No Image
ثقافة

شيخة بنت عبد الله الفجري: الناقد والروائي والسيناريست يتعايشون داخلي كأصدقاء

23 مارس 2026
تستلهم تاريخ عُمان
23 مارس 2026

Image

بنظرة بسيطة إلى السيرة الذاتية للكاتبة العمانية شيخة بنت عبد الله الفجرية تدرك أنها غزيرة الإنتاج ومتنوعة الكتابة، فهي روائية وباحثة أكاديمية وكاتبة دراما إذاعية وتلفزيونية، وهي كذلك كاتبة مقال، لكنَّ همَّها في كل ما تكتبه تقريبًا هو تاريخ سلطنة عمان الثري، إذ تحاول تدوينه بطريقتها، حتى يصل بأفضل شكل ممكن للقراء والمشاهدين والمستمعين.

تنتظر شيخة الفجرية صدور روايتها الثانية "في ذمة العشق"، خلال معرض مسقط الدولي للكتاب، كما تنتظر عرض مسلسل "لؤلؤة العروش" التي كتبت السيناريو والحوار له، في نوفمبر 2026 تزامنًا مع اليوم الوطني.

هنا حوار معها حول أعمالها المتنوعة وجديدها وكذلك فكرة تجاور الكاتب والسيناريست والناقد داخلها وكيف تستفيد منها.

*******************

* لديك 15 مسلسلًا إذاعيًا.. ماذا تمنحك الكتابة للإذاعة؟

الكتابة للإذاعة متعة صافية، تفتح أبواب الروح على اتساعها لأغوص في بحر الصوت والحوار وحدهما. تمنحني حرية التعبير عن أفكاري وآرائي بصدق وحميمية لا تعرفها الحواجز البصرية. أشعر بنشوة الإنجاز حين تتحول النصوص إلى أصوات نابضة تصل مباشرة إلى آذان المستمعين وقلوبِهم، فتصير الكلمات ذواتًا حية وأنفاسًا تلامس الوجدان. هي توثيق حيٌّ لتراثنا العماني، نبض لقضايانا الاجتماعية، وحوار عميق يوقظ الوعي ويغمر المستمع في تأمل داخلي غني، مستندًا إلى قوة الخيال الصوتي لبناء عوالم ذهنية مزدهرة وإثارة العواطف بأعمق صورها.

*وما المختلف بينها وبين الدراما التلفزيونية؟

الفرق الجوهري يكمن في "الشكل النصي"، على الرغم من التقارب في البنية الدرامية الأساسية. الدراما الإذاعية تعتمد كليًا على الخيال السمعي؛ إذ يرسم المستمع الصور بنفسه من الحوار والمؤثرات الصوتية، فيمنحها حميمية فريدة وتركيزًا أعمق على الأبعاد النفسية والعاطفية. أما التلفزيونية فهي بصرية في الأساس، وتتطلب وصفًا دقيقًا للمشاهد والحركات، وتعتمد على الإخراج لإضافة طبقات مرئية تعزز السرد. في رسالة الماجستير "النص الدرامي الإذاعي والتلفزيوني جنسًا أدبيًا"، استكشفت هذه التحولات، ووجدت أن تحويل نص أدبي إلى تلفزيوني يتطلب تجنب "البياض السردي" الذي يثري الرواية لكنه قد يُضعف الإيقاع الدرامي. كلا الشكلين مصدر سحر ومتعة، وكلاهما يلامس نبضي بعمق.

*ماذا تعكس غزارة إنتاجك؟ هل تنظيم الوقت؟ أم جاهزيتك الذهنية؟ أم تعدد الروافد المجتمعية التي تنهلين منها؟ أم كل ذلك؟

ما تسميه غزارة إنتاج هو مزيج متكامل من كل هذه العناصر. تنظيم الوقت أساسي، خاصة مع عملي محاضرة في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، حيث أحافظ على توازن دقيق بين التدريس والبحث والإبداع. الجاهزية الذهنية تنبع من شغفي الدائم بالقراءة والتأمل في تفاصيل الحياة اليومية؛ أجمع الإسقاطات الإبداعية من كل لحظة، كأنني أطل من شرفة الأيام المتجددة. أما الروافد المجتمعية فهي السر الأعمق: عُمان كنز حضاري متنوع عبر محافظاتها وتاريخها الغني يلهمني لتوثيقه دراميًا وروائيًا. هذا التنوع يجعل الإبداع يتدفق بسلاسة طبيعية، سواء في أكثر من 15 مسلسلًا إذاعيًا وتلفزيونيًا، أو رواياتي مثل "تلك المائة عام" و"في ذمة العشق"، أو كتبي النقدية، أو مقالاتي، في نسيج إبداعي مترابط.

*كيف يتجاور داخلك الناقد مع الروائي مع كاتب الدراما وكيف يؤثر كل منهم في الآخر؟

في داخلي يتعايش الناقد والروائي وكاتب الدراما كأصدقاء في حوار دائم مثمر. الناقد – الذي شكَّلتْه دراستي في النقد الأدبي – يساعدني على تفكيك البنى وتحليل الأفكار، كما في رسالة الماجستير، وكتاب "القنديل وانعكاس الضوء" الذي يدرس روايات الدكتورة غالية بنت فهر بن تيمور آل سعيد، وكتاب "ثنائية الشعر والنثر"، ودراستي الدكتوراه عن شعر كعب بن معدان الأشقري في بلاط الدولة الأموية. يغذي الناقد الروائي بوعي جمالي وسياقات اجتماعية، فيضفي على رواياتي مثل "تلك المائة عام" عمقًا تاريخيًا وثقافيًا. أما كاتب الدراما فيمنح الجميع حيوية الحوار وعمق الصراع. التأثير متبادل: النقد يحمي من الزلل، الروائي يغذي بالخيال الواسع، والدرامي ينفخ في الكل روح الحياة، فينشأ توازن إبداعي يثري تجربتي كلها.

