مغامرة "الشكل الروائي" لأدباء الستينيات
إيهاب الملاح
(1)
بصدور هذه الطبعة الجديدة من كتاب «الرواية الحديثة في مصر ـ دراسة في التشكيل والأيديولوجيا» (تقع في 428 صفحة من القطع الكبير)؛ تكتمل المجموعة الأولى من الأعمال النقدية التأسيسية الكاملة للناقد والأكاديمي الكبير محمد بدوي؛ في إطار مشروع طموح تتبناه دار المعارف المصرية بنظم عقد الأعمال الكاملة لأبرز العقول العربية في القرن العشرين والعقدين الأخيرين من الألفية الثالثة.
أصدر بدوي كتابه «الجحيم الأرضي دراسة في شعر صلاح عبد الصبور» (وهو أطروحته للماجستير)، و«الرواية الحديثة في مصر» (أطروحته للدكتوراه) في تسعينيات القرن الماضي، وبعد سنوات قليلة من صدورهما (بالتحديد في 1999) ألحق بهما كتابه «بلاغة الكذب ـ نصوص على نصوص» الذي ضم عددا من بحوثه ودراساته التفكيكية التأويلية في قراءة التراث الشعري والسردي العربي الوسيط، ثم بعدها بسنوات قليلة صدر له «لعب الكتابة.. لعب السياسة» عن دار ميريت بالقاهرة.
تأتي هذه الطبعة الجديدة المحررة المنقحة بعد ثلاثة وثلاثين عامًا من صدور طبعتها الأولى عن هيئة الكتاب المصرية (في سلسلة الدراسات الأدبية). لم تصدر أي طبعة تالية من هذا الكتاب في مصر أو خارجها، برغم ما شابها من أخطاء مطبعية هائلة كدرت صفو القراءة، وأزعجت القراء المدققين الفاحصين.
واسمح لي قارئي العزيز ومتابع (مرفأ قراءة) التحرر قليلا من طرائق العرض الموضوعي أو الذي يحاول أن يتمسح في الحيادية؛ وأترك النفس على سجيتها للحديث عن هذا الكتاب المرجعي الهائل الذي فتح آفاقا لا تحد لصاحب هذه السطور على كل المستويات؛ ليس فقط على مستوى النقد والتنظير النقدي والتحليل النصي إنما أيضا التوجيه المباشر لقراءة أبرز نصوص الستينيات، والتعرف عليها، وعلى مساراتها الفنية والجمالية وطرائق تشكيلاتها المتنوعة التي تفيأ كل منها مسارا خاصا وفريدا للبحث عن شكل مغاير وآفاق جديدة للتجريب والكتابة.
(2)
كان هذا الكتاب من أوائل الكتب التي ظهرت في سلسلة «دراسات أدبية» التي تصدر عن الهيئة العامة للكتاب (استطراد قد يكون مهمًا: هذه السلسلة لها أياد بيضاء على الثقافة العربية والنقدية منها بالأخص، وقد لعبت دورا رائعا في تيسير أعمالٍ رائدة؛ مثّل كل منها في وقته اجتهادًا نقديا وحفرا معرفيا غير مسبوق؛ يكفي فقط أن أذكر بأن من ضمن عناوينها الأولى صدر كتاب «مفهوم الشعر ـ دراسة في التراث النقدي» لجابر عصفور، و«مفهوم النص ـ دراسة في علوم القرآن» لنصر أبو زيد، و«بناء الرواية ـ دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ» لسيزا قاسم، وكتاب المرحومة الجليلة ألفت الروبي عن «نظرية الشعر لدى الفلاسفة المسلمين»، و«الرواية الحديثة في مصر» لمحمد بدوي... وأعود للكتاب الأخير).
طيلة ثلاثين عاما تقريبا لم يفارقني هذا الكتاب أقرأه وأعود إليه وأستأنس بتحليلاته المعمقة، وأعاود النظر في طريقته المذهلة في وضع النصي في إطار الاجتماعي والسياسي والثقافي.. إلخ. اقتنيتُه عام 1995 قبل دخولي الجامعة بعامين..
في البداية، عانيت معاناة كبيرة جدًا في قراءة الصفحات الأولى منه.. أشعر بالقيمة والمجهود وأتعثر في لملمة معنى كلي.. ربما ضعف الثقافة وضآلتها وافتقار الخبرة والمعاناة الشديدة في قراءة النصوص النقدية الباذخة في الكتب والمجلات النقدية المتخصصة!.. تذكرت أنني قرأت شيئا قريبا في عدد قديم من أعداد مجلة (فصول)، عثرت عليه لدى أحد باعة الكتب القديمة في المعرض وأغراني بعناوينه وقطعه الكبير، الأكبر من أي مجلة قرأتها أو أقرأها!
المهم قررت الرجوع إلى هذا العدد من مجلة فصول عن "الرواية الحديثة"، واكتشفت الدراسة المنشورة بعنوان «مغامرة الشكل الروائي».. عكفتُ عليها أياما أبذل مجهودا حقيقيا في قراءتها ودرسها، حتى استوعبت شيئا لا بأس به؛ بدأت أضع يدي بحذر ورهبة على فكرة "المنهج" ومعنى "طرائق التحليل" و"التشكيل الجمالي" والبحث عن دلالات هذا التشكيل الذي أفرزه السياق الاجتماعي والثقافي المصري العربي في الفترة التي تم إنتاج هذه النصوص خلالها (منذ منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى مطالع التسعينيات)، وكان الأجمل أنني اتجهت للنصوص المنقودة ذاتها أقرأها كي تكون شاهدًا ودليلا على سير العملية النقدية. كانت تلك البداية..
