No Image
ثقافة

في رثاء واشنطن بوست

08 فبراير 2026
08 فبراير 2026

كارلوس لوزادا - ترجمة: أحمد شافعي

ترفرف وسط كلمات الأغاني، ونتائج المباريات، ومقتطفات حوارات الأفلام، وكل ما يحوم في عقلي، نصوص أساسية قليلة ألزمت نفسي بحفظها. منها خطبة جيتيسبرج [التي ألقاها أبراهام لينكولن]، ومنها المزمور الثالث والعشرون، ومنها ديباجة الدستور والجمل القليلة الأولى من إعلان الاستقلال (وصولا إلى "توافق المحكومين" حيث تغيم الأمور في ذاكرتي).

وثمة بيان آخر يدمدم في رأسي، وقد تعلمته منذ قرابة إحدى وعشرين سنة، حينما بدأت العمل في واشنطن بوست. وهو أقل شهرة في العالم، ومع ذلك لا يقل قيمة في رؤيتي للعالم.

يأتي ذلك البيان تحت عنوان "مبادئ سبعة للأداء في صحيفة".

كانت هذه المبادئ، التي لا تكاد تتجاوز إجمالا مئة وخمسين كلمة، من صوغ يوجين ماير، وكان رئيسا لبنك الاحتياطي الفيدرالي واشترى صحيفة واشنطن بوست في مزاد سنة 1933 لتديرها أسرته على مدى أربعة أجيال. وفي الخامس من مارس سنة 1935، أصدر مالك الصحيفة الجديد مبادئه السبعة، متناولا مهمة الصحيفة، وأسلوبها، وقيادتها، واستقلالها، أي إجمالا، روحها.

والآن تمر واشنطن بوست بأزمة: فغرفة الأخبار فيها تستنزف، وطموحاتها الصحفية تتقلص، وكل هذا بعد أن اضطر صحفيوها الأعزاء الذين لا يكلون ولا يملون إلى مهانة استجداء وظائفهم علنا، فلا يلقون إلا الإعراض من المالك ذي الثراء الفاحش. وإنني إذ آسى على واشنطن بوست، فإن بعض أسباب أساي تنطلق من دافع شخصي. إذ عملت في غرفة الأخبار بها لسنين كثيرة، وأقمت صداقات عميقة هناك، وبوصفي من أهل واشنطن القدامى فإنني أظل من قراء واشنطن بوست المخلصين.

لكننى آسى أيضا على مُثُل ومعتقدات وأولويات قامت عليها هذه المؤسسة وتتجسد في مبادئ ماير. فهي تشكل أخلاقيات واشنطن بوست الجوهرية وتشكل بالنسبة لي أخلاقيات العمل الصحفي. وهي الآن معرضة للخطر.

***

حينما بدأت العمل في واشنطن بوست في صيف عام 2005، كانت مبادئ ماير معروضة في بهو الطابق الأول في مبنى واشنطن بوست القديم في الشارع الخامس عشر بوسط واشنطن. وكنت أراها كل يوم، فسرعان ما حفظتها عن ظهر قلب. تلك كانت وظيفتي الأولى في الصحافة، ولم أكن واثقا من أنني قادر على الثبات فيها، في وجود صحفيين من الأساطين في كل قسم، وفي ظل أن (بن برادلي الرهيب) كان لا يزال يدير الأمور من مجلسه في الكافيتريا. فما كان مني في أسبوعي الأول هناك إلا أن ركزت اهتمامي على المبادئ السبعة، وكأنني باستيعابها أضمن لنفسي الانتماء.

بعد أن باع دونالد جراهام رئيس مجلس إدارة واشنطن بوست الحبيب (وحفيد ماير) الصحيفة لجيف بيزوس في عام 2013، انتقلت غرفة الأخبار إلى موقع أنيق في شارع كيه، وتبعتها مبادئ ماير إلى هناك، تذكرة بثقافة واشنطن بوست وتراثها. وقال بيزوس في رسالة طمأنة بعثها إلى العاملين في يوم إعلان الصفقة إن "قيم واشنطن بوست لا ينبغي أن تتبدل" لكن الكثير عداها تبدل. ضخ بيزوس استثمارات ضرورية للغاية في الصحيفة، وعمل على تحديث موقعها، وأظهر احتراما لاستقلالية غرفة الأخبار بل وشجّع الصحفيين على تغطية أمازون، وتغطية بيزوس نفسه، كيفما يشاءون. وبدا أيضا أنه يعتز كثيرا بشراء الصحيفة. في خطبة سنة 2016 للعاملين، وصف واشنطن بوست بالباسلة وأثنى على اعتدادها بنفسها وجرأتها.

