No Image
ثقافة

أحمد برقاوي: أكبر مأساة أن يعيش الإنسان حياته «كما صاغه الآخرون»

16 مايو 2026
حوار - فيصل بن سعيد العلوي
16 مايو 2026

يفتح أسئلة من داخل تحولات الوعي العربي

«تصوير: خليفة الحراصي»

Image

 

من سؤال الأنا كإشكالية فلسفية إلى أسئلة الحداثة والتأويل والسلطة والاستبداد يفتح البروفيسور أحمد برقاوي مساحة واسعة للتفكير في البنى العميقة التي تحكم الوعي العربي. لا يتوقف الحوار عند الظواهر في صورتها المباشرة، وإنما يتجه إلى ما يتحرك خلفها من أنماط تفكير وشروط تاريخية وآليات إنتاج للمعنى. في هذا الحوار يتتبع «برقاوي» تحولات الذات وعلاقتها بالجماعة، ويقترب من فكرة الحرية من زاوية التحرر من انشطار الأنا، كما يقرأ السلطة خارج صورتها السياسية المباشرة، ويمضي نحو أسئلة التأويل والحداثة واللغة باعتبارها مساحات تتشكل فيها مصائر الأفكار والبشر معًا. 

اختيارك الانطلاق من «الأنا» يفتح مواجهة مع تراث كامل قام على تذويب الفرد داخل الجماعة، ما الأساس الفلسفي الذي يمنح هذا الانحياز شرعيته داخل سياق كهذا؟ 

يمرّ المشتغل بالفلسفة -والفيلسوف بشكل عام- بمراحل متعددة من الوعي؛ بحيث يغتني شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى مرحلة يقول فيها ما لم يُقل؛ لا حبًّا في أن يقول ما لم يُقل، بل كشفًا عمّا كان مستورًا أمام وعيه. فأول شرط للتفلسف هو أن تتحرر من الأفكار المسبقة ومن الوعي الأيديولوجي، ولا تستطيع أن تتفلسف إلا إذا تحررت من هذين القيدين الضروريين في الحياة. وقد وجدتُ نفسي أمام مشكلة معيشة في عالمنا الذي نعيش فيه، وأقصد عالمنا العربي. 

إن الإنسان لم يمت؛ لأنه في الأساس لم يعش كي يموت، ولم ينتهِ؛ لأنه لم يبدأ لكي ينتهي. وإذا كان الغرب قد تحدث عن موت الإنسان ونهاية الإنسان وما إلى ذلك فلأنه مرّ بولادة الإنسان الفرد، أي ولادة الـ«أنا». فمنذ أن أسس ديكارت الكوجيتو على مقولته: «أنا أفكر إذن أنا موجود» بدأ في الغرب وعي الأنا بذاتها، أما في عالمنا الذي نعيش فيه، وهذه الفكرة نشأت في وعيي قبل أكثر من ربع قرن، فإنك عندما تذكر الـ«أنا» تتعوذ بالله من الشيطان. فما الذي حمل الإنسان على أن يتعوذ بالله من الشيطان عندما يذكر الأنا؟ إن غياب الأنا إذن هو مشكلة فلسفية. 

هذه المشكلة الفلسفية تعني أن هناك كائنًا لا يعي ذاته إلا انطلاقًا من المجموع؛ أي إنه يختصر قطيعًا في ذاته. ولأنه يخاف الظهور كما يجب أن يظهر، ولأنه لا يريد أن يقوم بانزياح عن الجماعة؛ فإنه يعيش حالة تناقض بين الأنا الظاهر والأنا الخفي. فيُظهر عكس ما يُبطن كي لا يغضب الجماعة. إذن هو عمليًّا يعيش انشطار الأنا. لكن الأنا عندما تذهب إلى عالم الفعل تصبح ذاتًا، والسؤال هنا: كيف يمكن للذات أن تمارس الحياة بوصفها «أنا» غير قادرة على الانكشاف الحقيقي أمام الآخر؟ وهذا يعني أن الهوة التي تفصل بين الأنا الظاهر والأنا الخفي هي التي تخلق الأنا الزائف والأنا الحقيقي. ومن هنا صارت هذه المشكلة بالنسبة إليّ، والتي لم يتطرق إليها أحد، مشكلتي. ومن هنا جاء كتابي «الأنا»، وهو أول كتاب في اللغة العربية حول الأنا، وضعت فيه أسس فلسفة الأنا، أو الفلسفة حول الأنا. والكتاب طبعًا مليء بفصول متعددة. 

