ثقافة

غالية خوجة: أنا من جيل يمسك الكتاب بيدٍ ورغيف الخبز بالأخرى!

20 مارس 2026
ليس لها آباء شعريون:
20 مارس 2026

*ليست كل خاطرة أو رسالة حب هي قصيدة نثر

*الساحة الشعرية غزيرة كمياً ومتشابهة كتابياً

*بعض القصائد تهتم بالتفعيلات وتنسى الشعر

*سيظل الشعر ديوان العرب والرواية ديوان الغرب

*التشابه يشعرك أن الغالبية تكتب قصيدة واحدة

ترى الشاعرة السورية غالية خوجة أن الشعر سيظل ديوان العرب مهما حاول النقاد ترويج مقولة الناقد المصري الراحل الدكتور جابر عصفور بأن "الرواية هي ديوان العرب"، ومع ذلك تعترف بأن المتشابه فيما يكُتَب من شعرٍ صار هو السمة الغالبة لدرجة تشعر معها كأن الجميع يكتبون قصيدة واحدة!

غالية خوجة صاحبة سيرة ذاتية متخمة بالإصدارات. في الشعر لديها "إلياذة الدم"، و"نشور الأزرق"، و"أوديسّا البنفسج"، و"الملحمة المجنونة"، و"كونشرتو الشعلة"، و"جمريات"، و"أوبريت الفناء"، و"فلامكنو الهيولى"، و"أنشودة الظن"، و"قيثار المحار"، و"سوناتا العماء"، و"الأسطورة السكرى"، و"أوغاريتيات التجلي"، و"أرجوانيات الأزل"، و"حرائق العدم"، و"شعوذة الأبدية"، و"إغواءات الرؤيا"، و"ترانيم".

وفي القصة "ألواح الشتات"، و"جحيميات اللازورد"، و"ساحرة الخرافة"، و"مملكة النشيد"، و"نون التشكيلات"، و"كلام الضباب"، و"دونكيشوتيات"، و"بحر يرتعش في البحر"، و"أرواح الموسيقى"، و"حمى الجحيم"، و"مشيمة السديم". وفي الرواية "برزخ اللهب"، "السيمفونية المهجورة"، و"رواية المحو"، و"دوامة المجاهيل"، و"شاعرة في الجحيم"، و"فينيق الأبجدية" بخلاف عدد من الأعمال للأطفال وعدة جوائز عربية.

هذا الحوار ينطلق من تجربتها مع ديوانها الجديد "فلامنكو الأكوان"، لكنه يعرج على منابع القصيدة لديها، وملامح تكوينها، ولماذا تقدم الشعر على الرواية.

متى اكتشفتِ أنك شاعرة؟ ومَن شجعك؟

"تلك مشيئة الله". هذه الجملة قالتها لي بصوت واثق إحدى جداتي في الإنسانية في حلم ما. الشعر يولد مع الفطرة، ويذكرك بأن الخالق منذ وضع ذرية آدم في صلبه قرر لنا مآلاتنا، وهذا ما اكتشفته عائلتي، خصوصاً، أبي وأمي – رحمهما الله - وهما من عشاق الشعر والفنون والذكاء والحياة.

أتذكر أن أبي بدأ يقول لي: "اكتبي يا طفلتي حكاية أبو محمود"، وكان يملي عليَّ وكنت أصحِّح وأصوغ له، وكم كان سعيداً بذلك، لكنني عندما فقدته وأنا في بداية الثالثة عشرة من عمري، بدأت أكتب القصائد من آلامي وجراحي وزهدي وكانت أمي رحمها الله ورغم كل معاناتها تستمع لإلقائي وتشجعني، وتبدي رأيها بذائقة عالية، وتقول لي بسعادة: كم تشبهين خالك! إلى أن رأيتني في سن العشرين على منصات جامعة حلب والمراكز الثقافية واتحاد الكتاب العرب في سوريا، وبدأت أفوز بجوائز تتمتع بنزاهة حقاً في مجال الشعر والنقد والسرد، وانطلقت من سوريا الحبيبة إلى العالم العربي.

