باحثون يناقشون الجهود اللغوية لكراع النمل في خدمة المعجم العربي
نظم النادي الثقافي ندوة فكرية حول أحد أعلام اللغة العربية حملت عنوان "أعلام ومناهج في الصناعة المعجمية.. كراع النمل وجهوده اللغوية"، بمشاركة عدد من الأكاديميين والباحثين اللغويين، بحضور مجموعة من الباحثين والمثقفين والمهتمين، وأدار الجلسة الدكتور مسعود الحديدي.
وفي الورقة الأولى التي قدمها الدكتور سعيد الزبيدي، أوضح أن الحديث عن كراع النمل متشعب، وهذه الندوة تفتح أفقًا للباحثين من جوانب للنظر في هذه الشخصية الجليلة. وانتقل بعدها للحديث عن الصناعة المعجمية في مؤلفات كراع النمل، مبينًا أن الخليل بن أحمد هو مبتكر صناعة المعجم، ويأتي كراع النمل في المرحلة الثانية قبل ابن دريد إذا ما عرفنا أنه توفي سنة ثلاثمائة وعشرة للهجرة.
ويضيف الزبيدي: إن العمل الذي قدمه كراع النمل، وتميز به هو أنه رتب كل كتبه على الحروف الهجائية وجعل لكل حرف بابا في كتبه الثلاث "المنجد"، و"المجرد"، و"المنتخب"، موضحًا أن هذه النقطة هي تحول كبير في مسألة الصناعة المعجمية التي لم يسبقه إليها أحد على الرغم من أن الدارسين موضوع المعجم العربي وأولهم الدكتور حسين نصار في بحثه "المعجم الرائد.. نشأته وتطوره"، وتلاه ثلة من الباحثين كل يوجه أن أول من ابتكر التسلسل الهجائي بعضهم يرده إلى الزمخشري، والبعض لأبي عمرو الشيباني لكن الذي تثبته هذه الندوة أن كراع النمل هو رائد من بين الرواد؛ لأننا قد نجهل الكثير من الصفحات اللغوية التي لم تنشر أو ترى النور.
من جانب آخر، أوضح الزبيدي أن موضوع الحديث النبوي الشريف توزع فيه اللغويين على ثلاث فرق، في ثلاثة مواقف. الموقف الأول هم فريق المانعون الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف، الذين ذهبوا إلى أن هناك أمرين يمنعان من رواية الحديث الأول هو تأخر تدوينه في القرن الأول هجري، والأمر الثاني أن بعض رواة الحديث جوّز الرواية بالمعنى، وفاته أن الراوي عربي فصيح.
والفريق الثاني ذهب إلى التوسط، أن الاستشهاد بالحديث الشريف موقف يجوز الرواية، ولا يوجبها.
أما الفريق الثالث فهم الذين أطلقوا في رواية الحديث وعلى رأسهم ابن مالك المتوفى سنة ستمائة واثنين وسبعين للهجرة وفي كتابه الرائد "شواهد التوضيح والتصحيح في مشكلات الجامع الصحيح.
ويبين الزبيدي أن موقف كراع النمل من رواية الحديث هو أنه استشهد بالحديث الشريف ونص عليه، وهي مسألة تعد كشفًا لغويًا في الاستشهاد بالحديث النبوي في مجال الدراسات اللغوية.
مذهبه في النحو واللغة
وقدم الدكتور سيف بن سالم المسكري، ترجمة حملت عنوان "بين مذهبين.. كراع النمل"، وأشار: تميز به أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الملقب بكراع النمل، المتوفى سنة ثلاثمائة وعشرة للهجرة، وهو يعد علمًا بارزًا من أعلام اللغة العربية.
وتطرح إلى النحاة المبرد وثعلب، اللذين كانا مرجعين لحلقتيهما العلمية في بغداد، فالمبرد يمثل المذهب البصري، وثعلبة يمثل المذهب الكوفي، وقد رافق التقسيم تعصب فكري أو نحوي من أجل الفريقين، وحين خرق الزجاج هذا التصنيف وانضم لحلقة المبرد بعد أن كان في حلقة ثعلب شكل اتجاهًا جديدًا، وهو الجمع بين المذهبين ومن هنا خفت حدة العصبية المذهبية، وظهرت طبقة أطلق عليها ابن النديم "ممن خلط المذهبين"، وممن أدرجهم في هذا التصنيف كراع النمل، فقال عنه: الهنائي اسمه علي بن الحسن ويكنى أبا الحسن من أهل مصر، وكان كوفي المذهب، وقد أخذ عن البصريين، ويعرف بالدوسي.
وهذا العالم الجليل له مؤلفات معروفة وقد طبعت، أولها كتاب "المجرد"، و"المنتخب في غريب كلام العرب"، و"المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه"، وهو أقدم معجم شامل لمشترك لفظي، وقد رتبه على ستة أبواب في: أعضاء البدن، وأصناف الحيوان، والطير، والسلاح، والسماء، والأرض.