*لكن هل شخصية الناقد بداخلك قد تعطل الكاتب حيث تحذره دومًا من مزالق الكتابة وهو ما قد يؤثر بالسلب عليك؟

لا، بل تُصقله وترفعه. تحذيرها يُبعدني عن الإسهاب التقريري وعدم التوازن في الصراع، فيساعدني على الوصول إلى ختام أقوى وجودة أرفع. وحذره ليس قيدًا على الإطلاق، بل جناحًا لمزيد من التحليق والعُلو في سماوات الكتابة.

*هل تكتبين المقال بمنطق الأدب أم الصحافة؟

أكتب المقال بمزيج متناغم بين منطق الأدب والصحافة، لكن الجانب الأدبي يسيطر غالبًا. ككاتبة أدبية، أرى في المقال فرصة للتعبير الشعري والسردي الغني، مع الالتزام بدقة الحقائق والموضوعية الصحفية. فهو ليس مجرد نقل معلومات جافة، بل حوار أدبي يتفاعل مع القارئ، مستلهمًا التراث والقضايا الاجتماعية، فقد كتبت ما يزيد على 66 مقالًا منشورًا في الصحف والمجلَّات العمانية والعربية منها مقالات نُشِرت في مجلات علمية محكمة عربية وهندية، حول الدراما والمسرح والسينما والحضارة والتاريخ والثقافة العُمانية. فالصحافة توفر الهيكل المنظم، بينما الأدب يضيف العمق والجمال اللغوي، مما يجعل المقال تجربة إبداعية متكاملة.

*ما أسئلتك الخاصة في أعمالك الإبداعية؟

أسئلتي الشخصية في أعمالي الإبداعية تدور حول قضايا الهوية، والحب، والعزلة، والتراث التاريخ العماني العريق. في أعمالي بشكل عام، أتساءل: كيف يمكن توثيق الكنز الحضاري العماني من خلال الدراما أو الرواية؟ وكيف يشكل السياق الاجتماعي مصير الفرد؟ في روايتي "تلك المائة عام"، أستكشف الفجوة بين الرخاء والشظف، والحب كأداة للعزة أو الانكسار، مع التركيز على دور النساء في حفظ اللغة والتراث بين عمان وزنجبار.

Image

*وفي "ذمة العشق" التي تصدر قريبًا؟

أتساءل عن العشق كتطهير أرسطي للأرملة، وكيف يتحول من أسطوري إلى واقعي وسط فساد عائلي، مستلهمةً أفكار فلاسفة مثل أفلاطون ونيتشه. هذه الأسئلة تنبع من جذوري العمانية، تعكس تجاربي الشخصية وتسعى لإضاءة جوانب إنسانية عميقة.

*هل ترين أن الأدب العماني قد وصل إلى المكانة التي يستحقها عربيًا وعالميًا أم أن هناك المزيد؟

الأدب العماني نابض بالتألق والغنى، لكنه لم يبلغ بعد المكانة الكاملة التي يستحقها على الساحة العربية والعالمية. هناك إنجازات ملحوظة في الرواية والشعر والدراما، إلا أننا نحتاج إلى مزيد من الترجمات والنشر الدولي ليصل صوت عُمان الحضاري إلى أبعد الحدود. عُمان حضارة عريقة، وأدبنا مرآة لها، هذا الأدب بدأ مبكرًا على يد صحار العبدي صاحب كتاب الأمثال وهو أول مصنف أدبي عربي عام 64 للهجرة ثم ابن دريد صاحب أولى المقامات النثرية القصصية التي سبقت مقامات الهمذاني، لكن التحدي يكمن في تخليد التاريخ دراميًا وروائيًا ليصبح جزءًا من الوعي العالمي. بالتأكيد، هناك الكثير المتبقي، وأنا متفائلة بمستقبل أكثر إشراقًا.

*أخيرًا ما الخطوط العريضة لعملك الإبداعي القادم؟

عملي الإبداعي القادم متعدد الأشكال النصية، فأنا أكمل مشاريع إبداعية بدأت بها وأعمل على إنهائها في قادم الأيام والشهور وربما السنوات، وهي: مسلسل إذاعي تاريخي، وكذلك مسلسل تلفزيوني اجتماعي، ورواية جديدة تستكشف الصراعات الاجتماعية في عُمان المعاصرة، مع إلمامات تاريخية عميقة، تركز على دور المرأة في مواجهة التحديات المجتمعية. سأمزج بين السرد الروائي الغني والعناصر الدرامية الحيوية، مستلهماً من روافد مجتمعية متنوعة وثرية. بالتوازي، أعمل على رسالة الدكتوراه عن الشعر العُماني في بلاط الدولة الأموية فأنا ما زلت في سنتي الدراسية الثانية دكتوراه. الخطوط العريضة تشمل الحب، الهوية، والتغيير الاجتماعي، مع الحرص على الحفاظ على الثراء الثقافي العماني جوهرًا أساسيًا في حياتي الإبداعية.