ما منابع الشعر بالنسبة لك؟ من أين تستقينه؟

إنه هبة من الله، ومعلمي المجهول الذي أكتبه وأحياه لا أعرف كيف أصفه، لكنني أراه كأبي وأمي، ولكنهم يتهمونه بأنه يغرد خارج السرب! وبكل تأكيد تعجبني أمهات الكتب التي كونت ثقافتي ومعرفتي المتواضعة، سواء في العلوم أو الآداب أو الفلسفة والتصوف والنقد والسرد والموسيقى والتشكيل. أحب منابع الإبداع الإنساني بكافة أجناسها وأشكالها وغرائبها المفيدة، خصوصاً، ما كان أبي وأمي يحكيانه أمامي من الذاكرة الشعرية والملحمية والأسطورية والقصصية الموروثة.

من هم آباؤك الشعريون؟ وكف ترين تجربتهم؟

ألا توجد أمهات شعرية؟! أنا دون آباء شعريين. لقد منحني الله لغتي، وعملت على نفسي، ووسَّعت ثقافتي ومعرفتي، وأعطيت من ضوء عيوني وقلبي ودمي وروحي لعتمة القصيدة؛ كي تنير العالم، حتى لو كنت واهمة. لا أنكر دور ما أنجزه الأولون والآخرون؛ لأننا جميعاً غيوم البصيرة تمطر ذات لحظة من القصيدة على تربة الكلمات؛ لتظل منتعشة بالحياة.

ما جيلك الشعري في سوريا وعربياً؟

نحن من جيل مكافح اتخذ من الشعر مشروعاً ثقافياً حياتياً، واجهنا صعوبات الحصول على الكتاب الورقي، سواء في البحث عنه واستعارته، أو في تأمين ثمنه. ورغم ذلك ما زلنا نعتبر الكتاب من الجواهر التي لا غنى عنها. نضعه بيد، ونضع رغيف الخبز بيد. ننتظر الصحف والمجلات الورقية لنرى قصائدنا ونـتأبطها كمن يتأبط السعادة، ونتناقش وننتقد ونتحاور في المقاهي والأماكن الثقافية، ونقف على المنابر بكل مسؤولية وجدية وكأننا مجندون ثقافيون، ونرسل موادنا بالبريد العادي، ونواصل كتابتنا لآخر نَفَس، ونتعب في متابعة المشهد الثقافي العربي والعالمي، وننتج متحدِّين كافة ظروف الحياة؛ لأننا واثقون بالله والضوء القادم الذي نصنعه حالمين بعالم جميل ينبثق من الكلمة الطيبة.

لماذا صدَّرتِ قصائد ديوانك "فلامنكو الأكوان" بمقولات لفويرباخ ويانيس ريتسوس ومحمود درويش وهوميروس وغيرهم؟

لأنها تتناغم مع جوهر الحياة، ورأيت فيها اختزالاً فنياً للحكمة والرؤيا والمعنى العميق، وكل ما أردته من هذه المقولات تذكير القارئ بالذاكرة الإنسانية الدالة على تنوع الثقافات العربية والأجنبية.

بدءاً من العنوان الرئيسي "فلامنكو الأكوان" مروراً بعناوين القصائد مثل "فلامنكو العدم"، "فلامنكو الحلم"، "فلامنكو الرياح" نجد أنفسنا أمام تبويب وبناء معماري، وليس مجرد تجميع قصائد.. ماذا يمنح الكتاب الشعري للقصيدة؟ وكيف خططتِ له؟

التركيز على مفردة "فلامنكو" يوحي برقصة ذلك الطائر المعروف، وتلك الموسيقى الأندلسية وهي ترسو في الذاكرة الجمعية العربية والعالمية. "فلامنكو الأكوان" رقصة تدور معها - مثل "المولوية" - عناوين القصائد الأخرى وعناصرها الفلسفية الكونية والصوفية.

لا تزال تجربتك تعتمد على المجاز رغم روح الحداثة والتجريب.. ماذا يمنح المجاز قصيدتك؟ وما مفهومك عنه؟

المجاز من الفنيات الجمالية لأي عمل إبداعي، وهو أقرب إلى روح الرموز التي تؤلف تجريبيتها وحداثتها، وتوظف مكوناتها بطريقة تشكيلية تتفادى المباشرة السطحية، وتسبح في العمق، وتنتقل مع مقامات الروح والمعنى داخل الصورة، وتنتقل بالصورة إلى اتجاهات لا تعرف المكان أو الزمان المحدد، وهذا المجاز حالة اختزال للصوت والصمت، وهو ما أبصره "أبو العلاء المعري" في أعماله، وما أوجزه في هذا البيت مثلاً: "خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد"، وما سافر إليه المتنبي وجلال الدين الرومي والشيرازي، وما ركز عليه النفري: "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة"، وهو ذاته ما ركز عليه غيرهم من السابحين مع المجاز.

