ثقافة

صلاح بوسريف: سيرتي ألحت عليَّ في مقهى بالأندلس

27 فبراير 2026
كلما نظر خلفه تؤلمه خدوش الماضي
27 فبراير 2026

أصدر الشاعر المغربي صلاح بوسريف مؤخرًا سيرته الذاتية في جزأين تحت عنوان "بيت الكينونة"، ليسرد فيها محطات التكوين ومنابع الشعر التي ينهل منها إلى الآن، وكيف عاش حياة قاسية في المغرب يمكن أن تحول إنسانًا آخر غيره لا يمتلك شخصيته القوية إلى فرد في عصابة شوارع. تحدى بوسريف عدم إيمان العائلة بالكتب واستطاع رويدًا رويدًا أن يصل إلى حلمه.

الآن بعد حوالي 32 عامًا على صدور ديوانه الأول "فاكهة الليل" (1994)، ينظر بوسريف خلفه ويجد أنه راكم مشروعًا كبيرًا، فلديه عدد كبير من الأعمال الشعرية والنقدية لكنه يرى أيضًا خدوش الماضي المؤلمة. هنا حوار قصير معه حول سيرته الذاتية.

لماذا سميت سيرتك "بيت الكينونة"؟

في السيرة كنت معنيًا بالوجود المرتبط بذات المثقف والشاعر والكاتب، ذاتي. أو ما يمكن أن يكون وجودًا له علاقة بالقراءة والكتابة والمعرفة.

ولماذا استبدلت مصطلح "السيرة الذاتية" بـ"سرد سير ـ ذاتي"؟

المرآة التي كنت أرى فيها نفسي، مرآة فيها سرود، وفيها كلام، رغم كثافته، فهو سرد لكينونة، تتكلم عن الذات وهذا يقتضي أن أكون السارد والمسرود، لكن بهوية ثقافية، وشعرية ومعرفية.

ما أبرز محطات الحياة التي حرصت على توثيقها؟

المحطات كلها صعبة وقاسية، وكانت -حتمًا- تشي بالانطفاء والاختفاء، بل بالموت أو العدم. فأنا طُرِدت من المدرسة، حينما كنت في مراحل التعليم الابتدائي، حتى الخط، أو الكتابة لم تكن استقرت بين أناملي، ووجدت نفسي في معمل لصنع الأحذية، لكن وجود الكتب، ووجود المكتبات في حياتي، هو ما نجَّاني، وألقى بي في بيت الكينونة، ناهيك عن السياق الأُسري الذي لا أحد فيها كان يراني، أو يسألني عن شيء، أو يهتم بالبئر المظلمة والغويطة التي سقطت فيها، ورغم أن لا شيء كان فيَّ استقام، إلا أن ثمة لحظة رأيت فيها الكتب والقراءة الطريق الحقيقي إلى كينونتي ووجودي.

لماذا كانت علاقتك سيئة دائمًا بالمدرسة؟ ومَن صالحك بالدراسة؟

تعرضت في المدرسة، وأنا في أول علاقتي بها، لكل أشكال القمع، والضرب، والشتم والاحتقار، من قِبل معلمين عنيفين، فقد أهملت الواجبات ورفضت القيام بها، وكنت أرفض الذهاب إلى المدرسة، وقد كان الكُتَّاب وشيخه العنيف والقاسي بين أسباب هذه العلاقة المتوترة. وطبيعة شخصيتي التي تأبى القهر والقوة، أيًا كانت، مادية أو رمزية، ربما هي ما أطلقت شرارة علاقتي بالمؤسسات، واخترت لاحقًا أن أكون حرًا. فأنا قرأت، وتعلمت، وكتبت، وحتى شهادة الدكتوراه، هيأتها بحرية، وبما كان عندي من أفق مشروع شعري نظري، لا بما تفرضه الأكاديمية من سلطة على الطلاب، ومن تحريف لمسارتهم في التفكير والكتابة.

جلُّ قراءاتك كانت في الشعر والمسرح.. ماذا منحك المسرح؟

تعرف جيدًا، وأنت تقرأ الأعمال الكبرى للمسرح الإغريقي أن المسرح كان شعرًا، كما كان الشعر في الأساطير والملاحم الكبرى سردًا وحوارًا، وبهذا المعنى، فأنا لم أذهب إلى المسرح، بل بقيت في الشعر، بما هو سرد ومسرح، أو حوار، وهذا ما سأستفيد منه في حداثة الكتابة، وفي توسيع دوال العمل الشعري كما أكتبه منذ ثلاثين سنة تقريبًا. والمسرح شيء عظيم، حين يكون النص عظيمًا، ولا بد أن تجد فيه الشعر، في كل شيء، ليس في اللغة فقط، بل وفي دواله السيميائية الإشارية، أو الرمزية، وهذا أفادني في الوعي الجمالي البصري.

