ثقافة

تجدد الحضور الأدبي لمبارك العامري بصدور أعماله الشعرية

02 مايو 2026
02 مايو 2026

وكأنَّ الشاعر مبارك بن محمد العامري، عاد إلى الحياة من جديد بصدور أعماله الشعرية، وكأنَّ هذا الطائر عاد ليغرِّد على صفحات الجرائد والمجلات، مُجدِّدًا حضوره الأدبي في الوسط الثقافي، وأصبح اسمه يتصدر صفحات أصدقائه الكُتَّاب، بعد أن نشر أبناؤه مخطوطاته الشعرية التي لم تنشر من قبل، وكان قد تركها في «مندُوس» خاص، وكأنَّه أراد أن يفاجئ الحياة التي خذلته، أنه سيعود حتمًا بروح الشاعر، كما ينبت الزَّهرُ في الرَّماد.

Image

قبل أيام وصلتني نسخة من الأعمال الشعرية للشاعر مبارك العامري، تضم تجربته في كتابة الشعر، الممتدة إلى نصف قرن من حياة الشاعر، منذ مطلع الثمانينيات الماضية وحتى وفاته عام 2020م، فقد كان دائم الكتابة ودائب الاشتغال على كتابة النص الشعري في شكله العمودي والتفعيلة، حتى انحاز إلى قصيدة النثر، فبدت أشبه بشجرة ياسمين، تفتحت لتوِّها عن زهور بيضاء، وطوال اشتغاله الأدبي المتزامن مع عمله الصَّحفي في أكثر من موقع، لم يصدر للشاعر في حياته سوى ديوان واحد، وهو «بَسَالة الغَرْقى» عام 2009م، كان مُتروِّيًا من نشر شعره في ديوان، بخلاف تجربته في كتابة النصوص السَّردية الروائية التي نشرها بعد كتابتها، كإصداريه: «مَدارَاتُ العُزلة» 1994م، و«شَارعُ الفراهيدي» 1997م، وواضح أنهما من ثمار أعوام التسعين.

Image

وقبل أن تصلني الأعمال كنت أتساءل مع نفسي: أيُّ الدواوين هذه التي لم تصدر للشاعر ولم ينشرها من قبل؟، حتى ظهر أنَّ لديه ثلاثة، كان قد أنهاها في حياته ولم ينشرها، فقد تركها محفوظة في بطن «مَندُوس» عُماني، وهذا التعبير وَصْفٌ كتبه محمد بن مبارك العامري نجل الشاعر، الذي بحث عن أعمال والده الشعرية والنثرية في مضَان النشر الصَّحفي، واستطاع بهمَّة باحث أن يجمع نصوص أبيه الشعرية ومقالاته، من المجلات والصُّحف المحلية العمانية، كمجلة «العقيدة» التي عمل فيها محرِّرًا في بدايات حياته الوظيفية، وبدأ بالنشر في صفحاتها منذ عام 1980م، وكان من أبرز محرريها خلال أعوام الثمانينيات، وتحديدًا إلى عام 1987م، وخصَّص ضمن صفحات المجلة ملحقا أسماه «الملتقى الأدبي»، واستكتب له أسماءً عمانية، ومن حسن حظي أنَّ العامري نشر لي قصيدة مرة واحدة، ضمن إرهاصات البدايات المتواضعة، وما تزال ذكرى زيارتي له في مقر المجلة مسكونة في خلدي ووجداني، فقد ذهبت إليه دون سابق معرفة، وكان أن استقبلني بمحبته المعهودة.

Image

بعد سنوات من عمله في «العقيدة»، انتقل إلى أسرة تحرير مجلة «العين السَّاهرة»، وتصدر عن إدارة العلاقات والإعلام الأمني، بشرطة عمان السلطانية، كان مبارك العامري خلال عمله الطويل فيها منذ عام 1990م، عينًا ساهرة على المجلة، تتناغم موادها وتنسجم، بدءًا من الافتتاحية وحتى آخر مادة تنشرها في عددها الشهري، وظهر جهده فيها خلال فترة عمله مديرًا للتحرير، منذ عام 2002م وحتى أن تركها بتقاعد طبي، وما تزال المجلة تثري قارئها في كل عدد بجديد المقالات والأقلام.