أضأت الكلمات، لم أجدني، وعني لماذا لم يبحث أحد؟".. البحث عن الذات يبدو هاجساً ملحاً في الديوان.. ما تعليقك؟

البحث هاجس الإنسان ليعرف نفسه والآخرين والعالم، فمنذ وعى وجوده وهو يبحث عن نفسه، ولعل كلمات مثل "اعرف نفسك" ستعيش طويلاً، وقصيدة إيليا أبو ماضي "مَن أنا"، وأيضاً تحليقات الفلاسفة والمتصوفة ومنهم أرسطو وابن خلدون وابن عربي والسهروردي والحلاج كانت وما زالت مشاريع بحث عن الذات.

لماذا امتلأ الديوان بمفردات القلق مثل الغربة، الرياح، الضباب، اللهب، الصواعق؟

القلق الإبداعي حالة جمالية لا مرضية؛ لأنه أحد محفزات الطاقة الروحية والقلبية واللغوية والضميرية، والقلق أشبهَ بيقين جميل تراه في كل شيء من المكونات القريبة والبعيدة، المادية وغير المادية، ولكل مفردة في مكانها المناسب دلالاتها، وإلا لما قال المتنبي: "على قلق كأن الريح تحتي أوجهها جنوباً أو شمالاً"، ولربما عندما يقل منسوب القلق الإيجابي للإنسان لن يستطيع أن يتطور أو يطور قدراته وإمكانياته وطاقته، أما بالنسبة لبعض المفردات فتأخذ من القلق ما يناسبها تبعاً لحضورها في الصورة الشعرية، فكم من غربة تحولت إلى وطن! وكم من رياح تضمر الهدوء بين بدايتها ونهايتها! وكم من ضباب انحرف لينجلي! وكم من صواعق تركت بعد الصوت والنار ماء وخضرة وسهولاً من الشرود والأفكار!

تقولين: إن "الغموض أحد ملامح تكويني".. ماذا يمنح الغموض القصيدة؟ وماذا يأخذ منها؟ وهل يمكن أن ينفِّر الغموض قارئاً إذا زاد عن حده؟

ليكون الغموض فنياً ويضيف للشعر إشراقات؛ فله أن يتناغم مع مكونات القصيدة، وهو بحد ذاته تنويعات وتدرجات؛ غموض واضح، وغموض مضيء، وغموض كاشف، لكنه في كل حالاته وتدرجاته يجب ألا يكون غموضاً مغلقاً أو معتماً، فنفقد معه الإبصار ووظيفة الإيصال وفاعلية التشويق، وهنا عندما يفقد أو يفتقد ملامحه الجميلة يكون قد فقد أهمية وجوده الفني ويصبح مربكاً للقارئ، فيأخذ من القصيدة جاذبيتها، وهذا من جملة ما كتبت عنه في أبحاثي وكتبي النقدية مثل "قلق النص – محارق الحداثة"، "أسرار البياض الشعري"، "هكذا تكلم الصلصال"، و"إيقاعات المختلف"، ولذلك لا يمكن أن يكون الغموض زائداً لدرجة الإبهام وغير مرغوب به في القصيدة؛ لأنه سيجعلها فاقدة لحيويتها وأسرارها الفنية؛ وبالتالي يرهقها.

