دائرة الإبداع اللغة والإبداع لـ شكري عياد
دائرة الإبداع اللغة والإبداع لـ شكري عياد
ثقافة

في التأسيس المعرفي للنقد

20 أغسطس 2022
مرفأ قراءة...
20 أغسطس 2022

- 1 -

كنت وما زلت أنظر إلى "النقد" كعتبة معرفية كبرى، وبوابة عبور شرعية مؤهِّلة للاطلاع على علوم ومعارف إنسانية أخرى لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا! لم أنظر إلى النقد في يوم من الأيام على أنه علم منفصل مستقل بمناهجه وأدواته وإجراءاته، بمعزل عن غيره من العلوم الإنسانية والطبيعية!

ولعل دراسة النقد والإقبال على قراءة مراجعه النظرية (وليس تعيُّناته التطبيقية فقط) قد فتح الباب على مصراعيه أمامي كي أتعمق في قراءة ودراسة علوم إنسانية أخرى؛ مثل علم اللغة، وعلم النفس، وعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والثقافة، والتاريخ وفلسفته، والفلسفة (تاريخها ومذاهبها وقضاياها الكبرى... إلخ). وقد ارتأى لي في تلك الفترة أن دراسة النقد (واللغة بالأخص) هي جماع ونقطة التقاء كل العلوم والمعارف الممكنة والمتاحة.

لم ينفصل النقد أبدًا عن تطورات ومجريات العلوم الأخرى، إنه الوعاء الفكري المرن الذي يستوعب الإفادة التامة بل الضرورية من كل العلوم والمعارف الأخرى.. ولا أحسب أن ما يشيع الآن في العالم كله من إقبال على النقد الثقافي والدراسات الثقافية إلا ترجمة وتجسيدا لهذا المعنى الكلي والشامل للنقد كما عرفته وكما أحبه!

- 2 -

ولا بد لي من الاعتراف بأن ثمة نقادا بأعينهم -في المائة سنة الأخيرة- قد شكلوا إلى حد بعيد وكبير ما أسميه بـ"التأسيس المعرفي للنقد الأدبي".. بدءا من طه حسين في محاولته الجسور «في الشعر الجاهلي»، ووصولا إلى جابر عصفور في مشروعه النقدي الباذخ مترامي الأطراف؛ نظريا وتطبيقيا، وبينهما المرحوم الدكتور شكري عياد الذي يمثل الحلقة الوسطى في هذه السلسلة الذهبية بمشروعه النقدي المحكم؛ تأصيلا وتنظيرا، تأريخا وتصنيفا، وممارسة وتطبيقا.

ومن بين عديد النقاد الذين قرأت لهم، وتأثرت بهم، كنت أتوقف كثيرا -وما زلت- أمام شكري عياد الذي أراه يمثل حالة خاصة وفريدة في تاريخ نقدنا المعاصر، على مستوى تكوينه الإنساني الفريد والفكري الأصيل، وعلى مستوى تكوينه النقدي الممتزج امتزاجا يكاد يكون تاما بالفلسفة، ودائما ما كانت تلفتني في شخصه سمات ومواقف تختلف بالكلية عن غيره من النقاد.

في سيرته الذاتية الملهمة -التي لم تكتمل للأسف «العيش على الحافة»- يحكي شكري عياد هذا الموقف الدال على طبيعته وتكوينه الشخصي الذي يعتد أيما اعتداد بما بذل من مجهود وأنفق من وقت وطاقة فضلا على تقديره الدقيق لقيمة ما أنجز؛ يحكي أن الدكتور طه حسين سأله سؤالا مباشرًا: أيهما أجود.. عملك أم عمل بدوي؟ ويقصد ترجمة الدكتور عبدالرحمن بدوي لكتاب «فن الشعر» لأرسطو، وكان شكري عياد قد ترجمه أيضًا وقارن بين التراجم العربية الوسيطة له، ودرس أثره على البلاغة العربية.. المهم أن شكري عياد أجابه قائلا بعد تفكير: عملي. ثم يعلق قائلًا: "كنت أعرف منزلة عبدالرحمن بدوي لدى طه حسين، وأعرف قيمة بدوي وثقافته الموسوعية، ولكني أعرف أيضًا أنني أنفقت مع كتاب الشعر ثلاث سنوات كاملة، وأني حاولت فيه ما لم يحاوله بدوي.. وتعلمت درسًا:

لا تضعفْ أمام أحبابك.. إن كانوا يُحبونك حقًا فإنهم يريدونك قويًّا؛ حتى أمامهم".

(شكري عياد في سيرته الذاتية «العيش على الحافة»)

- 3 -

وقد تناولت، في دراسات ومقالات سابقة، جوانب متعددة من مشروع شكري عياد، خاصة محاولته الطموح لتأسيس علم أسلوب عربي التي أقامها على أساس من منجزات علم البلاغة العربي (في ضوء الألسنيات الحديثة) ومكتسبات علم الأسلوب بمعناه العلمي المنهجي المعاصر.

لكنه أيضا قدم محاولة رائدة وأصيلة في التأسيس المعرفي للنقد الأدبي؛ بثلاثيته المهمة التي أتصوّر أنها لم تحظ بالقراءة والعرض والتحليل بالقدر الذي تستحقه، وبالقدر الذي يتناسب مع أهمية المحاولة وأصالتها، وأقصد بهذه الثلاثية؛ كتبه المهمة «دائرة الإبداع - مقدمة في أصول النقد»، و«اللغة والإبداع» (1988)، وأخيرًا «المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين» (1993).