وقال بيزوس إن "المؤسسات المهمة من قبيل واشنطن بوست لها جوهر، وقلب، وصلب" وإن من "الجنون" تغييرها، فـ"ذلك جزء من ماهية هذا المكان، وجزء من سر خصوصيته".

خلال السنين السبع عشرة في الصحيفة، وفيما انتقلت من محرر أخبار إلى رئيس قسم إلى ناقد كتب، بقيت مبادئ ماير دليلا ثابتا. أتذكر شكلها في المبنى الجديد، أنيقة ولكن صعبة القراءة. (إذ كتب النص الجديد بحروف نحاسية سميكة، وكان عليّ أن أجهد نظري لتبينه). ولما كنت لا أفتقر إلى الجدية، فقد كنت أحج كل أسبوع أو نحو ذلك إلى موقعها، لا لشيء عدا الاطمئنان إلى أن مبادئ واشنطن بوست محفورة في ذاكرتي وفي ذهني.

ولما انتقلت إلى نيويورك تايمز في عام 2022، كانت واشنطن بوست تمر ببعض الاضطراب، ثقافيا وماليا، لكنني كنت على ثقة من أن جوهرها باق على حاله.

والآن اهتزت هذه الثقة، إن لم تكن تحطمت. فقد قلص بيزوس وناشره ويل لويس أكثر من ثلث غرفة الأخبار، وقاما ببقر أحشاء أقسام الرياضة والشئون الدولية والمحليات والفنون والآداب. بل تم تسريح محرر شئون أمازون. ولا تزال مبادئ يوجين ماير معلقة في غرفة الأخبار حسبما يقال لي ولكنها الآن كلمات توبيخ لا تذكرة.

فعسى أن يمر بها قادة واشنطن بوست الحاليون يوما ويجهدوا أنظارهم ويلقوا نظرة أخرى.

***

أعترف أن الصحافة مهنة تضفي على نفسها رومانسية واحتفاء. فيحلو لي ولزملائي أن نسهب في أهميتنا من أجل بقاء الجمهورية، وفي "صنعتنا" (أي الإعلام والكتابة والتحرير) وبصفة خاصة في ماضينا. ثمة دائما عصر ذهبي ما للصحافة نرجع النظر إليه في شوق، ونرجو أن نستعيده، ونحسب أن الأفضل بيننا لا يزالون يمثلونه.

وإنني أعلم أن الحنين إلى مبادئ ماير قد يبدو أشبه بالأسى على الأيام الخوالي. لكن ما يثير إعجابي بقائمة ماير هو مدى مباشرتها، وخلوها من البهرجة والتباهي، وقوة صلتها ـ برغم العقود التسعة التي مرت عليها ـ بأهداف الصحافة الحديثة.

المبدأ الأول: المهمة الأولى لصحيفة هي قول الحقيقة بأقرب ما تكون إليه الحقيقة المحققة.

المبدأ الثاني: سوف تقول الصحيفة جميع ما بلغها من الحقيقة في ما يتلعق بالمهم من شئون أمريكا والعالم

ما من تخفيف هنا للحقيقة. ثمة حقيقة واقعة ولا بد أن نقولها، فهذه هي مهمة الصحفي. ولكن هذه الحماسة تأتي مشفوعة بتواضع أصيل توجزه الكلمات الست الأخيرة في المبدأ الأول من مبادئ ماير. فالحقيقة مراوغة. قد ندور حولها ونزداد قربا منها في كل دورة، لكننا قد لا نقتنصها كاملة. والنتائج التي تصل إليها الصحافة ناقصة بالضرورة، وهذه قاعدة لا بد أن تنطلق منها جهودنا وتحد من يقيننا. فثمة دائما المزيد ليضاف إلى القصة.

فكلمة "الجميع" البارزة في المبدأ الثاني تمزج بين الطموح والإنصاف: وهي لا تعني ببساطة أن علينا أن ننقل كل ما لدينا من مواضيع، إنما تعني أن نغطي كل خبر من جميع الزوايا المهمة. ومن بعد ذلك مزيد من التواضع (في عبارة "ما بلغها من الحقيقة") ثم تأتي دعوة إلى الحكم على ما له شأن (أي: المهم من الشئون)، لتنتهي إلى الطموح مرة أخرى بألا نكتفي بتغطية بلدنا وإنما الكوكب كله. وكثير من هذا المبدأ يتقلص بتقليص تغطية واشنطن بوست لـ"أمريكا والعالم".

المبدأ الثالث: بوصفها مذيعة للأخبار، سوف تراقب الصحيفة الآداب الملزمة لكل رجل نبيل على المستوى الشخصي.

المبدأ الرابع: ما تنشره الصحيفة يكون ملائما لأن يقرأه الصغير وكذلك الكبير.

