درويش.. المتحف وأنا
لو سُئلت عن أخصب مراحل الثقافة الفلسطينية بعد أوسلو، لأجبت دون تفكير هي مرحلة متحف محمود تحت إدارة الكاتب سامح خضر، كيف أنسى تلك السنوات؟ عندما كنت مع أصدقائي نمشي إلى متحف محمود درويش رقصا؛ لنحضر أمسية شعرية لشاعر عربي نحبه، نراه لأول مرة وجها لوجه، كان هناك سبب آخر لمتعة الذهاب إلى المتحف، ابتسامة سامح خضر، وخفة ظله، وتواضعه، وجمال روحه، صار سامح صديقا لي ولأصدقائي الكتّاب، كان يقدمنا بفرح لكبار أدباء العالم العربي فخورا بنا: هذا وليد شاعر وهذا زياد قاص، هذا مهيب شاعر، هذا مالك ناقد.
كان الجلوس في مكتبه، بعيدا عن انتظار وقت أمسية ما، مصدر راحة وطمأنينة، فنحن غير متعودين على الجلوس بمثل هذه العفوية والحب والأمان، في مؤسسات ثقافية أخرى، في رام الله، وزارة الثقافة مثلا، كنا نذهب إليها مضطرين لاستلام شيك أو البحث عن كتاب أو المشاركة في تحكيم نصوص، لم يكن أحد يرحب بنا أو حتى يرانا، ولم نكن نحس أن الثقافة تقيم هناك، الكل هناك كان يكره الكل، والقتال على المناصب والرتب والدرجات، كان يصيب الثقافة بمقتل، لدرجة أن مالك الريماوي أطلق على الوزارة لقلب :(أم المعارك الشخصية).
كنا نتنفس الصعداء حين نغادر، صار اتفاق فيما بيني وبين أصدقائي أن متحف درويش هو بيتنا الأول لا الثاني، بيت الحب العائلي، دون مبالغة، كنا نصنع الشاي بأيدينا في مطبخ الإدارة، ونتناقش في أمور ثقافية نختلف حولها لكن بحب ومرح وتسامح وتفهم، كنا نذهب قبل الأمسية بساعات؛ لنحظى بقلب سامح وكرم روحه ودفء تعامله وطريقته الساحرة في سرد القصص، بالنسبة ولصديقي الشاعر وليد الشيخ، كان وجود مدير نقي ولطيف ومتواضع ومثقف، وصادق مع ذاته، هو الذي حبب لنا الحضور الدائم في هذا المكان الجميل؛ فالمؤسسة الثقافية ليست فقط نشاطات وأمسيات، إنها أيضا إدارة دافئة ولطف موظفين وتعامل راقٍ مع المثقفين وتفهم لوحدتهم وحساسيتهم، وهشاشة قلوبهم. كان سامح صديقا قريبا من قلوب الضيوف الكتاب العرب، وفي أحاديثهم في أمسياتهم خارج البلاد كانوا يعبرون عن شوقهم لزمن سامح.
حين ترك المتحف مضطرا لأسباب مختلفة، وسافر إلى مصر، فقدنا حماسة الذهاب إلى هناك، في كل مرة نذهب مندفعين لحضور أمسية لصديق كنا نحبه، نبحث عن ضحكاته في الممرات، وصوته المحب وهو يقدم الضيوف، وكرمه وهو يصطحبهم فرحا بهم وفرحين هم بفلسطين وبه، في جولات في فلسطين كافة و تحديدا في القدس. يقول واسيني الاعرج نقلا عن سامح في كتابه: إنه أكل في أفخم الطعام في فنادق وبلاد كثيرة، لكنه لم يستمتع به كما استمتع بكعك القدس وفلافلها.