الذات في نصوصك تبدو في حالة تشكّل دائم أكثر من استقرارها عند صورة نهائية، كيف يتكوّن هذا الوعي بذاته تحت ضغط أنماط جاهزة تُفرض عليه منذ البداية؟ 

هذه استمرار للمشكلة. فأنا أؤمن بأن الوجود سابق على الماهية، كما قالت الفلسفة الوجودية. لكن عندما تصبح الماهية ثابتة تتغير العلاقة، ويصبح الوجود والماهية شيئًا واحدًا. ماذا يعني أن الوجود سابق على الماهية؟ يعني أننا أنا وأنت وأي إنسان آخر نعيش حياتنا في تغير مستمر. أنا ابن الماضي وابن الحاضر، وأنا أيضًا أحدد ما يجب أن أكون عليه في المستقبل. إذن أنا كائن متحول متغير؛ قد أنقص، وقد أتطور، وقد أتغير بأشكال متعددة. إذن أنا أصنع ماهيتي. أما عندما أكون مصنوعًا فأنا لا أملك إرادة صنع ماهيتي. ها أنت مثلًا تنطوي على وعي شيوعي أيديولوجي. هذا الوعي هو لحظة من وعيك لم تكن موجودة من قبل؛ إذن وجودك خلق وعيك الأيديولوجي الشيوعي. وفي لحظة ما، وبفعل تطورك العقلي واختلاف قراءاتك، قمت بنوع من القطيعة مع هذا الوعي. ها أنت كائن جديد. لقد غيّرت ماهيتك. 

لكن لديّ ماهيات غير قابلة للتغير -كالجنسية مثلًا- إلا إذا ذهبت إلى مكان آخر. وبالتالي فإن فكرة أن تكون الذات كما هي دون تغير. هي فكرة موجودة في وعي الآخر بك. لماذا؟ لأن الوعي العربي بالآخر تكوّن انطلاقًا من ماضي الآخر، لا من حاضره ولا من قدرته على تأسيس مستقبله. لذلك يُقال دائمًا عن فلان: ألم يكن كذا؟ وليس هذا فحسب، بل إن الكائن نفسه عندما يتسمر يصبح كائنًا «كُنتيًّا». و«الكُنتية» كلمة معجمية من «كان» و«كنت». فالكُنتي في المعجم هو ذلك الذي يقول: كنت. والكائن الذي يتحول إلى كُنتي يصبح شيئًا. والأشياء وحدها لا تتغير. لذلك نقول دائمًا: كنتُ، كانت أمتنا، كان، كان، كان. إذن نحن كائنات كُنتية بهذا المعنى. وهنا أدرك خطر تجمد الذات كما هي؛ لأنها تصبح شيئًا. والأشياء وحدها لا تتغير. هذه الطاولة لا تستطيع أن تتغير، أما أنا فأستطيع أن أتغير. إذن أنا كتلة من الوعي، والعواطف، والغرائز. أنا كائن في هذه اللحظة. أنا أحمد بما أنا عليه الآن، لكنني لا أستطيع أن أقول إنني غدًا سأكون أحمد بما أنا عليه اليوم. وبالتالي لا أستطيع أيضًا أن أتعامل مع الآخر كما لو كان منجزًا نهائيًّا؛ لأنني بذلك أسلبه حريته في أن يكون كما يشاء. 

لذلك، فإن كل نقد لآخر تغيّر في وعيه أو في سلوكه بمعزل عن تقويم وعيه وسلوكه هو نقد يعامله كشيء غير قابل للتغير. ولهذا نرى في الفلسفة أننا نحاول أن نعيد الاعتبار للذات، وأن نعيد الاعتبار للأنا، كي تكون فاعلة انطلاقًا من وعيها بحرية ذاتها أصلًا. 