بالنسبة لي، لا يعني المبدأ الثالث محض تجنب اللغة البذيئة والمواضيع الفاحشة، ولكنني أتوقف عند عبارة "على المستوى الشخصي". فهل أعبر في كتابتي عن نفسي بمثل ما أتوقع من لياقة وذوق في حوار شخصي يجري وجها لوجه؟ أم أنني أسمح لسلطة القلم ـ أو الميكروفون أو الكاميرا ـ وما يوفره من بعد أن يقللا من معاييري؟ وحينما أقرأ المبدأ الرابع، أفكر في أبنائي. وحينما التحقت بواشنطن بوست لم يكن لدي أبناء، والآن عندي ثلاثة. فهل أجعلهم فخورين بما أكتب وبطريقة عملي؟ وهل للصحافة كما أمارسها علاقة بما يواجهونه من تحديات، وما يعيشونه من حياة؟ فهذه العلاقة قادرة أن تجعل الكتابة "ملائمة للقراءة" أيضا.

المبدأ الخامس: واجب الصحيفة إنما هو تجاه قرائها والجمهور بعامة، لا تجاه مصالح مالكيها الخاصة.

المبدأ السادس: في سعيها إلى الحقيقة، سوف تكون الصحيفة على استعداد للتضحية بثرواتها المادية إذا ما لزم هذا المسار للمصلحة العامة.

لقد كنت حاضرا في مبنى واشنطن بوست في الخامس من أغسطس سنة 2013 عندما قال لنا دون جراهام وابنة أخيه وناشرته كاثرين ويموث إنهما يبيعان الصحيفة لبيزوس. بكى بعض العاملين، وصدم الكثير منا. لكنني وجدت عزاء في رسالة بيزوس إلى الفريق في ذلك اليوم. قال إن "واجب الصحيفة سوف يبقى تجاه قرائها لا تجاه مصالح مالكيها".

وبرغم أنه لم يشر صراحة إلى مبادئ ماير، فقد كان قوله هذا إشارة شبه حرفية للمبدأ الخامس. بدا أن بيزوس قد ذاكر دروسه جيدا وفهم جوهر واشنطن بوست. قال المالك الجديد إن لديه "الشجاعة لأن يقول تابعوا الخبر مهما تكلف ذلك"، فبدا هذا تأكيدا للمبدأ السادس وهو السعي إلى الحقيقة ولو كن الثمن باهظا من الثروة المادية.

لن أزعم أن لدي حلا بسيطا ـ أو أي حل في الحقيقة ـ للتحديات الاقتصادية التي تواجه وسائل الإعلام الإخبارية الأمريكية، ولا أقول إنني أعتقد بأنه نظرا لثراء بيزوس فإنه لزام عليه أن يدعم اشنطن بوست دعما مستمرا. غير أنه برغم انشغال الإدارة بخسائر واشنطن بوست المتزايدة، يصعب عليّ أن أتخيل أن المشكلات الاقتصادية هي السبب الوحيد لتقليص أكثر من ثلث العاملين في غرفة أخبارها إضافة إلى تقليصات سابقة في السنين الأخيرة. لقد ذهبت لمشاهدة فيلم "ميلانيا" الوثائقي الأسبوع الماضي، ويقال إن أمازون أنفقت عليه خمسة وسبعين مليون دولار إجمالا، ويحظى بميزانية ترويج ثقيلة. وبناء على تلك الرؤية لا يمكنني أن أخلص إلا إلى أن تحقيق الربح من منتج ذي جودة رفيعة ليس دائما الدافع الرئيسي لبيزوس.

في تلك الرسالة الموجهة إلى العاملين في واشنطن بوست سنة 2013، أشار بيزوس إلى "الحكومة، والقادة المحليين، وافتتاحات المطاعم، وفرق الكشافة، والأعمال، والجمعيات الخيرية، وحكام الولايات، والرياضة" باعتبارها مجالات تغطية مهمة للصحيفة، وكثير من هذه المجالات تغلق الآن أو تتحطم أو تتقلص بشكل كبير.

يتغير الزمن بالطبع مثلما تتغير أذواق مستهلكي الأخبار. لكن، بتعبير المبدأ السادس، إما أن الصحيفة لم تعد مستعدة للتضحية بثرواتها المادية، أو أن تفسير المالك للمصلحة العامة تغير تغيرا حادا.

لا تزال لديَّ الصفحة الأولى من واشنطن بوست في السادس من أغسطس 2013 بالخبر المنشور على ستة أعمدة: "آل جراهام يبيعون واشنطن بوست"، وكان عنوان المقالة المنشورة عن بيزوس هو: "الرئيس التنفيذي معروف بالصبر".

لكن يبدو أن صبر بيزوس قد نفد.