وقد اشتهر كراع النمل وطغى عليه الجانب اللغوي إلا اننا وقفنا على ومضات نحوية، وخلصنا إلى أنه ممن خلط المذهبين البصري والكوفي، الذي يسمى مذهب الاختيار أو الانتخاب، مستشهدا بمجموعة من آرائه النحوية ليثبت ما صرح به ابن النديم، كروايته لشواهد الشعر ولغات العرب، وأبرز المصطلحات النحوية التي وردت في كتبه المطبوعة، والمسائل النحوية التي ذكرها في كتبه المطبوعة.
نماذج متفرقة
وقدم الدكتور محمد بن سالم المسلمي ورقة بعنوان "مرويات كراع النمل في لسان العرب"، ويوضح أن كراع النمل يعد من أئمة اللغة والنحو، وهو من السابقين في هذا الميدان، ومن علماء مصر الكبار، وقد أخذ عن النحويين والبصريين وصنف كتبًا في اللغة روى فيها عن أبي يوسف الأصبهاني، وأبي عبيد وغيرهم، نقل عنه ابن منظور في لسان العرب كثيرًا من المسائل وصل عددها إلى ثمانمائة وستة وسبعين مسألة. واستعرض المسلمي عددًا من النماذج على ما ذكره الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين، متطرقًا إلى معاني المفردات، والمسائل الصرفية وبها التصريف والجموع، وما ضبط بوجهين أو أكثر، وضبط المفردة بالعبارة، والصيغة المنفردة.
شواهد المنتخب
وحملت الورقة التالية عنوان "الشواهد في كتاب المنتخب لكراع النمل" قدمها الدكتور عبدالله بن مبارك السعدي، وتناول الاستشهادات التي تلاها المؤلف بقسم احتج به، وقسم انتزع منه المعنى المراد، وترتيبه في الاستشهاد لم يلتزم بمنهج واضح إذ كان يقدم الشاهد القرآني على الشعري في مواضع ويؤخره في مواضع أخرى.
مضيفًا: إن الشواهد في كتاب "المنتخب" توزعت بأربعة وثمانين شاهدًا من القرآن الكريم، وعشرة شواهد من الحديث النبوي الشريف، واثنين وخمسين شاهدًا من الأقوال والأمثال، وخمسمائة وسبعة وثلاثين شاهدًا شعريًا، مشكلة مادة إيضاحية في كتابه.
ظاهرة دلالية
وجاءت ورقة "نظرة في المشترك اللفظي عند كراع النمل" قدمها الباحث يحيى بن محمد البلوشي أوضح فيها معنى المشترك اللفظي، تعدد المعنى للفظ الواحد، وانقسم العلماء في هذه الظاهرة إلى فريقين منهم المؤيد لهذه الظاهرة كالخليل، وسيبويه، والأصمعي، والمبرد، وغيرهم، حجتهم هي السماع وهو من أصول اللغة، أما الفريق المعارض كابن درستويه، وأبو علي الفارسي، وأبو هلال العسكري.
متطرقا للأسباب التي أدت إلى نشوء ظاهرة المشترك اللفظي، وأهمها الاستعمال المجازي؛ لأن المجاز هو الذي يولد المعاني الكثيرة، والاقتراض بين اللهجات واللغات الأخرى، والتطور الصوتي. كما تطرق الباحث إلى الطريقة التي نظم بها كراع النمل، واللغات التي اعتمدها، والمشترك اللفظي، المنجد ودوره في المحافظة على لغة أهل عمان.
ويعتبر كتاب المنجد أحد المصادر التي حافظت على اللغة العربية بشكل عام، ولغة أهل عمان بشكل خاص، ومن بعض المفردات كلمة "دبة"، و"الزريبة"، و"ضاع" بمعنى تلف، و"فشَّ"، و"مزر"، كلمات فصيحة مستخدمة في اللهجات العمانية.
مكانته العلمية
واختتمت الندوة بورقة للباحث سعود بن سليمان الهنائي تناولت "كراع النمل علي بن الحسن.. حياته وآثاره"، أشار فيها إلى أن الهنائي اسمه علي بن الحسن بن الحسين الهنائي الدوسي، منسوب إلى هناءة بن مالك بن فهم.
مضيفًا: إن كراع النمل بسبب قصره أو قبحه لأنه كان دميم الخلقة، ويرجع إلى عيب جسماني فيه، وإحدى الروايات تقول بأنه سمي بذلك لجمال خطه ودقة زوايا الحروف وانحناءاتها، وعرج الباحث على شيوخه ورحلات هجرته، وأثره من الكتب، حيث بلغت مؤلفاته ثمانية عشر كتابًا، وفقد العديد منها، ووفاته التي بين أن هناك خلاف فيها وبين أنها اجتمعت في العقد الأول بعد عام ثلاثمائة هجريًا.