Image

لذلك عرّفتُ الحرية بأنها غياب الانشطار بين الأنا الظاهر والأنا الخفي. فكل من يعيش الانشطار ويخاف من الظهور ليس كائنًا حرًّا. ولهذا فإن وعيي بالآخر، ووعي الآخر بي -إذا انطلقا من أنني كائن ثابت ذو ماهية لا تتغير- فإنهما عمليًّا يعاملانني كشيء، وفي كل أنظمة الطغيان تريد السلطة أن تجعل البشر أشياء، حتى وهي تعرف أنهم يكذبون عليها حين يقولون إنهم يحبون الطاغية وهم يكرهونه. وهذا يعني أن أناك الحقيقي غير أناك الظاهر، وأن ذاتك الحقيقية التي تريد أن تعبّر عن نفسها مكبوتة. وهذا الكائن في هذه الحالة هو كائن مكبوت، وأخطر شيء هو المكبوت الشعوري؛ فهو أخطر من المكبوت غير الشعوري. فأنت لست مسؤولًا عن مكبوتك غير الشعوري؛ لأنه مرتبط بالطفولة وبالمنطقة العميقة من الأنا، ويظهر في زلات اللسان، وفي الأحلام، وفي حبك لأشياء لا تدري لماذا تحبها. هذا يسمونه المكبوت غير الشعوري للأنا، أما المكبوت الشعوري فإذا استمر فترة طويلة، فإنه يسبب حالة لا سوية لدى الكائن البشري. فتخيّل إذا كانت الجماعات قد أصابها الخوف وراكمت مكبوتها الشعوري؛ فإن انفجارها سيكون عنيفًا، لكن الناس لم تعِ ولم تفهم. 

... لكن إذا كانت السلطة تتسلل إلى الوعي قبل أن تظهر في صورتها المباشرة، فأين تتقاطع مع المعرفة، وما الذي يمنح هذه العلاقة قدرتها على إعادة إنتاج نفسها حتى داخل خطاب معارض لها؟ 

ما معنى أن المعرفة سلطة؟ هذا مفهوم موجود عند ميشيل فوكو، لكن المعرفة كانت سلطة قبل أن يقول ميشيل فوكو إن المعرفة سلطة، وإن الخطاب سلطة، وإن القصيدة سلطة، وكل من يصنع لديك وعيًا هو سلطة. فأنا سلطة الآن مع أنني لا أريد أن أكون سلطة، لكن خطابي سلطة. ستجد من هو مع خطابي، وستجد من هو ضد خطابي. فإذا جعلت من الخطاب سلطة قاصدًا أن تجعله سلطة فأنت تحمل الناس على أن يكون وعيهم كما تريد أنت، وهذا نمط من الديكتاتورية. 

لكن القضية أعقد من هذا أيضًا. فخطيب الجمعة سلطة، وهذا النمط من الخطاب سلطة قوية جدًّا. لماذا؟ لأنه متكئ على أعلى سلطة في وعي الإنسان، وهي الله. فهو لا يقول: «أقول أنا»، بل عندما يقول يستند إلى مرجعية مقدسة، وعلى مستوى من الوعي الدائم تقريبًا يصبح هذا الخطاب قادرًا على أن يُشكّل الآخرين كما يشاء. وإذا قمتَ بانزياح بسيط عن سلطة الخطاب الذي يقدمه فستُطلق عليك أوصاف مرتبطة بالسلطة الأساسية التي انطلق منها خطاب خطيب الجمعة. أرأيت أين الخطر؟ فعندما ينشأ الوعي الجماعي انطلاقًا من سلطة الخطاب، ينشأ الجمهور المعتقد باعتقادات محددة. أنت عضو في حزب؛ ها أنت إذن أمام الخطاب بوصفه سلطة. سلطة من؟ سلطة الحزب. الجماعة في الحزب كلها مرتبطة بخطاب السلطة، والجمهور الذي يصفق للشاعر أيضًا يمنحه سلطة، لذلك تجد أن الشعر الخطابي يختلف عن الشعر الرومانسي أو الشعر الوجودي. فالأكف لا تصفق للحزن كما تصفق للحماسة، وخطاب التنوير نفسه خطاب سلطة؛ لأنه يريد للآخر أن يصبح متنورًا. إذن يمكن أن ننظر إلى الخطاب بوصفه سلطة من زاويتين: زاوية إيجابية وزاوية سلبية. 

