فيلم «المأوى»: مغامرة استثنائية لضابط سابق من العزلة إلى التحدي الكامل
08 مارس 2026
08 مارس 2026
طاهر علوان -
تبدو أفلام الحركة الممزوجة بالتحري والأجواء البوليسية والمخابراتية أقرب إلى الجمهور العريض، لاسيما وأنه يبحث فيها عن التشويق والإيقاع السريع الذي يمنح فرصة مشاهدة متصلة ومتعة في تتبع شخصية البطل التقليدي وهو يخوض صراعاته إلى النهاية.
وخلال ذلك لا بد من التأكيد على أن هذا النوع الفيلمي، وبسبب كثرة ما أُنتج من الأفلام ضمن محوره، تقترب قليلاً أو كثيراً من غيرها، مما يثير احتمالات التشابه، لكن التركيز على شخصية النجم في الفيلم السينمائي سوف يمنح الفيلم أهمية مختلفة بما يجعله جديراً بالمشاهدة والتأمل. من هنا يمكننا التوقف عند هذا الفيلم الذي يعرض في الصالات الآن للمخرج ريك رومان ووه، الذي سبق وناقشنا في هذه الصفحة فيلمه السابق غرينلاند، وهو مخرج مميز دون شك، وها هو يقدم لنا الممثل الكبير جاستون ستاثام في واحد من أدواره الجديدة، والذي سبق وناقشنا في هذه الصفحة أيضاً الفيلم الذي أدى فيه دور البطولة وهو فيلم النحّال، بينما هو هنا يكمل ذلك الدور المتمثل في رجل الخدمة السرية المتواري عن الأنظار، والذي ينعم بتقاعد هادئ بعيداً عن الآخرين، وهو في كلا الفيلمين، هذا الفيلم الذي نحن بصدد الآن وفيلم النحال، يجسد شخصية رجل الأمن المتواري عن الأنظار الذي سرعان ما يكشف لنا قدراته المخبأة وغير المنظورة.
ها هو ميسون يعيش في عزلة تامة مستوطناً منزلاً مهجوراً عن الساحل الإسكتلندي، وهو لا يرى غير البحر المتلاطم، وبينما يأتيه بين حين وآخر رجل وابنته قادمان في زورقهما لجلب المؤونة لصالحه، لكن الفتاة جيسي ــ تقوم بالدور الممثلة بودي بريتثناتش ــ يدفعها الفضول لتسأل ذلك الرجل الصامت والغامض عن عدم تفاعله وعدم شكره لها ولعمها اللذين يجلبان له المؤن والطعام بانتظام، لكنه لن يرد ويغلق بابه في وجه جيسي، التي بعد ذلك بقليل تفقد الطريق للالتحاق بعمها الذي تضرب زورقه أمواج عاتية، وهي أيضاً حتى تكاد أن تموت غرقاً لولا تدخل ميسون وإنقاذه لها. لا شك أن هذا المدخل يثير في أذهاننا أسئلة عن فحوى هذا الفيلم وبنائه الدرامي، وبالتالي سوف نتوصل إلى استنتاج أن الأحداث سوف تبقى محصورة عند هذا المسار السردي، لن تتعداه بسبب الطبيعة المغلقة التي تحف بالشخصية الرئيسية «ميسون» أو في الأقل يلوذ هو بعزلته رافضاً مخالطة أي أحد، لكن مع إنقاذ الفتاة جيسي سوف تبدأ التحولات والانتقال الحاد من بيئة معزولة وكأنها مقطوعة عن العالم الخارجي إلى فضاء العالم الرقمي والذكاء الاصطناعي وتقنية التعرف على الوجوه، فبمجرد ذهاب ميسون إلى المدينة قادماً من مخبئه حتى تلتقطه الكاميرات المنتشرة في الشوارع وتبدأ رحلة البحث عنه واقتفاء أثره لغرض قتله، فهو مطلوب بشدة. إنه العنصر الأمني ــ المخابراتي المتمرس وشديد الذكاء الذي صار في عرف أجهزة الدولة منشقا ومارقاً، بينما هو في الحقيقة كان قد تورط بطاعة مسؤول سابق تسلط عليه وصار يورطه بالعديد من القضايا الخطيرة من قبيل الاغتيالات وغيرها، ومن هنا سوف ننتقل إلى مرحلة الاقتفاء والتقصي عن ميسون فيما هو يتنقل بالفتاة التي هي بلا حول ولا قوة ولا عائلة ولا أحد، ولهذا يسعى إلى تهريبها، وهو ما ينجح في عمله في الأخير