظلمات من الصعب أن يدركها الإنسان إدراكا مطلقا، فالإنسان هذا الكائن الجهول الذي وصفه القرآن الكريم بذلك لم يفطن على حقيقة وجوده إلا حينما تفكر في ملكوت الله وخلقه ورأى أن الله في كل شيء من الموجودات وأيقن أن الطريق الصحيح للحب هو السمو الإلهي فوق كل الكائنات والأكوان فانتهج بعد توبته مسلكا يقربه من الله زلفى، إنه الحب الإلهي وهو السبيل الوحيد إلى الحقيقة التي لا جدال فيها ولا مراء، وإذا كانت المتصوفة بقلوبهم الدافئة يسعون إلى السمو وتزكية الروح، إلى رب العالمين سائرون يلهجون بالحب كشاعرنا الفلاسي الذي اتخذ من الحب ومن التصوف غطاءً يسمو به فوق كل الخلائق في تجربة روحية تقرب الروح والجسد إلى اليقظة والمكاشفة فهي اتصال يقيني بالعظيم الخالق حيث النقاء والخلود بعدما ضاعت مكنونات الشاعر في خضم الدنيا فلم يقو صبرًا لعجز قلبه من أهوال الضياع، ورهبة اللقاء من عظم المقصد ذلك أن تلاليب المحن قد قيدت جهاته، وزواياه التي تاهت في الظلام، يعلنها الفلاسي ضمنيا في أعماق كلماته حيث ثمل من محراب الحب الإلهي وأسكرته خمرة العشق الإلهي وهي نشوة عميقة شملته يرجو ألا يستيقظ منها أبدا:

الحب فوق الكائنات تسامى

فوق المكان يصافح الأيام

فيه الجنوب إلى الشمال موجهٌ

وبه الشمال على الجنوب أقاما

ضاعت جهاتي حيث صرت رهينةً

لمؤشر في خافقي يتنامى

أنا مَن ثملت الفكر سكرا في الهوى

فتبدلت مني الرؤى أوهاما

إن مقامات الحب والعشق الإلهي هي أسمى ما يميز الأدب الصوفي من خصال باطنية ورهبانية التمست شغاف قلوبهم بل أن كثيرا من المسلمين قد شُغف بهذا الفن الديني، فالاتجاه الصوفي شرعةٌ ومسلك للوصول إلى الحقائق حيث ترنو الكلمات وتتواشج العبارات مع وهج المشاعر وسكرة الحب في نشوة تغدق على القلوب الهائمة عشقا وحبا.

وقد تعلـق الحب بالإنسان الذي وجد في الطاقة الروحية النابعة من دفين العاطفة معينًا لا ينضب فلا وجود للشر في عالم صوفي ينحو إلى السمو والكونية، عالم يعشق الحب وينتصر على الكراهية، عالم يعبق برائحة الجمال حين يرى الحب ساد هذا الوجود، ولا غرو أن نجد الفلاسـي ينهل من معين الصوفية الذي يمثل له مرحلة من مراحل السمو إلى الصفاء والنقاء -هكذا نراه-، فالحب يرتفع فوق كل الخلائق إذا توشح بالمثل العليا وتسامى عن جدا كل مكروه، ألا يكفي أن تتبدل هذا الرؤى كما يقول الشاعر إلى أوهام وهذا الملمح نفسه يحيلنا لابن عربي الذي كان يرى أن «الوهم سلطان عظيم في نشأة الإنسان».. ولعل الحب الروحي يختلف اختلافا كليا عما جاءت به نظريات التحليل النفسي التي لم تكن لتتجاوز مواطن الغرائز الإنسانية فهي لا تنفك قولا عن قضايا الكبت والحرمان الجنسي متناسين اتباع الجنس أن الجانب الروحي والمعنوي حيث يقظة العقل وانتشاء الروح في نشوة الخمرة والغرق والانقياد إلى السمو نحو المكانة العليا هو ما ينبغي النظر إليه ويبدو واضحا في قول الشاعر:

أنا من لثمت الحب إغراقا فلم

أحسب لعمري بعد ذاك قياما

أنا من أضعت الحرف حينا فانضوى

في ذلة مرفوعة أعلاما

تدثرت كلمات الشاعر برهبة الغرق -أعني العشق الروحي- فقد وجد عتيق الفلاسي ظاهر نفسه أمام مسار في غاية الصعوبة لذلك لم يستطع قيامًا لعظم المقصد الذي يسمو إليه ذلك أن ظاهر الطريق المنشود هو العذاب الذي يخفي في باطنه الحب والرحمة فحب العارفين مسلك شاق ومتعب لا يتأتى المرء أن يصل إليه إلا بشق الأنفس حيث تسمو الروح إلى الفناء الأسمى إلى المعشوق الإلهي إلى السمو الأعلى.