فالخطاب الماضي «السلفوي» سلطة. لماذا هو خطير؟ لأنه يلغي تحولات الحياة وتغيراتها وتطوراتها. وقس على ذلك. لكنني لا أستطيع أن أمنع أي خطاب إلا إذا كان الخطاب يؤجج الصراعات العنفية مثلًا؛ لأنه عندئذ يصبح خطرًا على الآخر. ولماذا يخافون من الخطاب الفلسفي؟ لأنه خطاب يقوم على فكرة العقل الواقعي البرهاني، ونحن نحتفل بابن رشد وبعقله البرهاني. 

... في أي لحظة يتحول الاختلاف في التأويل الديني من تنوع في الفهم إلى صراع على الحقيقة والسلطة؟ 

التأويل ليس مفهومًا دينيًّا فقط؛ فأي نص قابل للتأويل. لكن التأويل الديني جاء على أنحاء متعددة، فإذا سألت ابن رشد مثلًا ما التأويل؟ سيقول لك: هو مهمة الراسخين في العلم، والراسخون في العلم هم الفلاسفة. وهنا يكون التأويل من أجل أن يتطابق النص مع الوعي البرهاني، وهذا أمر صحيح. وهناك مثلًا تأويل ابن تيمية الذي هو ليس تأويلًا بالمعنى المعروف؛ فهو يرفض بمعنى من المعاني غير النص الظاهري، لكنه أيضًا يؤول. 

إن التأويل عندما ينطلق من غاية أيديولوجية دينية يحوّل الدين إلى أيديولوجيا. وحين يتحول الدين إلى أيديولوجيا دينية تصبح هذه الأيديولوجيا بفعل المفاهيم والتصورات الموجودة في هذا التأويل قادرة على دفع الجماعات المقتنعة بها إلى فعل ما لا تستطيع أن تفعله بمعزل عن هذا التأويل. خذ مفهوم الجهاد مثلًا. هو مصطلح إسلامي، لكن المتصوف يقول لك: الجهاد هو جهاد النفس، أي الارتقاء بالنفس للوصول إلى الاتحاد والفناء. وهناك الجهاد بالمعنى العسكري للكلمة. وهناك الجهاد عند آخرين لإعلاء كلمة الله. وهناك الجهاد من أجل تأسيس فكرة الحاكمية لله، وهذه التأويلات كلها لا علاقة لها بفهم النص، بل غايتها دنيوية وليست معرفية، وذلك لكي يحقق أصحابها ما يريدون؛ لذلك ترى أن الجماعات العنفية الدينية هي عمليًّا جماعات لديها تأويل خاص للجهاد، مع أن القيم الدينية هي قيم تسامح ومحبة: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». أرأيت كم هذا الحديث جميل ورائع؟ لم يقل: لأخيه المسلم، بل قال: لأخيه؛ فكل الناس إخوة. ومن هنا خطورة التأويلات. وأحيانًا تنحرف التأويلات عن النص انحرافًا كاملًا لغاية في نفس يعقوب. ولهذا ترى التشعب في الإسلام. هل تستطيع أن تفصل هذا التعدد في الطوائف والمذاهب الإسلامية عن فكرة التأويل؟ لا تستطيع. ليست هناك مشكلة في أي تعدد مذهبي أو ديني. المشكلة تبدأ عندما تصبح كل طائفة عدوة للأخرى؛ انطلاقًا من اعتقادها أنها وحدها تمتلك الحقيقة الدينية. عندها لا أعود أمام طوائف تنتمي إلى جذر واحد، بل أمام أديان متصارعة، فما الحروب الطائفية؟ إنها حروب تأويلات، وما أساس هذه التأويلات؟ إنها صراعات على السلطة، ومن أجل تبرير الصراع على السلطة والثروة يجب أن أجد ما يؤول لكي يبرر صراعي. أما إذا أوّلت انطلاقًا من التسامح، ومن مكانة الإنسان، ومن خلق خطاب أخلاقي يؤدي إلى التسامح؛ فهذا تأويل حسن. 