Image

الأعمال الشعرية الصادرة حديثًا في مجلد واحد لمبارك العامري، عن منشورات «كلمات» ببغداد، تحمل أربعة دواوين شعرية، توزعت نصوصها في 536 صفحة من الحجم المتوسط، وهي: «بَسَالةُ الغَرْقى» التي صدرت سابقًا عام 2009م عن دار الجيل، مع الدواوين التي لم تنشر من قبل للشاعر، وهي: «مَرايا تسْتنطِقُ الغَيْم»، و«رَجْعُ النَّواقيس»، و«شُرفة خَضْراء»، ولعله نشر بعضًا من نصوصها في الصفحات الثقافية بالصحف المحلية، فقد كان يملأ الصفحات الثقافية حضورًا بنصوصه الشعرية وكتاباته النثرية.

Image

ومعهود عن مبارك دماثة الخلق ومحبته للجميع، وحفاوته بأصدقائه وزملائه، المحبة في حياته وكأنها صلاة، وهذا ما أشار له الكاتب عبدالله الرِّيامي، في كلمة له عن تجربة مبارك، عنوانها: «عندما يكون الحُبُّ خلاصًا حياتيًا وشعريًا»، نشرت ضمن الكلمات الاحتفائية في بداية الأعمال، مع تقديم للشاعر سيف الرحبي بعنوان: «على سبيل التقديم والاحتفاء»، وتقديم آخر للشاعر سماء عيسى بعنوان: «شعر الطفولة والتمرُّد».

ومنذ وصول الأعمال الشعرية إلى أسرة الشاعر الراحل، نثر أبناؤه فيضًا من السَّخاء بتوزيع ديوان والدهم، ولم يُبْقُوه حبيس الصناديق كما كانت مخطوطاته، محققين مكسبًا رائعًا، وهو نشر النص الشعري الذي أودعه الشاعر في «مندوس»، وكأنه أحسَّ بأنَّ هذه الطيور الورقية المُودَعة ستحلِّق بعيدًا، إلى حيث مناهل الشعر، ولطالما احتفى الشاعر مبارك بميلاد مجموعة شعرية صدرت لغيره، أو كتاب صدر حديثًا لكاتب وأديب، وكبت على مشاعره وهو يرى نصوصه حبيسة الملفات، فمتى سترى النور؟، ربما راوده مثل هذا السؤال كثيرًا، وكأنه كان يدرك أنَّ يومًا ما قادم سيأتي من الغيب البعيد، لتصدر أعماله بعد رحيله، فقد اكتملت التجربة، وآن لها أن تظهر إلى الساحة الأدبية، وآن لهذه الأعمال أن تدخل مختبر النقد، وكأن الشاعر حاضر بيننا، وعاد إلى الحياة من جديد.

والآن وقد صدرت أعماله الشعرية، في طباعة تعكس الجهد الذي بذله أبناؤه، من أجل أن تظهر أعمال والدهم بهذه الأناقة الطباعية، تنضيدًا وإخراجًا واختيارًا ذكيًا وحصيفًا لنوع الورق والغلاف المُقوَّى، والصُّور الضَّوئية التي كانت الفاتحة الأولى والخاتمة البصَريَّة الجميلة في هذه الأعمال، لمشاهد من شخص مبارك في أمكنة وأزمنة مختلفة، وتنقلاته في أسفاره، وتوثِّق جانبًا من اشتغاله الصحفي، وحواراته مع الشعراء، من أمثال الشيخ عبدالله الخليلي وأبو سرور الجامعي، ومساندته أحداث الربيع العربي بمسقط عام 2011م، بعد هذا كله، بعد الكرم الذي توزع على أصدقاء الشاعر، آنَ أنْ تُكلَّل هذه الجهود بتقديم قراءات نقدية للأعمال، والتعريف بها أكثر، لتلامس حروفها القلوب، كنَدَى الفجر يطبع قبلاته في وجنات الورد.

ولنعيش مع الشاعر تلك اللحظات التي استنطق فيها مراياه الغيم، من شرفة خضراء على رجع النواقيس، وإذا كنتُ كغيري قد قرأ بعضًا من هذه النصوص في نسختها الصَّحفية، إلا أنها مع الأعمال الشعرية تظهر بلون آخر، وحِسٍ شعري متجدد، يحقق للشاعر حضورًا أدبيًا، وهو الآن وراء أستار الغياب، يبدو أنَّ الشعر يزداد شبابًا بتقادم الأيام، وترِقُّ عبارته أكثر، وتصبح صوره الشعرية أكثر إشراقًا في نفس القارئ، إذا ما تذكَّرنا أنَّ كاتبها تركها وديعة في إضْبارة وأسْلَمَها لأقدارها، حتى التقطتها يد كريمة من أبناء الشاعر، سارت بها من غيابة «المَندُوس»، إلى حيث يجب أن تكون، كما يسافر اليَمام إلى مَرْج مُمْرعٍ بالاخْضِرار.