يُعد متحف محمود درويش في رام الله، الذي افتُتح في 13 مارس 2012 تزامناً مع يوم الثقافة الفلسطينية صرحاً إبداعياً يجسد تلاحم الهوية بالأدب على مساحة تناهز 9000 متر مربع. تأسس هذا المعلم بجهود مشتركة بين بلدية رام الله ومؤسسة محمود درويش ليكون فضاءً معرفياً يضم ضريح الشاعر وسط حديقة صُممت لتربط الأرض بالكلمة، حيث تتوزع في أرجائها أبيات من شعره تعكس بساطته وفلسفته الجمالية.
وتتنفس الذاكرة داخل أروقة المتحف من خلال مقتنياته الشخصية، كجواز سفره وأقلامه وفنجان قهوته، وصولاً إلى المخطوطات الأصلية لقصائده، والنسخة التاريخية من إعلان الاستقلال الفلسطيني التي صاغها بنفسه عام 1988.
ولا يقتصر المتحف على كونه خزانة للماضي، بل هو مركز ثقافي حي يضم مسرحاً مفتوحاً على الطراز اليوناني يتسع لـ500 شخص، وقاعة عرض سينمائي، ومكتبة متخصصة، بالإضافة إلى كونه المنصة التي تنطلق منها جائزة محمود درويش السنوية لدعم الإبداع؛ بهدف صون الذاكرة الوطنية وتفعيل الحراك الثقافي بين الأجيال الشابة.
كل هذه الكنوز لم تكن لتكون بهذه النضارة والسحر لولا إدارة دافئة مثقفة و محبة لمحمود ومؤمنة بدوره الحضاري الشعري في الحفاظ على وجه فلسطين وقلبها وإنسانها، وقارئة نهمة لتراث الشاعر الكبير وسيرته العظيمة.
سامح خضر كان أول مدير للمتحف، وفي كتابه ذي الطابع السيري، الذي بين يديّ الآن (درويش والمتحف وأنا) وهو صادر عن دار المعارف بمصر قبل أشهر، يحكي سامح ببراعة روائي وصدق مدير مثقف حكاية أجمل سنوات المتحف بإجماع معظم كتاب فلسطين والعالم، الكتاب جاء في 106 من الصفحات، من القطع الصغير، يكتب خضر في تقديمه للكتاب: (لم أكن صديقا لمحمود درويش ولا كنت من أولئك الذين الذين يدورون في فلكه، لم يعرف محمود أبي ولم تكن أمي صديقة لعائلته، لم أكن من ضمن المئات ممن زاملوه في الصف الدراسي في إحدى مدارس الجليل، ليس عندي قصة شخصية معه تربطني به لم تظهر إلا بعد وفاته، لست سوى قارىء ردد ما اشتهر من أبياته، أو خُطتها على دفاتري المدرسية بين الحين والآخر، لم أكن من المترفين الذين حضروا أمسياته قبل العام 2008.).
هو حكاية أسرار وأحداث ثقافية فارقة شهدها المتحف من خلال أمسياته الشعرية لعديد من الشعراء الفلسطينيين في الوطن والمنفى ولشعراء العالم العربي، واستضافاته لكبار كتّاب وروائيي ومسرحيي وشعراء فلسطين و العالم العربي، كإبراهيم نصر الله مصطفى أبو هنود وإياد ستيتية وقاسم حداد وبثينة العيسة ومفلح العدوان وواسيني الأعرج ومهيب برغوثي وسعود السانوسي، وأولاد أحمد، وغسان زقطان وزكريا محمد ووليد الشيخ ووليد الشرفا وماجد أبو غوش ووضاح زقطان، وليلى العثمان وغيرهم العشرات من مبدعي فلسطين والعالم العربي في المجالات كافة.
الكاتب في سطور.
سامح خضر كاتب وباحث في العلوم السياسية تتقاطع اهتماماته بين الفكر السياسي المعاصر وديناميكيات العلاقات الدولية، حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عمل مديرا لمتحف محمود درويش في الفترة من 2012 وحتى 2018، صدرت له روايتان وله كتب أخرى قيد النشر.