Image

ما الذي يصنع داخل الإنسان استعدادًا لتقبل الاستبداد وإعادة إنتاجه في ظل تصورك الذي يتعامل مع الاستبداد كحالة داخل الوعي تتجاوز حدود السلطة السياسية؟ 

الاستبداد أنواع، وكل استبداد هو سلطة؛ فهناك استبداد السلطة. فما السلطة المستبدة؟ هي التي تملك دولة؛ أي تتحول إلى «دولة سلطة» بدل أن تكون «سلطة دولة». وما الفرق؟ كل دولة يجب أن تكون لديها سلطة تنفيذية وتشريعية وقضائية. هنا تكون السلطة هي سلطة الدولة. أما عندما تنشأ سلطة تنفيذية، أو طغمة تمتلك الدولة، فلا تعود هناك دولة، بل تصبح السلطة ذات مصالح، وتعمل وفق تلك المصالح. فهي تفسد؛ لأنها ليست سلطة دولة، وتقتل؛ لأنها ليست سلطة دولة، وتشرعن القوانين وتتجاوز القانون؛ لأنها ليست سلطة دولة، وتتنامى أجهزة الأمن إلى درجة تريد فيها أن تعرف حتى كيف يتنفس الإنسان فضلًا عن العنف الذي يصل إلى حد القتل. 

وإذا عدت إلى استبداد الخطاب فخذ فلسفيًّا وعي المرأة بذاتها: من أين جاء وعي المرأة بذاتها في عدد كبير من الدول العربية؟ جاء من وعي الرجل بها. ووعي الرجل بها مؤسس على مبدأين: أنها فتنة، وأنها عورة. وعندما تعي المرأة ذاتها بوصفها فتنة وعورة فالعورة هي العيب في الشيء؛ أي إنها عيب وفتنة، والفتنة أشد من القتل. وإذا كان وعي الرجل بها هكذا فقد استبد بها، وأصبح وعيها بذاتها منطلقًا من استبداد الرجل بها عبر وعيه هو. أليس هذا استبدادًا؟ لذلك فإن الوعي الجمعي أحيانًا يجعل من المستبد سلطة أكبر مما يطمع هو نفسه. تأمل بعض المصطلحات التي تُطلق على الديكتاتور: «قائد الثورة»، «القائد إلى الأبد»، «الزعيم الأوحد». هذه أوصاف أطلقها من هم حوله، ومن آمن بها؟ القطيع. وبالتالي فإن المستبد -إن شئت القول- لا يصبح مستبدًا قويًّا في استبداده إلا بوعي العبيد به، لكن المشكلة تكمن في أنه لكي يبقى مستبدًا يجب أن يكون لديه عبيد. إذن استبداده متوقف على العبيد ومدين لهم، ومن هنا فهو بمعنى ما عبد للعبيد. ولهذا فإن بطانة المستبد، وأدوات القتل. هم عبيد وسادة في الوقت نفسه. 

نتحول الآن إلى كتابتك التي تميل إلى خلخلة الأنساق أكثر من تثبيتها، لكن في الوقت نفسه ما الضامن ألا يتحول هذا التفكيك إلى فراغ نظري يكتفي بالنفي دون أفق؟ 

هذا سؤال مهم. أنا عندما أكشف ما أراه لا أنتمي إلى ميتافيزيقا تريد أن تكشف ما وراء البشر أو ما وراء هذا العالم المعيش. لكن عندما أكشف «ما وراء» فإن «الميتا» عندي لم تعد مرتبطة بالفيزيقا، بل بما وراء الإنسان، وما وراء السلوك، وما وراء خطاب القيم، وما وراء الشر. مثلًا: ما الشر؟ ليس في الطبيعة أي شر، حتى لو وقع زلزال. لماذا؟ لأن الطبيعة ليست لديها نية قتل الناس. إذن هي لا تقصد الشر. الشر هو نية ارتكاب الشر. كل سلوك مقصوده إيذاء الآخر هو شر. ومن أين ينشأ هذا الشر؟ هنا يبدأ سؤال الفلسفة، فالفلسفة ليست وصفًا للعالم، بل دخول إلى ما وراء هذا الظاهر. 

لديك مثلًا مجتمع فقير. قد تصف حالات الفقر وتقول: إن نسبة كبيرة ربما 50% غير قادرة على شراء الأساسيات، وإن الحاجات غير متوافرة. هذا وصف. لكن سؤال الفلسفة هو: لماذا كان هناك فقر ولم يكن هناك غنى؟ إذن يجب أن تنتقل دائمًا إلى الكشف عما وراء، وإلى الكشف عما وراء الأنساق. 