لم يكتب مبارك العامري نصوصه بقلم متهالك ناضِبِ الحبر، ولم يدبِّج كلامًا مُستهلكًا، وصورًا شعرية جاهزة، يتناقلها الشعراء من نص إلى آخر، ولم يطفئ شغفه بالعمل الصحفي وهجه الشعري، بل بقي على عنفوانه، وكأنك تقرأ له القصيدة الأولى في تشَكُّلها البِكْر، أو كنمو الأوراق الغَضَّة في الغصن الناعم، وهذا ما أحسست به وأنا أقرأ دواوينه المنشورة، ومن النص الأول لديوانه «رجع النواقيس»، نقرأ نص: «زيارة أخيرة»، يصف فيها خطواته في الدروب المتربة إلى حارته القديمة، بحس حميمي مليء بالشجن، تتداعى الذكريات كأوراق جافة من سدرة متخشِّبة، في هذا النص سار مبارك العامري إلى ذلك الفراغ القاسي لمكان كان يحوي بيته القديم، وخطواته بين «غافة هرمة» بظلها الحاني، و«المطعم الشعبي» لاحتساء شوربة الكوارع، والتدفؤ ببخار «الدَّنجُو»، وتذكره لأصدقاء الطفولة، جعل من النص الشعري حزينًا، فقد تساوى البيت بالتراب:

في الطَّريقِ إلى بَيتنا القَدِيم

كانَتْ أعماقي تَنْشُجُ،

لأنني لنْ أجِدَ سِوَى فَراغٍ قاسٍ

يَسْكُنُ الحُجُرات.

وبعد نزيف وألم وذكريات جارحة، ينهي نصَّه الشعري الطويل بقوله:

وداعًا بَيتِنا القَدِيم،

لقد تسَاوَيْتَ مَعَ التُّراب،

وَاقتفيَتْ خُطى الغَائِبين.

سَلامٌ سَلامٌ أيَّتُها الغَافَة

يا شَاهِدِنا الوَحِيد

وَرفيقةِ غِبْطاتِنا وانكِساراتِنا.

وبذات الروح الشعرية الأنيقة، يكتب مبارك نصوصه في «شرفة خضراء»، بلغة مكثفة وكلمات مقطرة، وكأنه في حقل من الأزهار ينتقي منها الأجمل، تلك المفردات التي كلما قرأناها شعرنا أنها تنطبع رائحتها العطرة في أعماقنا كزهور شجرة ياسمين، وتمنحنا فرصة التَّماهي معها، جامعًا فيه نصوصًا أشبه بنثار من لؤلؤ.

وتنتهي المجموعة بنص زيتونة مباركة، يصوِّر غرسه لشَجَرة زيتونة، أمام فناء دار ريفية في مدينة غرناطة، أطلق عليها اسم عُمان، راجيًا من صديق أندلسي أن يتعهدها، علها تنمو وتثمر، وبعد سنين من الغياب، يعود الشاعر إلى تلك الريف الأندلسي الأخضر، وإلى تلك الدار الحنونة، ليجد شجرة الزيتونة، متشعبة الأغصان، وقد أثمرت، وحفر الصديق على جذعها بالأحرف اللاتينية اسم: عمان:

مُنذُ أمَدٍ بَعِيدٍ،

عِشْرونَ عَامًا على الأرْجَحِ

غَرَسْتُ شَتْلَةَ زَيْتونٍ زَاهِيَةِ الخُضْرَةِ

أمَامَ فناءِ دَارٍ رِيفيَّةٍ،

كُنْتُ أقْطُنُها في ضَواحِي غِرْناطَة.. الخ النص.

وقبل أن توشك شمعة العمر على الانطفاء، كتب الشاعر مبارك رثاء لنفسه، معبرًا فيه عن حالته الصِّحية التي عانى منها:

هَأنذا أدْفعُ الثَّمَنَ

لا أدْرِي لِمَاذا أوْ لِمَنْ؟

لكِنَّنِي أدْفعُهُ باهِضًا

مِنْ على هذا السَّريرِ

المُتَواطِئ مَع سَوْرَاتِ الألَمِ

التي لمْ تَعُدْ تُحْتَمَل

مَنسِيًا مِنْ وَطَنٍ أحْبَبْتُهُ،

وَأصْدِقاءَ لا حِيلَةَ لَهُمْ

سِوَى التَّلويْح مِنْ بَعِيد.