No Image
ثقافة

فيلم "المروّع".. إشكالية الخيال الرومانسي المحاصر بالخوف

01 مارس 2026
01 مارس 2026

طاهر علوان -

تقدّم الشخصيات المعزولة في السينما شكلاً مختلفاً من الدراما الفيلمية، هنا سوف تتشكّل الأزمة مباشرة وبمجرد بدء العرض الفيلمي واكتشاف تلك العزلة الغريبة لينطلق السؤال المباشر: لماذا كل هذه العزلة؟

هذا السؤال الأزلي قد يكون قاسماً مشتركاً لشخصيات معزولة تبحث عن ذاتها وسط بيئات ومجتمعات ما، وهي السبب ربما وراء تلك العزلة أو جعلها متفاقمة أو أنّها تحول دون خروج الشخصية من المأزق الذي ترزح فيه.

هذه الخلاصات يمكن التوقف عندها ملياً ونحن نشاهد هذا الفيلم للمخرجة الأمريكية من أصول إيرانية ناتاشا كرماني وهي تأخذنا إلى عالم امرأتين معزولتين تماما في بيئة معزولة، الأولى فتاة شابة هي آن، تقوم بالدور الممثلة صوفي تيرنر والثانية هي والدة زوجها، موروين، تقوم بالدور الممثلة مارسيا هاردين، وهما تعيشان بالقرب من خليج معزول، ما انفك يلقي بجثث البحارة، فيما تمضي آن يومها وسط الغابة وهي ترى خليطا ما بين الخيال والحقيقة، ذلك الزوج الذي ذهب إلى إحدى حروب إنجلترا قبل قرون وهو يمتطي جواده وهو مدجج بالحديد ويمتشق سيفه.

يتبلور هذا الرمز المنقذ في هذه الدراما ويتحول إلى بديل لا شعوري تتشبث به المرأتان في سياق الصراع من أجل البقاء، إنهما تغرقان في فقر مدقع إلى درجة أن الحماة تقوم بالسرقة من بعض الناس، تنتزع من جيوبهم ما استطاعت وهم منغمسون بالخشوع في القداس الكنسي وهي توظف ذلك الفضاء الروحي لمصلحتها، فهي تسرق مبررة ذلك انه بسبب الفقر، وهي في ذات الوقت تستخدم المواعظ الكنسية لترهيب الكنّة من العذاب والنار وسخط الرب وما إلى ذلك، وبذلك تنجح في تدجين الفتاة وإبقائها تحت سيطرتها ليتطور ذلك الخضوع إلى سرقة ما تحمله جيوب البحارة الغرقى، ثم تتطور إلى ما هو أفظع عندما تقدم على قتل قس جوال لغرض انتزاع متاعه.

هنا سوف يتبعثر ذلك التماسك الهش الذي طالما تشبثت به آن لاسيما مع قدوم الجندي جاكو – يقوم بالدور الممثل كيت هارينغتون عائدا من ساحة الحرب بل قل هرباً منها وهو الصديق الشخصي لزوج آن بل انهم الثلاثة كانوا قد نشؤوا سويا ولكن ها هو يروي لها ملخص قصة الحرب بأنها انهار من الدم لم يعد لا هو ولا صديقه قادرين على تحمل كوارثها ولهذا يهربان ولكنهما وهما في طريقهما إلى الهرب يتعرضان إلى كمين من لصوص فينجو جاكو حسب ادعائه فيما لن يعود الزوج قط.

هذه الأحداث المتصاعدة تكشف لنا بنية السيناريو الذي تم رسم خطوطه الدرامية بعناية خاصة أن الفكرة تعود إلى فيلم من أفلام الساموراي اليابانية ومستوحى من قصة مسرح نوه الشنتوية البوذية نفسها التي استوحي منها الفيلم الياباني الكلاسيكي "أونيبابا" – 1964، إنها دراما متماسكة وفيها عمق إنساني وشجن عاطفي وهو ما ناقشه عدد من النقاد ومنه ما كتبته الناقدة ماريا غيتس في موقع روجر ايبيرت إذ تقول:

" لقد نجحت المخرجة في هذا الفيلم في بناء عالمٍ متوترٍ تفوح منه رائحة الموت في كل زاوية، ويعود الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى العمل المتقن لفريق الفيلم وفي مقدمتهم المصورة السينمائية جوليا سوين.

إنه مجالٌ خصبٌ لنسج قصةٍ عن ولاءات ورغبات متغيرة وثقل عاطفي. إنه ليس فقط عن القمع الاجتماعي والتدين، بل أيضا من تلاعب الآخرين المباشر، باستخدام الخوف باستمرار لإخضاع الشخصية".