خذ البنية مثلًا. إنها مفهوم معرفي مهم جدًّا إلى أبعد الحدود. لا تستطيع أن تفهم العالم من دون مفهوم البنية. فالناس يصفون البنية، لكنهم لا يلتفتون إلى الآثار المترتبة عليها. فالطائفية ليست مجرد انتماء إلى طائفة. الطائفية غير الطائفة. الطائفية وعي في بنية طائفية. والبنية الطائفية تكشف عن تعصب طائفي، والتعصب الطائفي ينتج سلوكًا طائفيًّا ينفي الآخر بكل أشكال النفي. فعندما أكشف لا أمتلك أجوبة عن كل ما أطرح؛ فالأجوبة تحتاج أيضًا إلى جهد، وهي متغيرة. لذلك لدي نص طويل بعنوان «ثقافة الأجوبة». فعندما تتراكم الأجوبة وتصبح قادرة على أن تجيب عن كل الأسئلة نكون أمام مشكلة. أنا لا أمتلك أجوبة جاهزة. هناك من لديه أجوبة موجودة في جعبته لكل سؤال. لكن كل سؤال لا ينطوي على إمكانية جواب ليس سؤالًا، ومن هنا عندما تحطم الأنساق المعرفية فأنت تحطم الأسئلة التي لا تنطوي على إمكانية جواب واقعي وعقلي؛ لذلك فإن ثقافة الأجوبة الملقاة على قارعة الطريق ليست ثقافة. 

كيف تستطيع اللغة حمل الفكرة فلسفيًّا من غير أن تتحول إلى عبء عليها ما دامت الفكرة عندك تدخل في صراع دائم مع اللغة التي تعبّر عنها؟ 

اللغة هي التفكير، وبقدر ما تنطوي على كلمات ومفاهيم تستطيع أن تفكر. ومن لديه رصيد لغوي ومفهومي قليل يكون تفكيره أقل من ذاك الذي يمتلك مخزونًا لغويًّا ومفهوميًّا واسعًا. للكلمة وظيفة، والموهبة الجمالية في اللغة لا تتأتى لكل الناس. لكن الفكرة عندما ترقص في زي جمالي أخاذ تصبح أكثر تأثيرًا. وأنت لا تقصد ذلك دائمًا؛ إنها تخرج من تلقاء نفسها من موهبتك اللغوية. عندما أقول مثلًا: «إن الطغاة يمهدون الطريق أمام أقدام الغزاة» أستطيع أن أقول المعنى نفسه بجملة أخرى: «الطغاة هم الذين يستخدمون الغزاة»، لكن أثر الجملة الأولى أكبر. 

لذلك نجد فلاسفة مثل برغسون وماركس يمتلكون لغة خلابة، والفيلسوف الحقيقي ينطوي على روح الشاعر، كما أن الشاعر الحقيقي ينطوي على روح الفيلسوف، والفيلسوف الذي ليس شاعرًا يختار شاعرًا ليكون شاعره، ولهايدغر كتاب عن ماهية الشعر، وفيه روح شاعرية واضحة. لذلك عندما وصفتُ الديكتاتور، قلت إنه كان طويلًا، لكن الآخرين داسوه ولم ينتبهوا إليه. أخفى كل أحقاده وآلامه، وحين أيقن أنه قادر على أن يضع الأصفاد في الأرجل المنتصبة، وضعها وانتصب، ثم آوى إلى قصره فأرًا يخاف من المصيدة. اللغة تمنح الفكرة رونقًا وأثرًا. 

الحداثة في تجربتنا العربية ارتبطت طويلًا بصورة جاهزة عن الآخر، ما الذي جعلها تُفهم على هذا النحو؟ 

أكثر فكرة انطوت على خطاب زائف هي الحداثة، فوعي كثير من المثقفين العرب الذين يكتبون عن الحداثة ينظر إلى أوروبا بوصفها صورة الحداثة. ولأن صورة الحداثة هي أوروبا؛ فإنهم يظنون أن الحداثة يجب أن تتحقق في صورتها الأوروبية. وأنا أتمنى طبعًا أن تتحقق الحداثة في صورتها الأوروبية! لكن عندما كتب شكيب أرسلان كتابه «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟» أراد أن نتقدم كما تقدم الغرب. والسؤال: هل أستطيع أن أخلق الحداثة بقرار، أم أن الحداثة تحتاج إلى واقع موضوعي يجعلها ممكنة انطلاقًا من الواقع الذي ينتج حداثته؟ 