وهي المحاولة التي يقول عنها بوضوح "إنني أحاول الآن أن أضع خلاصة دراساتي وتجاربي في النقد، وحوله، في مشروع نظري واحد مترابط الأجزاء، يتناول طبيعة العمل الأدبي، وطبيعة العملية النقدية، وخصائص لغة الأدب، وعلاقة الأدب بالإبداع الحضاري"، ولعلي أضيف أيضًا ومحاولة لرصد تاريخ وتطور المذاهب الأدبية والنقدية بين الثقافتين العربية والغربية من منظور وظيفي مقارن، إن جاز التعبير.

وهذه الكتب الثلاثة مخصصة بكاملها لقضايا وموضوعات النقد النظري، وتاريخه ومذاهبه، ومفاهيم النقد وتصوراته، وهي تنطلق -فيما أتصور- من رؤية إنسانية فلسفية عميقة، تؤمن بحرية الإنسان، وتؤمن بالتغير والتطور والإضافة الكمية والنوعية، وتؤمن أيضًا بتضافر وتكامل الجهد الإنساني دون إهدار الخصوصيات الثقافية والحضارية، وفي الوقت ذاته لا تتنكر أبدا لأي جهد أو إسهام أصيل يضيف إلى ما أنجزته البشرية، وخاصة في مجالات الإبداع الفني والأدبي وفي المعرفة النقدية على وجه الخصوص.

- 4 -

وليست هذه الكتب الثلاثة فقط هي التي تركها شكري عياد في حقل الدراسات النظرية والتأصيلية، والتأسيس المعرفي للنقد، فلا يمكن إغفال بعض كتبه الأخرى التي تمثل حواشي مهمة على المتن الرئيس، أو استكمالات له، نحو كتابه المهم «على هامش النقد»، وكتابه الآخر «بين النقد والفلسفة»، وكلاهما عالج فيهما شكري عياد قضايا نظرية تتصل بنظرية النقد ومناهجه وتسجيل موقف نقدي من بعضها، لعل من أشهر هذه الدراسات مقاله الشهير "موقف من البنيوية" التي كانت فيما أظن المعول الأول في انحسار البنيوية في الممارسة النقدية العربية، بعدما صارت لفترة غير قليلة هي "الموضة" أو "الصرعة النقدية" المفضلة لنقاد الحداثة العربية وتابعيهم.

وليس معنى هذا أن شكري عياد قد أغفل الجانب التطبيقي أو المعالجات النصية المباشرة في مشروعه؛ فله العديد من الكتب التي جمعت قراءاته النصية وله كذلك عشرات المقالات والدراسات التي لم تجمع بعد بين دفتي كتاب، ويمكن لمن أراد التعرف على جانب من معالجاته النصية الرجوع إلى كتابه الشهير «تجارب في الأدب والنقد» وكتابه الأخير «القفز على الأشواك» (صدر عن دار الهلال المصرية، في أكتوبر 1999، بعد رحيله).

- 5 -

إن نقد شكري عياد -النظري منه والتطبيقي- يتسم بمسحة فلسفية لا تغيب عن نظر القارئ الفاحص المدقق، وهو من النقاد الذي يميلون كثيرا إلى التأمل والتفلسف وخلق نصوصه النقدية خلقا مغايرا عن السائد والمألوف والتقليدي!

وهو ينظر إلى النصوص التي يقرأها لا باعتبارها أشكالًا مغلقة أو منغلقة على ذاتها معلقة في الفراغ بل هو دائما ما يقاربها من مدخل القيمة الجمالية وتشكيلها النصي أو أسلوبيته (كما كان يفضل هذا الاستخدام) ووصلها بتراث القيم الجمالية الذي أنجزته البشرية!

يقول "عندما أنقد أحاول أن أصل إلى بذرة العمل الفني من خلال العمل الفني نفسه، أي أنني أضع النص أمامي وأجتهد أن أستخلص الفكرة المحورية التي انبنى عليها، ثم أعود أنظر إلى بناء العمل وأسلوبه لأرى إلى أي حد استطاعت هذه الفكرة المحورية أن تتجسد أمام القارئ، فكأنني أشارك الكاتب في واقع الأمر تجربته الفنية، وهذه العملية تجعلني أستمتع استمتاعا أكبر بالعمل الأدبي، وتمكنني في الوقت نفسه من الحكم على مدى نجاح الأدوات التي استخدمها الكاتب وتصور النواقص، التي كان يمكن أن تجعل لعمله قيمة أكبر، ويمكنك أن تسمي هذا النوع من النقد بالنقد الخالق؛ لأنه يعيد خلق العمل الأدبي، والواقع أنه يجعل الناقد قريبا جدا من الكاتب معايشا له ومترجما لتجربته، بلغة أقرب إلى الوضوح العلمي".

ولعلي أتفق مع المرحوم محمود أمين العالم في توصيفه الدقيق لإرث شكري عياد النقدي، وخاصة ثلاثيته تلك المشار إليها "إن ما تركه لنا من تراث نظري في مجال النقد الأدبي يعد إضافته الحقيقية الكبيرة المبدعة الجديرة بالدرس والتعمق"، وأضيف عليها أيضا قراءاته التطبيقية التي تعد لونا رفيعا من ألوان القراءة النقدية المنتجة للمعنى والمفسرة للعمل الأدبي.