رمضان 2026.. لوحة متكاملة للدراما التاريخية العربية في الموسم الحالي
تتنوع الأعمال الدرامية المعروضة في شهر رمضان المبارك بين الاجتماعي والكوميدي والرومانسي، وفي قلب هذا السباق الرمضاني تبرز الدراما التاريخية الملحمية لإحياء الذاكرة الثقافية واستعادة الهوية التاريخية وربط الماضي بالحاضر. ففي هذا العام شهدنا عرض مجموعة من المسلسلات التاريخية التي جمعت بين العمق التاريخي والقيم الإنسانية التي تتناسب مع أجواء الشهر الفضيل، في محاولة لتحويل التاريخ إلى ملحمة حية تتفاعل معها المشاهدات اليومية، عبر التلفزيون والمنصات الرقمية.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على أربعة مسلسلات تاريخية في رمضان 2026: "ملوك اليمن"، و"أبطال الرمال"، و"السيرة النبوية"، و"حاتم الطائي". من اليمن إلى قطر، فتونس والسعودية، كل عمل منها قدم رؤية مختلفة للدراما التاريخية، من حيث البنية السردية، والمعالجة الإنسانية، والإبداع الفني.
بين السياسة والهوية
انطلق عرض مسلسل "ملوك اليمن" على قناة "يمن شباب"، مستعيدا التاريخ اليمني الوسيط بلغة بصرية معاصرة، وبإنتاج تجاوز الإمكانات المحلية، مما وضع العمل أمام اختبار صعب في موسم مزدحم بالأعمال الاجتماعية. انتمى العمل إلى فئة الدراما التاريخية الملحمية، وهي نوع نادر نسبيا في الإنتاج اليمني الحديث. ويتألف المسلسل من 30 حلقة، وأخرجه السوري عبدالقادر الأطرش، وصورت مشاهده في سوريا والأردن، ما منح المشروع بعدا عربيا مشتركا من حيث التنفيذ والتقنيات. ومنذ البداية، جسد المسلسل صراع النفوذ بين الحميريين والفرس والأحباش، مستحضرا شخصيات تاريخية مهمة مثل الملكة أروى بنت أحمد الصليحي والسلطان عامر بن عبدالوهاب. وحرص العمل على تقديم الشخصيات كذوات بشرية تحكمها التعقيدات السياسية وتوازنات القوى، بعيدا عن التقديس الأسطوري.
واعتمد المسلسل بنية سردية تقاطعت فيها المسارات السياسية مع الأبعاد الإنسانية، انطلقت من وفاة الملك المكرم، لتظهر حنكة الملكة أروى في إدارة السلطة وتسليم حصن التعكر كخط الدفاع الأول ضد الأطماع الخارجية. وارتكز العمل على ثنائية الداخل المهدد بالخلافات والخارج المتربص بالطموحات، مع التركيز على الصراعات السياسية والإرادات المختلفة بدلا من المواجهات العسكرية المباشرة. أما الإخراج، فقد عمل عبدالقادر الأطرش على تكوين بصري يوازن بين رهبة التاريخ ومتطلبات الشاشة الحديثة، مستخدما لقطات واسعة في مشاهد الحصون والمعارك، مقابل لقطات قريبة في لحظات الانكسار السياسي لإبراز التناقض بين هيبة السلطة وهشاشة الإنسان. وطال المسلسل بعض الانتقادات على الأزياء وبعض التفاصيل، ولكن المخرج حرص على إيجاد عالم متماسك باستخدام تقنيات رقمية حديثة.
وقام بأداء الأدوار أماني الذماري في شخصية الملكة أروى بحضور يعتمد على الاتزان الداخلي في دور امرأة تحكم في زمن مضطرب بعقلانية وبرود محسوب، أما حسن الجماعي فقد جسد السلطان عامر بن عبدالوهاب بشخصية مركبة تعيش تناقض القوة والضعف مع مشاهد الانكسار ومحاولات تجنب سفك الدماء، وهذا الانطباع منح السقوط السياسي بعدا تراجيديا. كما تميز المسلسل بانضباط لغوي يعزز مصداقية السياق التاريخي، وجعل الحوارات أقرب إلى السجال السياسي.
مثل مسلسل "ملوك اليمن" نقلة إنتاجية في المشهد اليمني، مع توظيف مواقع تصوير أثرية ومؤثرات بصرية لدعم مشاهد الحشود والمعارك، مستعيدا الهوية الوطنية من خلال رمزية الملكة أروى وسقوط الدولة الطاهرية كنتيجة لأطماع خارجية واختلال التوازنات.
خماسيات التاريخ العربي
بدأ عرض "أبطال الرمال" على تلفزيون قطر ومنصة "شاهد"، ليعيد المشاهد إلى مرحلة ما قبل الإسلام، معتمدا على لغة بصرية حديثة وإنتاج ملحمي واسع. تألف المسلسل من 15 حلقة مقسمة إلى ثلاث خماسيات مستقلة، كل منها تشكل عالما سرديا قائما بذاته، مع تقاطعات رمزية حول الثيمات كالفقد، والحرية، والهوية.