(3)
انفتحت مغارة الروايات العجيبة والمدهشة والمذهلة على إبداع الستينيات؛ فقرأتُ «الزيني بركات» للغيطاني، و«أيام الإنسان السبعة» لعبد الحكيم قاسم، و«الطوق والأسورة» ليحيى الطاهر عبد الله..
خاض كل منهم مغامرته وبحث عن مساره الخاص؛ أبدع بدوي في وصفها وتحليلها وتصنيفها (استراتيجيات السمر الريفي في «أيام الإنسان السبعة»، وجماليات التشكيل الفولكلوري في «الطوق والإسورة»، وقناع التاريخ والمعارضة النصية في «الزيني بركات») إلخ..
وعرفت لوسيان جولدمان ومنهج "البنيوية التوليدية" (أو كما ترجمها البعض "البنيوية التكوينية" وإن لم يكتب لهذا الاصطلاح الشيوع والانتشار)، كما انفتحت على عالم لا يحد من الكتب والدراسات والمراجع عن تاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ وتطور العرب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، شُغفت بِلُغة محمد بدوي النقدية "المبدعة"؛ هو فعلا كما وصفه خيري دومة بصدق "دقيق وحساس وذكي، ويملك بصيرة حقيقية بالفن وغموضه وجماله، مع معرفة أكاديمية حقيقية"؛
وهكذا صرت أتتبع كل ما يكتبه، أحفظه كأيقونة، وأحتفظ به كـ كنز ثمين. ومع كل مقال أقرأه له أو أستمع إلى مداخلة في لقاء أو ندوة أقول في سري "ما هذه البراعة وهذا التفجر العبقري! إيه الحلاوة دي!"؛ أنبهر حقيقي، لكني أيضًا أشعر بغيظ شديد وحنق أشد لأنه ناقد "بخيل" و"كسول" وكل ما أفرج عنه من كتب لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة (فيما أعلم)؛ ومقالات متفرقة هنا وهناك ترهق من يحاول لم شتاتها وجمعها؛ وكأنه يستخسر كتابته ويضن بها، لا يعلم أن هناك من يقرأه ويقرأه بشغف، ويتعلم منه ويستمتع بلغته النقدية الفخيمة؛ واستخلاصاته المبتكرة ورؤاه النافذة..
أعوام كثيرة مضت، وجرت في النهر مياه كثيرة، وما كان أمنية أو تمنيا صار مشروعا ولاحق صاحب هذه السطور ناقده الكبير حتى فتح له خزائنه وأذن له أخيرا في نشر أعماله النقدية الأولى والأصيلة في طبعات جديدة محررة ومنقحة..
(4)
لماذا "الرواية الحديثة"؟ ولماذا الآن؟
هذا الكتاب في أصله الأول قدم كأطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث تحت إشراف عبد المحسن بدر وناقشه فيها عبد المنعم تليمة وجابر عصفور.
كان طموح هذه الأطروحة تقديم دراسة وافية وشاملة لأبرز كتاب جيل الستينيات في الأدب العربي المعاصر؛ وهو الجيل الأشهر والأكثر صخبا فيما بعد نجيب محفوظ ليس في مصر وحدها إنما في العالم العربي كله. منذ بدأوا نشر أعمالهم في ستينيات القرن الماضي وحتى رحيل آخر أو أبرز اسم ظاهر في هذا الجيل العام الماضي (صنع الله إبراهيم)، وهم أصحاب مبادرات مدهشة في تأسيس طرائق تشكيلية جديدة والبحث عن مسارات جمالية في التأسيس لرواية عربية مغايرة.
بعبارةٍ أخرى، كانوا هم أصحاب مغامرة الشكل الروائي الأكثر جسارة ودهشة في أدبنا العربي في نصف القرن الأخير. كان الهدف من هذه الأطروحة -كما يقول بدوي في تقديمه لها- يتحدد في محاولة دراسة علاقة الشكل الروائي بالبنية التي أُنتج في سياقها، متخذة من «أدباء الستينيات» نموذجًا عينيًّا، وقد قدم بدوي في أطروحته هذه تحليلات مدهشة لمجموعة من أبرز روايات جيل الستينيات؛ منها على سبيل المثال:
«الزيني بركات» لجمال الغيطاني، و«أيام الإنسان السبعة» لعبد الحكيم قاسم و«الطوق والإسورة» ليحيى الطاهر عبد الله، و«خالتي صفية والدير» لبهاء طاهر، كما قدم قراءة معمقة لروايتين من أهم وأبرز روايات إدوار الخراط وهما «رامة والتنين»، و«يقين العطش».. فضلا على نصوص لصنع الله إبراهيم («نجمة أغسطس» و«بيروت بيروت») وإشارات متفرقة بآخرين هنا أو هناك..
(وللحديث بقية)..