ما ملاحظاتك على الحركة الشعرية العربية؟ وهل استوت قصيدة النثر الآن؟

حركة شعرية فيها استثناءات، لكنها بشكل عام متباطئة إبداعياً غزيرة كمياً متشابهة كتابياً لدرجة أننا لو قرأنا مقطعاً من "قصيدة ما لشاعر ما"، وأكملناها بمقاطع من قصائد أخرى لشعراء آخرين لوجدناها بلا فروقات أو بصمات أسلوبية، خصوصاً، في الزمن التكنولوجي الذي صارت فيه الآلة تكتب وتحرر، لكنها لن تستطيع أن تكتب قصيدة إبداعية إنسانية بلغتنا العربية. أما عن قصيدة النثر فهي ومنذ حوالي قرن من الزمان حاضرة بيننا، لكن ليست كل خاطرة أو رسالة حب هي قصيدة نثر. أنا مع الشعر حيث يكون ويوجد؛ فإما هناك شعر وإما لا شعر، فكم من قصيدة موزونة ليست إلا صدى ومحاكاة ومباشرة وتقليدية! وكم من قصيدة تفعيلة اهتمت بالتفعيلات ونسيت الشعر! إذن أين الشعر من القصيدة مهما كان تصنيفها وتوصيفها وموسيقاها الخارجية والداخلية؟ ولنا أن نسأل بطريقة أخرى: أين الإبداع الشعري في القصيدة؟!

بدأتِ مشواركِ بديوان "إلياذة الدم" عام 1997، فماذا تغيَّر في تجربتك الشعرية عبر هذه السنوات؟

هذا ما تمنيت لو أخبرني به النقاد والشعراء والقراء، لكنني أراني أطير أبعد بأجنحة من قصائد تنافس ما كتبته، فتبكيني، ونذوب معاً في برزخ يطل معنا علينا لنترك الأشعة محيطات تصعد السفن البحرية والفضائية، تجوب إلى حواف الكون، ولا توقن بأنها ستعود.

لديك عدد كبير من الدواوين.. ماذا تعكس هذه الغزارة: التنظيم، أم حضور الإلهام طوال الوقت؟

الحمد لله أن الشعر ليس كتابة فقط، بل هو حياة، إلا أنه متعب جداً، وأدعو الله أن يظل نعمة.

كيف ترين تجربتي الماغوط وأدونيس وأيهما أقرب إلى ذائقتك؟

كل منهما أنتج حداثة ما، ومعروف أن الماغوط صنع شعرية المفارقة اليومية المستمرة، وكذا فعل أدونيس، أنجز حداثته الخاصة، وكلاهما مبدع بطريقته، وعلى الأديب أن يطلع على التجارب ويقرأ ما يستطيع.

هل الشعر مظلوم الآن مقارنة بالرواية؟ وهل فقد بريقه بسبب غياب فكرة الحشود التي يرتبط بها؟

سيظل الشعر ديوان العرب، والرواية ديوان الغرب، علماً أني أكتبها وأصدرت حتى الآن عدة روايات منها "برزخ اللهب"، و"فينيق الأبجدية"، و"ماذا لو مات الموت؟". نعم.. رغم الترويج للرواية من قبل جابر عصفور كديوان للعرب، وحضورها المعاصر بغزارة، إلا أني أُبصِرُنا أمة عربية شعرية بامتياز؛ لأن لغتنا العربية متفردة ومميزة بشعريتها بكافة مستوياتها الحياتية اليومية والروحية والفكرية والمستقبلية، لكن هناك أسباب كثيرة أثرت على الشعر الذي يصرخ في آخر الكون: "مظلوم"! منها الاستسهال والتساهل في الكتابة والنشر الورقي والإلكتروني، ظناً بأن القصيدة سهلة وتكتب هكذا دون ثقافة وقراءة ونقد، أيضاً التشابه في المكتوب لدرجة تشعرك أن الغالبية تكتب قصيدة واحدة، قلة الإبداع في القصيدة، وبالتالي، قلة القصيدة المثقفة العارفة المبصرة، ابتعاد المتلقين نتيجة ظروف الحياة وضغوطها، ونتيجة أن الذائقة تريد الأميز والأجمل، غياب النقد الموضوعي، تراجع الصحافة الثقافية عن نشر القصيدة، اضمحلال المجلات المهتمة بالشعر والنقد، الترويج لشعر المحاكاة الموزون التقليدي والكلاسيكي والمباشر!

كيف تحلمين للشعر ولنفسك؟

أحلم مثل الجميع أن يصبح الكون إنسانياً جميلاً بلا حروب وظلم وجهل وتخلف أن يدوم الشعر شمسَ الكلمات وقمرها ونجومها وأشجارها ومطرها ونبضاتها، وأن يشع من القلوب مع القلوب، وأن يجعل الحياة نابضة بالسلام والأمان والمحبة الإنسانية الراقية.