أما الناقد بيندان دير في موقع هاي أون فيلم فإن له رأيا مختلفا عن العديد من النقاد المعجبين بالفيلم إذ يقول:

" إن هذا الفيلم المقتبس يتناول عدة معضلات عميقة، لكنه يتراجع في معالجة نقاط حاسمة، ما يجعل ما يتكشف يبدو متوقعا بشكل غريب، ومناقضاً تمامًا لفكرة إعادة التفسير. يكاد المرء يشعر بمقاومة الفيلم المقتبس للأصل الكلاسيكي. تبرز العناصر المعارضة بدلًا من أن تندمج بسلاسة في مزيج متناغم. تكافح المخرجة لإضفاء نوع من واقعية قاتمة على الفيلم، وغالبًا ما لا يتحقق ذلك بسبب السيناريو وبسبب أدواتها المحدودة. بدلاً من القلق والرعب، يحلّ البُعد محلّ هذا الشعور، ليُلقي بظلاله على ما يحدث في الفيلم ".

وأما إذا انتقلنا إلى الخطوط السردية التي تأسست عليها حبكة الفيلم، فإننا ولا شك سوف نتوقف عند شخصية آن، التي سبق لها وتألقت في المسلسل الشهير لعبة العروش وشاركها أيضا الممثل كيت هارينغتون في هذا الفيلم، إنها تواجه الخوف والإغراء في منعطف خطير وازدواجية شديدة الوطأة. وهو دون شك تطورٌ قويٌ للشخصية وتحول جذري في مسارها وقراراتها ومع أنها طوال الفيلم تبدو ذات تعبيرٍ جامد وثابت، عاجزة عن إظهار إحساسها الداخلي وألمها فيما يواجه هارينغتون خياراً صعباً وهو يجد نفسه في وسط قضية شائكةً، إذ يُخفي حقيقة موت الزوج شيموس، مُحاولًا التلاعب بآن. لكن عندما ينكشف كل شيء، يتحقق انقلاب درامي جذري ما يلبث أن يعيد آن إلى ذاتها وتوازنها وإخلاصها طويل الأمد وإيمانها أن فارسها سوف يعود يوما.

من جهة أخرى، توظف المخرجة رمزية القناع الحربي وقلنسوة الحرب في نطاق رمزية تعود للعمل الياباني في تحوّل القلنسوة الى مصدر وباء يضرب وجه ذلك المحارب كما انه يرافقه في تلك المشاهد المتكررة التي تمتزج فيها الحقيقة بالوهم والخيال وبعالم الأحلام أيضا من وجهة نظر آن التي يلاحقها ذلك الحضور شبه اليومي للفارس -الزوج العائد من الحرب بكامل زيه الحربي راكبا حصانه ثم تتكرر رمزية القلنسوة مرة أخرى وتبدو عقابا على جرائم الأم تجاه العابرين الذين سرقت ما عندهم، فها هي تجهز على فارس مقنع ويعتمر قلنسوة الحرب فكيف إذا اكتشفت بعد أن قتلته وأزاحت قناعه أنه ابنها الذي مرت السنوات وهي في انتظاره، أية صدمة وفاجعة؟.

من جانب آخر، نجد أن التحوّل الجذري في مسارات السرد الفيلمي وفي مجمل الأحداث والصراع يتحقق عندما يعود صديق طفولة آن، جاغو، الذي يحمل معه قصصًا مروعة عن الحرب مليئة بالدماء والآلام. كان جاغو، بالطبع، مغرمًا بآن منذ طفولتهما. في أحد الخيارات الإبداعية المباشرة، تقدم لنا كرماني بين الحين والآخر لقطات متقطعة من الماضي لآن وجاغو وشيموس – الزوج العالق في الحرب أو القتيل فيها وهم أطفال يلعبون في يوم مشمس على الشاطئ، لينتهي مرحهم بشجار بين الصبيين على الفتاة. يقول جاغو إن شيموس قُتل عندما حاول الاثنان الفرار بعد أن سئما من رؤية أنهار من دماء الفقراء تُراق في حرب الأغنياء.

من هذه اللحظة، يتحوّل الفيلم إلى ما يشبه مثلث حب بين آن وجاغو وموروين. هل ستختار آن تصديق أن زوجها قد مات؟ هل ستستسلم لانجذابها إلى جاغو؟ هل ستتخلى عن موروين لتعيش حياة فقر مدقع بمفردها؟ على الرغم من أن هذه هي الأسئلة المحورية، إلا أن هذا ليس خيالًا رومانسيا بل استمرار للمسار المُرعب، ومن ذلك الرعب الوجودي من العيش لمجرد البقاء على قيد الحياة، وصعوبة تحقيق ذلك. رعب أن يتخلى عنك أحباؤك في وقت حاجتك، ومن جانب آخر هنالك الرعب الذي تعبر عنه موروين وهي تتكلم عن عقاب الجحيم في التعاليم الكنسية ثم هنالك حروب الأغنياء التي تطارد الفقراء بالموت في ساحات معارك بعيدة عن ديارهم.

.....................

سيناريو وإخراج/ ناتاشا كرماني

تمثيل/ صوفي تيرنر في دور آن، كيت هارينغتون في دور جاكو، مارسيا هاردين في دور موروين، لورانس لوفوارين في دور سيموس

مدير التصوير/ جوليا سوين

موسيقى/ جمال غرين