بالتنسيق مع مهربين قدامى كان قد تفاعل معهم. واقعياً إن علاقته بالفتاة هي علاقة إشكالية، فهو في عبوسه ووجومه وعدم مخالطته الآخرين تحسب أنه مجرد شخص متحجر القلب، إلا أنه في المقابل يظهر العكس، فهو يعبّر عن شعور تفاعلي ومساحة من العاطفة للفتاة التي تمتزج علاقته بها بالحنان الأبوي، لأنه يعلم عن يتمها وبكونها قد أيقظت في داخله أحاسيس كانت قد توارت في ظل عمله الذي لا يعرف للعاطفة والمشاعر مكاناً. اهتم العديد من النقاد السينمائيين بهذا الفيلم، ومن بينهم ما كتبه الناقد جيسون بيروديسكي في موقع براغ ريبورتر إذ يقول: «يتميز هذا الفيلم بمشاهد الحركة المُصممة والمُنفذة ببراعة على غرار أفلام «جون ويك»، لكنها في النهاية تبدو مشاهد عابرة من المتعة تغرق في بحر من الشرح غير الضروري. ومع ذلك، فإن مشاهد الحركة التي جسدها ساثام كانت قوية بلا شك. ويعود جزء كبير من ذلك إلى أساسيات سرد القصة؛ إذ يدور جزء كبير من الفيلم حول محاولات ماسون حماية الفتاة الصغيرة، لكن دوافعها الحقيقية في مواجهة الخطر لا تُستكشف بشكل كافٍ». في المقابل يؤكد الناقد مات باتيس في موقع بوليغون على شخصية الممثل جاستون ستاثام ويحللها من جوانب متعددة إذ يقول:
«ستاثام يقدّم أفلاماً حقيقية ــ ببراعة وزوايا تصوير مميزة وروح نابضة ــ تجعلها خياراً مثالياً للمشاهدة. ستاثام، الذي شارك أيضاً في إنتاج هذا الفيلم، لا يُعيد ابتكار الوصفة التي أتقنها في أفلام ناجحة مثل «غضب الإنسان» و«حارس النحل» و«رجل عامل»، بل يجدد نفسه في هذا الفيلم. فلماذا هو يفعل ذلك؟ بينما يتنافس نجوم الصف الأول مثل ليوناردو دي كابريو، ومايكل بي جوردان، وتيموثي شالاميه على جوائز الأوسكار، ويُستقطب نجوم لامعون مثل روبرت داوني جونيور وسكارليت جوهانسون إلى مشاريع ضخمة مقابل أجور خيالية، يُواصل ستاثام عمله بجد واجتهاد ضمن نطاق محدد، ومنها أفلامه متوسطة الميزانية». وبعد هذا، فإذا كنا قد أشرنا إلى القسم الأول من الفيلم الذي كرس للتعريف بالعالم المغلق والمنقطع عن العالم الخارجي الذي كان يعيشه ميسون، فإنه في القسم الثاني يخصص حيزاً كبيراً من الفيلم للغوص في العالم الرقمي، ومن ذلك ما يعرف نظام «ثيا»، الذي تستخدمه أجهزة المخابرات البريطانية لتحديد هوية ماسون، حيث يُستجوب مدير جهاز المخابرات البريطاني مانافورت ــ يقوم بالدور بيل ناي ــ بشأن مخاوف تتعلق بالخصوصية، ويُعفى من منصبه من قبل رئيسة الوزراء ــ تقوم بالدور الممثلة هارييت والتر. اعتمد الفيلم على نقاط قوة ستاثام المعهودة، مع تقديم زاوية جديدة لقصة الرجل الوحيد في مواجهة النظام، بحيث تم تجسيد الأحداث بمزيج من الندية والبطولة الفردية الاستثنائية لصراعاته مع سلطة لا ترحم. تميز الفيلم بتقديم عدة مشاهد ذات حيوية ملموسة تتناسب دون شك مع ما ينشده معجبو هذا النجم، مع أن الإسهاب في بعض الحوارات وبطء الإيقاع في بعض المشاهد قد أضعفا في بعض الأحيان من زخم الفيلم. لكن النتيجة والمحصلة النهائية أنه فيلم إثارة متميز، مثير بين الحين والآخر، يرضي عشاق هذا النوع من الأفلام.
إخراج / ريك رومان ووه
سيناريو / وارد باري
تمثيل / جاستون ستاثام في دور ميسون، بودي بريثناتش في دور جيسي، بيل ناغي في دور مانافورت
مدير التصوير / مارتن الغرين
موسيقى / ديفيد بوكلي