ونحن نسينا العلاقة بين الممكن والواقع فاعتقدنا أننا قادرون على أن نحقق الحداثة إراديًّا بمعزل عن العلاقة بين الممكن والواقع. وما الممكن؟ الممكن هو واقع ينمو في أحشاء الواقع القديم، وتأتي الإرادة بوصفها «قابلة قانونية» لتنقل هذا الواقع الممكن إلى واقع حقيقي. إذن الإرادة في علاقتها بالتاريخ هي علاقة بالممكن. لكن ما الممكن؟ هو الذي ينمو في أحشاء الواقع، ونحن لم نسأل: هل الحداثة واقع ممكن لدينا أم لا؟ وما هو الممكن الحداثوي عندنا؟ 

عشنا مرحلة النهضة العربية، فما الفرق بين النهضة العربية والنهضة الأوروبية؟ النهضة الأوروبية كانت ثمرة تحطم العلاقات الإقطاعية، ونشوء العلاقات الرأسمالية، وصعود الطبقة البرجوازية التي استندت إلى عصر النهضة، وإلى مركزية الإنسان بدل مركزية الإله، وإلى الإصلاح الديني، وغير ذلك. لكن الأهم هو نشوء العلاقات الرأسمالية، ونشوء المدينة البرجوازية. وعندما تطورت الرأسمالية بعد تطور العلم والآلة البخارية، نشأت هذه البرجوازية التي قامت بثوراتها البرجوازية وحطمت العالم القديم. كما نشأت الرأسمالية خارج الحدود؛ فالأمم الأوروبية كانت ثمرة توحيد السوق، وهذه الأمم الرأسمالية أصبحت إمبريالية تنظر إلى خارج حدودها الجغرافية، فنشأ الاستعمار. 

نحن نظرنا إلى الحداثة الأوروبية بوصفها انتصار الإنسان والعقل والحرية، ولم نميز بينها وبين التحديث. فأنت قادر على أن تبني أكبر جسر في عمّان؛ هذا تحديث. أما الحداثة فهي تفكير، وعقل، وقيم. لا تستطيع أن تحقق حداثة في مجتمع ما زال قائمًا على فكرة الثأر القبلي والطائفي والعشائري. لذلك لم تنتصر فكرة الدولة الحديثة. 

والتاريخ له مزحاته المزعجة، وله أيضًا عقله، فمن سيصدق في المستقبل أن ستينيات القرن العشرين كانت في بعض الجوانب أكثر تقدمًا من القرن الحادي والعشرين؟ لذلك غابت فكرة العقل الواقعي عن الوعي، وليس كل عقل واقعيًّا؛ هناك عقل أسطوري، وعقل خرافي، وعقل صندوقي. 

أخيرًا.. الانخراط في الشأن العام يفرض على الفيلسوف إيقاعًا مختلفًا عن إيقاع التفكير، كيف يُعاد ضبط هذه العلاقة دون أن يبتلع أحدهما الآخر؟ 

الشأن العام بالنسبة إلى الفيلسوف هو عالمه الحقيقي، لكنه يقدم خطابًا مختلفًا عن الخطابات الأخرى. فهو يبحث عن الكلي. لا يتحدث عن أزمة سير، بل عن أزمة مجتمع. لا يتحدث عن الجريمة وحدها، بل عن تحطم القيم. لا يتحدث عن هذا السلوك أو ذاك للحاكم، بل يتحدث عن الاستبداد. 

الفيلسوف يريد أن يقدم جوابًا كليًّا للناس؛ كي يخلق لديهم وعيًا بحقيقة ما يجري. إنه يكشف عن مستوى العقل: كيف يفكر البشر؟ ما العقل السائد؟ ما علاقة الإرادة بما يجري حاليًّا؟ هل «الإرادوية» قادرة على أن تحقق العالم الذي نريد من دون أن تكشف عن العوامل الضرورية للانتقال التاريخي؟ ما القطيعة التاريخية؟ هل يستطيع الفيلسوف أن ينكر الوعي الديني؟ لا يستطيع. لكنه يكشف ما الوعي الديني، وما الشروط الموضوعية للتسامح الديني؛ لذلك فإن مهمة الفيلسوف صعبة.