لم يكن في بيتك كتاب وأقمت صداقات مع بائعي الكتب المستعملة.. هل يمكن القول إنك مدين لهؤلاء؟

أنقذني بائع الكتب مستعملة، اكتشفته قريبًا من بيتنا، وصار هو نقطة ضوء وسَّعتها لاحقًا بباعة آخرين، وبمكتبة دار الشباب التي كانت هي الكنز الحقيقي لي، صرت في هذه الدار أقرأ ليس بنهم بل بجنون، ومن هنا يأتي اسم بيت الكينونة، بيت الكتب، والعلوم، والمعارف، والإبداعات، والفنون التي كنت أكتشفها، وأكتشف ما فيها من شموس، هي ما أخرجني من البئر التي قُذِفت فيها لا أحد سمع صراخي في مائها، لأنه كان صراخًا عالقًا في داخلي.

كيف أقنعت الأم بأهمية هذه الكتب؟

هذه حكاية طريفة، استعملت فيها الدين لأحمي كتبي من الضياع، وكانت قد بدأت تغزو البيت. تذمَّرتْ أمي، فقلت لها إن البيت الذي ليست فيه كتب لا تدخله الملائكة، لتصبح أمي الملاك الذي يحمي كتبي ويرعاها، خصوصًا أنه لا أحد من إخوتي وعددهم خمسة عشر، كان معنيًا بهذه الكتب، أو سألني عنها، أو فتح بعضها ليرى ما فيها.

هل الفقر هو عنوان الطفولة المناسب؟

أكيد، والدي كان عاملًا، براتب محترم، لكن عدد زوجاته الأربع، وعدد أخوتي، كان يمتص هذا الراتب، ولا يكفي لنعيش بشكل مقبول، فكان الفقر من داخل رفاهٍ، لم يتح لنا الأشياء الجيدة، في المأكل، والمشرب، وفي اللباس، والصحة، وحتى في التعليم.

كيف تتذكر ماضيك؟ وهل تنظر خلفك برضا؟

ماض صعب، فيه خدوش، بل جراح كثيرة وكبيرة ما زلت أستشعر دمًا ينزف من نفسي، لا من بدني فقط، والقراءة والكتابة، كانتا، وما تزالان منقذي من الضلال والضياع. لذلك، فحياتي بقيت هي هذا الماضي في علاقتي بالكتب، وفي علاقتي بالكتابة، وصار اليوم عملي وشاغلي هو القراءة، والبحث، والتأمل، والكتابة. لا أترك بيتي إلى غيره من الأمكنة، إلا وفي حقيبتي كتب، ودفاتر، وأقلام حبر، والتدوين على الحاسوب هو آخر مرحلة، بعد أن يكون العمل بلغ نضجه كما أراه.

لماذا أردت أن تسرد سيرتك؟ ماذا أردت أن تقول للعالم؟

صدقني، السيرة من أرادت أن تسردني، لا أعرف متى وكيف ولماذا، وقد ألحت عليَّ في مقهى بالأندلس، من هناك انطلقت الشرارة واستمرت أربع سنوات من الكتابة، وكتبتها خارج باترونات السير، وخارج سردها المتواصل الاجتراري، بل الممل في كثير من الأحيان، وهذا، أيضًا، من أسباب معنى بيت الكينونة في السيرة.

أنا عندي أفكار، وعندي قضايا، وعندي أسئلة، لذلك أكتب، وأقول مع طه حسين: "أكتب لأن عندي ما أقوله"!

هل هناك محطات تلافيتها خجلًا أو للتستر على بعض الأشخاص أو خوفًا من العائلة؟

أبدًا، قلت كل شيء إلى حدود اللحظة الراهنة، والسيرة في جزأين، ولا أعرف كيف سيسير بي الزمان، ربما أكتب الجزء الثالث.

فكيف أسكت عن أشياء تعني إقامتي في علاقة بأحداث ووقائع كانت سببًا في كل ما عشته من حروب، ومن قتل رمزي، هو أخطر من القتل المادي الصرف. كتبت بصراحة وبداهة لأن السيرة لا تُكتَب إلا مرة واحدة.