إن هذا الحب الذي يمثل السمو الأعظم في التسامي فوق كل الخلائق، والمكانة العليا لا ينبغي لها أن تتحقق في كنف الرخاء دون الابتلاء لذلك ما يمر به الشاعر من تيه وضياع يبدو جليا في بيان عظم المقصد فهو يبحث عن السلوك الذي يقربه من الجذب حيث الفناء الروحي بالكلمات النورانية التي تضيء مقاصد النفس بغية الوصول إلى لحظة التلاحم والانكشاف...هي التضحية في سبيل الوصول إلى المعشوق الأوحد ولعل هذه القصيدة تبوح بالكثير ويمكننا القول: إن الفلاسي في ارتياب شديد وخوف عظيم ترجمها الشاعر بصراع الكلمات التي تترامى كما يترامى القوم بعضهم بعضا... وكأن القارئ يرى أرواح المتصوفة تتصعد بين ثنايا الكلمات معلنة عن حضورها الروحي نحو السمو الإلهي:

وهنا وقفت وللسمو بيانها

وعتابها وغرامها يترامى

وقصيدها بز الأشاوس في الضحى

ونشيدها قد أسكت الأعلاما

ومع قلة حيلة الشاعر لم يجد طريقًا إلى السمو الإلهي إلا من خلال أبواب القصيد فهو عنوان البيان والفصاحة وديدن الفكر وجمال الغاية... الذي سيزيل الحجب أمام أستار الظلام وقد اخضوضرت التعابير لترتفع فوق كل بيان ولا ريب في ذلك فهي إلى السمو الإلهي ماضية وليست إلى شيء آخر:

يا سدة من آل كعب تنهمي

ودقا أصاب فأخضر الآكاما

ما الشعر إلا ما أبنت فصاحة

ما الفكر إلا ما شرحت تماما

لله ما أحلى التلاقي ما بدا

نور الحروف يزاحم الإظلاما

ولعل الصوفية في طرقهم الملتوية ينتهجون سبلا متعددة بالتنقل من مقام إلى مقام ومن حالة إلى أخرى حتى يصلوا إلى الفناء الروحي أو ما يعرف بوحدة الوجود فالصوفي على صلة دائمة بالله تعالى بفعل اليقظة الروحية التي تمنحه هالة نورانية وقد دأب الشعراء في توظيف ذلك، فاستخدموا مسارات شتى من المجازات والاستعارات وهو السلوك الذي يتحقق من خلال النظر في ملكوت الله «الآثار» والأفعال والأسماء والصفات، ناهيك أن المكان --سدة آل كعب- يعد رمزًا إبداعيًا مفصليًا يحقق للمتخيل الصوفي حضوره ويبرز كمعطى حضاري وجودي حيث ينتقل الشاعر من دائرة البعد المادي الحقيقي إلى الوهم والتوهم -من منظور المحاسبي- إلى حالة اللاوعي التي تمثل تجربة شعورية وفلسفة دينية تروم إلى الفناء الروحي عندها تتكشف الحجب وترفع الأستار ليصل إلى الخلود والبقاء والسمو. وتكون اللغة وحيويتها في هذا الصدد مقياسا يتكئ عليه الشاعر اتكاء مباشرا.

إن البحث عن الجوانب الأسلوبية في القصيدة يلحظ بجلاء أن عتيق فلاسي قد وظف معجم العشق على مستوى الأفعال والأسماء فهي كلها تحيل إلى البؤرة المركزية التي تحدثنا عنها وهي الصوفية: الحب، الضياع، الهوى، الوهم، الغرق، السكرة، اللثام، التلاقي، النور، الثمالة، تسامى، يترامى، تنهمي...) وهذه المعطيات بدورها تمثل علامات تركيبية ورموزا صوفية جاهزة للاستنطاق والبحث عن الخطاب المسكوت عنه بفضل المساحات الزاخرة التي منحتها اللغة الرصينة على متقبل النص الشعري.

وخلاصة القول: إن البعد الصوفي شكل ملمحا من ملامح التجربة الشعورية لعتيق الفلاسي لذلك لا مرية أن نقول إن الاتجاه الصوفي له عظيم الأثر في الشعر العربي -قديمه وحديثه- وفي تكوين الرؤى والعواطف الإنسانية، لما يحمل هذا الاتجاه من جماليات روحية وقيم إبداعية لن تنتهي طالما الشاعر ينتقل من منزلة إلى منزلة أخرى حتى يدرك الحقيقة المطلقة وهي الربانية الإلهية، ومصداق سلوك الصوفي يمكن اختزاله في الحديث النبوي: (وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها...).

ويظهر أن عتيقا قد تلبس بأرواح المتصوفة من خلال القصيد ليدلل على قيمة إنسانية ووجودية وينشد الشاعر من خلالها إلى بلوغ مكانة الرجل الإلهي مثله كمثل أصحاب السلوك فليس بعد هذه المكانة العظيمة -السمو- سوى الجنة حيث النعيم المقيم.