ثقافة

النجمة الأمريكية جودي فوستر تتألق في تجربة فرنسيةفيلم "حياة خاصة".. دراما نفسية تقدّم الشخصيات بطريقة بوليسية

15 مارس 2026
15 مارس 2026

السيناريو والإخراج في تحدي الموازنة بين التحرّي والجريمة والتحليل النفسي

في وسط الأنواع الفيلمية التي يجري إنتاجها والتي يتداخل فيها الغث والثمين، هنالك الأفلام ذات الطابع النفسي- الاجتماعي التي تتجه مباشرة إلى الأزمات التي تعصف بالشخصية ومن خلالها يتم الانتقال إلى المجتمع الواسع.

هنا تبرز الشخصيات المأزومة بوصفها في حد ذاتها موضوعا أو أرضية يتم الانتقال منها إلى الشخصيات التي تحيط بها والتي تتفاعل معها بشكل ما، هذه العلاقة الإشكالية هي التي يتم الاعتماد عليها وتوظيفها لغرض الكشف عن المزيد من الدوافع والحاجات التي ترتبط بالشخصية.

هذه الشبكة من العلاقات هي التي اشتغلت عليها المخرجة وكاتبة السيناريو ريبيكا زلوتوفيسكي من خلال شخصية الطبيبة النفسية ليليان – تقوم بالدور الممثلة الحائزة على الأوسكار مرتين، جودي فوستر، النجمة الأمريكية المعروفة وهي تخوض تجربة فيلم فرنسي-أمريكي، (هي صاحبة أفلام: صمت الحملان، سائق التاكسي، غرفة الهلع، الاتصال، المتهمة، إيليسيوم، أنا والملك وغيرها..)، وهي في الواقع تجربة استثنائية وقد وصلت فوستر إلى مستوى عال من النضج وقد تجاوزت سن الستين لتعود إلى جمهورها بهذا الفيلم النفسي المركب.

في واقع الأمر أن السيناريو الذي كتبه آخران إلى جانب المخرجة يتشعب كثيرا ويضع الشخصية الرئيسية، الطبيبة النفسية في العديد من المواجهات والتحولات والمواقف، فهي أولا سيدة مطلقة وهي في الوقت ذاته جدة ولا تقطع تواصلها مع طليقها من أجل أن يساعدها في حل بعض المشكلات التي تواجهها وأهمها على الإطلاق إقدام إحدى مريضاتها على الانتحار بواسطة جرعة عالية من نفس الأدوية المهدئة التي وصفتها لها.

تصبح هذا الواقعة سببا في تحول الفيلم إلى نوع من أفلام الجريمة والتحري وهو ما يتم النسج عليه سرديا ضمن أغلب المساحة الزمنية للفيلم خاصة مع اتهام سيمون زوج المتوفاة، يقوم بالدور الممثل الفرنسي المعروف ماثيو اميليرك للطبيبة بأنها السبب وراء إقدام زوجته على الانتحار في مقابل الشكوك التي تساور الطبيبة بأن الزوج هو الذي كان السبب وراء الانتحار.

هذه الدائرة من الشكوك المتبادلة ما تلبث أن تتشعب بدخول ابنة الضحية واثبات التلاعب في جرعة الأدوية التي كانت أمها تتعاطاها وخلال ذلك تبرز إلى الواجهة العلاقة الإشكالية التي كانت تربط بين المريضة وطبيبتها، إذ كانت تمنحها ثقة كبيرة ولا تجد نفسها إلا وهي تكشف لها أسباب معاناتها.

أما إذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من الحياة اليومية للطبيبة ليليان فهو يتمثل في حياة شخصية كئيبة تحاول أن تتجاوز حدتها بالاقتراب من ابنها وعائلته وكذلك في إدامة التواصل مع طليقها وصولا إلى القيام بعملية تسلل إلى شقة سيمون لسرقة تسجيل صوتي للمريضة المنتحرة ثم يبرز على الجانب الآخر ارتداد بعض مرضاها عليها بأنها لم تنجح في معالجتهم بما يدفعهم إلى العلاج بالتنويم المغناطيسي.

هذا العالم المتشابك الذي يحيط بليليان أريد من خلاله أن يقدم شخصية استثنائية وهو ما اضطلعت به جودي فوستر ببراعة تمثيلها وهدوئها وتماسكها بينما بدت الحلول الإخراجية والسيناريو الذي كتبته المخرجة لا يخلو من ثغرات وإحالات غير مقنعة تحاول بثها هنا وهنا لا تقدم ولا تؤخر كإبراز عرقية المتوفاة ودينها وما إلى ذلك مما يشكل هامشا زائدا لم يضف للفيلم شيئا.