المبدأ السابع: لن تكون الصحيفة حليفة لأي مصلحة خاصة، لكنها ستكون عادلة وحرة ونافعة في نظرتها إلى الشئون العامة والشخصيات العامة.

وقبيل أيام من انتخابات 2024 الرئاسية رأى بيزوس أن يلغي إعلان تأييد مخططا لكمالا هاريس المرشحة الحزب الديمقراطي. وكان القرار بحسب ويل لويس ـ ناشر الصحيفة ـ "بيان تأييد لقدرة قرائنا على اتخاذ قرارهم بأنفسهم".

نعم، أفترض أن بوسع المرء تفسير هذه الخطوة باعتبارها تأكيدا لمبدأ ماير الأخير، فهو محاولة لأن تكون الصحيفة مستقلة. لكن هذا الاستنتاج يصبح أقل إقناعا في ضوء تأييد بيزوس للرئيس ترامب الذي تضمن التبرع بمليون دولار من أجل صندوق تنصيبه، ووجود أمازون ضمن المتبرعين لمشروع قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض، وحضور بيزوس شخصيا حفل تنصيب ترامب في قاعة الكابيتول المستديرة في العشرين من يناير سنة 2025. فسواء نجم الأمر عن قناعة أم عن مصلحة، كان دعم بيزوس لتلك الشخصية العامة قد بات واضحا تماما.

***

كتبت آشلي باركر، الزميلة السابقة في واشنطن بوست، مقالة هذا الأسبوع في مجلة ذي أطلنطيك عن "اغتيال واشنطن بوست"، وها أنا هنا أحاول أن أكتب مرثية للراحلة. وأخشى أن غياب تغطية واشنطن بوست القوية التي كثيرا ما ألجأ إليها ـ في الكتب والرياضة المحلية والرسائل الخارجية وصفحة الرأي المتنوعة القوية ـ قد لا يسهل علي التعرف في الصحيفة لآن على واشنطن بوست. وإنه لشعور غريب أن تفتقد مكانا إذ ينتهي وجوده على الصورة التي عرفته بها على الأقل.

أرجو أن تصمد واشنطن بوست، بل وأن تزدهر، اقتصاديا، لكنني أخشى من أنها قد تفعل ذلك على حساب جوهرها، وقلبها، وصلبها. وسيكون ذلك، مثلما قال بيزوس نفسه منذ عقد، ضربا من الجنون. لكنه قد يكون مغويا أيضا. ولو أننا تعلمنا شيئا من الصراع السياسي المتفاقم في أمريكا، فهو أن مبادئ المؤسسات ـ والأعراف التي كثيرا ما نتباكى عليها ـ تكون أهم ما تكون عندما تواجه التحدي. إذ يسهل الثبات على القيم حينما يصفو الزمن. ولكن الضوابط تكون بالغة الأهمية عندما تعرض لها العوارض الجسام.

في سيرتها الصادرة سنة 1997 بعنوان "تاريخ شخصي" كتبت كاثرين جراهام ناشرة الصحيفة إبان (أوراق البنتاجون) و(فضيحة ووترجيت) أن مبادئ أبيها السبعة "كانت في قلب وروح قناعاته، ولكن ترجمتها إلى أفعال كانت هي التحدي الحقيقي". وهذا شأن المبادئ. كيف ننزلها من الجدار ونضعها في نموذج العمل، وفي الورق، وبين أيدي القراء، ونفعل ذلك في كل يوم؟

إنني أدرك أن تعاطف شخص ترك الصحيفة فعليا قد يكون مرفوضا باعتباره عطفا سهلا، ولذلك أنهي بنصيحة عملية بدلا من التعاطف، وهي نصيحة أسديت لي حينما التحقت بواشنطن بوست سنة 2005. نصيحة تفضل بها عليّ ستيف بيرلستين صاحب العمود الاقتصادي الشهير الجريء الذي كنت أحرره في بداياتي هناك.

قال بيرلستين إنني لو طال عملي في الصحيفة، سيمر علي شتى صنوف الرؤساء والمحررين في مختلف الأوقات، ومن المؤكد أن هؤلاء الناس سوف يشرفون على عملي ويكملون مراجعات أدائي ويقرون جداول إجازاتي، لكنني في واقع الأمر لن أعمل لحساب أي منهم وإنما سأعمل مثلما قال لي لحساب واشنطن بوست. فالمسئوليات والالتزامات إنما هي تجاه الصحيفة، والمبادئ التي تلتزم بها المؤسسة.

وفي واشنطن بوست، هذه المبادئ دائما معلقة على الجدار واضحة للعيان.

كاتب المقال من كتاب الرأي في نيويورك تايمز ومقيم في واشنطن