ففي الخماسية الأولى "الخنساء وصناعة الرثاء"، ركزت على سيرة الخنساء وأخيها صخر، والعلاقة الأخوية وتأثير الفقد في تشكيل الوعي الشعري، مع إدماج مشاهد الحرب والسلم والتحولات النفسية للشخصية، بإيقاع متدرج يركز على البناء العاطفي. والخماسية الثانية "الشنفرى وثورة الصعاليك" تطرقت إلى حركة الصعاليك، وقدمت رؤية معاصرة للتمرد على البنية الطبقية في المجتمع القبلي، مع مطاردات الصحراء التي أظهرت قسوة البيئة، وعالجت فكرة الحرية بوصفها خيارا وجوديا، مع إبراز الشخصيات في منطقة رمادية بين البطولة والخروج على النظام. أما الخماسية الثالثة "زبيبة والهوية المكسورة" فكانت خاتمة العمل عن قصة زبيبة والدة عنترة بن شداد، مركزة على الهوية ومعاناة الأم في إثبات نسب ابنها، وفي الوقت نفسه تقدم سردا إنسانيا لكرامة الفرد وحقه في الاعتراف به.
وضم العمل أكثر من 70 ممثلا من مختلف أنحاء الوطن العربي، وكان سلوم حداد وفرح بسيسو من أبرز الممثلين، كما أن التفاوت بين المدارس التمثيلية أضفى ثراء وتنوعا في النبرة والإلقاء. وتم تصوير العمل في المغرب مع الاهتمام بالديكورات والأزياء. واستخدمت المخرج لقطات واسعة للصحاري، مقابل لقطات قريبة للحظات الفقد أو القرار، بمؤثرات بصرية داعمة لمشاهد سوق عكاظ ومجالس القبائل.
سرد تعليمي بتقنيات معاصرة
من جانبه عرض التلفزيون التونسي نوعا آخر من المسلسلات التاريخية وهو مسلسل "السيرة النبوية"، الذي قدم تجربة درامية جديدة لم يتناولها الإنتاج التقليدي من قبل، عبر مزج الحكاية التقليدية بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
واعتمد العمل على شخصية الجد الحكيم الذي يروي لأحفاده أحداث السيرة، مضفيا بعدا إنسانيا وعاطفيا، لجعل الأحداث التاريخية أكثر قربا للأطفال والشباب. كما استخدمت الحيلة السردية لتقريب مواقف الوفاء والشجاعة والرحمة، على شكل قصص قصيرة متصلة، مانحة الحلقات الأولى نغمة تعليمية متوازنة مع التشويق الدرامي. وركز الأداء على شخصية الجد الحكيم، الذي نجح في نقل الحكاية بأسلوب حي ومؤثر، مع نبرة هادئة وملهمة، أما الشخصيات الأخرى فظهرت بشكل محدود، ليتركز التفاعل الدرامي على الجد.
قاد المشهد المخرج عبد العزيز الحفظاوي مستخدما مزيجا من التصوير الواقعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء بيئات صحراوية وقوافل جمال، مع تفاصيل دقيقة مثل الإضاءة على المصحف والقناديل، لإضفاء بعد روحاني.
وعالجت الحلقات الأولى ولادة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وطفولته، مع إبراز تحولات المجتمع العربي قبل الإسلام. وركز المسلسل على القيم الأخلاقية والروحية كالصدق، والأمانة، والرحمة، والشجاعة، وجعلها قابلة للفهم للأطفال والشباب مع الحفاظ على الدقة التاريخية.
وقد ميز العمل السرد المبتكر، والأداء المؤثر للجد، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومعالجة القيم الروحية، في تجربة نجحت بربط التاريخ بالبعد التعليمي، محافظة على العمق الثقافي والروحي، وتناسب جمهور الأطفال والمراهقين.
الكرم والفروسية في قلب الصحراء
قدم مسلسل "حاتم الطائي" رؤية درامية متكاملة لسيرة الشاعر والفارس العربي حاتم الطائي أيقونة الكرم والشهامة، مركزا على تأثير الصراعات القبلية والإقليمية على الفرد والمجتمع.
وتطرقت الحلقات السبعة الأولى لنشأة حاتم الطائي، ومواقفه البطولية، وكرمه، مع إبراز تأثير النزاعات الكبرى على حياة القبائل. وتم استخدام اللغة العربية الفصحى لتعكس الحقبة التاريخية مع الالتزام بالأسلوب السردي المعاصر.
قدم سلوم حداد شخصية حاتم الطائي بتوازن بين الهيبة والإنسانية، مؤكدا شجاعة الشخصية وحكمتها في مواجهة الضغوط القبلية والسياسية، متجاوزا النمطية التقليدية للأبطال التاريخيين. أما الشخصيات الثانوية فظهرت بشكل محدود، لتدعم السرد العام.
وقام محمد العنزي بتوجيه العمل بأسلوب ملحمي، مستفيدا من التضاريس الصحراوية والديكورات الدقيقة والأزياء، لإبراز الصراعات القبلية والتوازن بين القبائل والنفوذ الإقليمي، مركزا على النزاعات الداخلية والخارجية، والوفاء بين الإخوة، وصيانة الكرامة، والتوازن بين القبائل الكبرى والنفوذ الروماني والفارسي، حيث جمعت الفروسية والكرم لتفسير الواقع الاجتماعي والسياسي.
وبرز الأداء التمثيلي القوي، بإخراج بصري ملحمي، ونص عربي متقن، في معالجة الصراعات، لتعيد التجربة قراءة التاريخ العربي عبر شخصية أيقونية، محافظة على المصداقية والإثارة الدرامية.