وهنا سوف نتوقف عند بعض الانطباعات والقراءات النقدية التي كتبها عدد من النقاد في قراءاتهم النقدية للفيلم ومن ذلك ما كتبه بيتون روبنسون في موقع روجر ايبيرت إذ يقول" يقدّم الفيلم دور جودي فوستر كأمريكية تعيش في باريس وذلك من خلال قصةً أنيقةً ومتميزة، في مقابل إظهار الضعف في ثقتها بنفسها من خلال تحقيقاتها وتحريّاتها، حيث تتنقل بين النظريات النفسية، وبين مرضاها الذين تتابعهم بكل حماس. ثم تتضح أكثر فأكثر التصدعات في عالم ليليان الشخصي بعد لجوئها لطليقها للكشف عما يلتبس من قضايا من حولها، مما يُلقي بظلال حادة على الشخصية إلى درجة النظر إليها على أنها مجرد امرأة باحثة عن هدف ما في الحياة. هذه الشخصية –الطبيبة النفسية ليليان، لا شك أن أداءها لتلك الشخصية متقن ومتماسك، كما أنها أجادت تجسيد ضعفها في الوقت ذاته، كاشفةً عن غطاء خارجي خشن ترتديه لحماية نفسها من الشك في ثباتها".

أما الناقد تيم غريرسون فقد كتب مقالا في موقع أي في كلوب يقول فيه "تُضفي جودي فوستر على فيلم الجريمة والغموض "حياة خاصة" رصانةً أنيقة. وكأنه فيلم رومانسي مُناسبٌ لجمهور يبحث عن ذلك النوع من السينما الشاعرية ومع انه يبدو فيلما جذابا إلا انه لا يعفي المخرجة من الوقوع في نوع من السطحية في بعض الأحيان، إذ أنها أدخلت حلولا روائية ركيكة في السيناريو الذي شاركت في كتابته، فهي في بعض الأحيان تستمتع بحشو بعض العناصر السطحية في السيناريو، داعيةً الجمهور لتذوق بعض من ذلك مما قدمته فوستر مع طاقم تمثيل متميز".

وبعد هذا فإننا سوف ننتقل مع تتابع أحداث الفيلم من الجانب النفسي من تلك الأحداث إلى الجانب البوليسي وهو الذي عززته الطبيبة ليليان عندما لجأت إلى الشرطة لمساعدتها في حل لغز انتحار مريضتها وشكها بأنه نوع من الانتحار مع عجزها عن إيجاد الدليل، هنا لا يحتاج المرء إلى أن يكون محققا بارعا ليستنتج أن الفيلم لا يهتم كثيرا بإيجاد حل للغز بينما تكون وفاة باولا ليست سوى عامل درامي استثنائي كان الهدف من ورائه إيقاظ الكثير مما هو خامل وغير منظور في شخصية ليليان، الطبيبة النفسية المتفانية التي تدرك ببطء أنها قد دخلت في دوامة من الصعب الخروج منها بسهولة.

هذا التحول باتجاه النمط البوليسي سواء على الصعيد السردي أو الدرامي والطريقة التي تم من خلالها بث الحبكات الثانوية كتدخل ابنة المتوفاة واكتشاف التلاعب في الوصفة الطبية، كل هذا لم يكن كافيا لتجاوز نوع من السطحية في المعالجة الفيلمية لهذا الجو البوليسي تحديدا الذي يحتاج إلى أدوات خاصة ليس ابسطها تطور الإيقاع الفيلمي والتعقيد الدرامي وإظهار أدلة قوية تثبت الجرم على مرتكبه وبث حبكات ثانوية تثير فضول المشاهد وهي أدوات بدت عصية على المخرجة وكاتبة السيناريو، فتعكزت على أداء جودي فوستر وما تيسر من أفعال وبنى سردية متاحة.

..

إخراج : ريبيكا زلوتوفيسكي

سيناريو: ريبيكا زلوتوفيسكي وآني بيريست وغايل ماسي

تمثيل: جودي فوستر في دور ليليان، دواننيل اوتويل في دور غابرييل، فيرجيني ايفيرا في دور باولا، ماثيو اميليرك في دور الزوج سيمون، لاونا باجرامي في دور فاليري

مدير التصوير : جورج ليشابوتيس

مونتاج: جيرالدين مانغينوت

موسيقى: روب

إنتاج : فريدريك جوف