حمدي أبو جليِّل.. البدائي لا البدوي!
لا أتذكر حمدي أبو جليل إلا ضاحكاً، الحياة بالنسبة إليه مزحة كبيرة، والكتابة مزحة أكبر، لا معنى لإنسان يعيش متجهماً، ولا معنى لكتابة طعمها مُرٌّ. كان يضحك من قلبه، وفي كل مرة يمسك بيدي ويشدها في اتجاهه، حتى يكاد أن يخلع ذراعي.
لكن المزحة الوحيدة التي لم أستسغها منه هي رحيله المفاجئ، مع أن زميلي إسلام الشيخ ذكَّرني بجملة مرعبة قلتها له قبل أسبوع من رحيله، ونحن نختار إحدى صوره الحديثة لنرفقها بمقال عنه في "أخبار الأدب". لقد أحزنني أنه بدا نحيلاً، عظام وجهه بارزة، عيناه غائرتان، وجهه مصفر كورقة قديمة. قلت لإسلام: "الموت يحوم حول رأس حمدي.. ربنا يستر"!
على مدار سنوات لم يشكُ تقريباً سوى من الصداع وألم الأسنان، واحتفظ دوماً بشريط مسكِّنات رخيص في جيبه. يمكنك أن تعتبرني أنا وهو نقيضين. لأتفه سبب أهرول إلى عيادات الأطباء والمستشفيات، بينما يكره هو مجرد ذكرهم. كان وجهه يتورم أحياناً، فتخطف زوجته سماعة الهاتف من يده، لتقول لي: "أرجوك أقنعه بالذهاب إلى طبيب!".
ربما استمع إلى صوت العقل أخيراً حين هاجمته جرثومة المعدة بمخالبها الطويلة وبدأت في افتراسه على نحو بطيء، لكنه لم يستمع إلى نصحي له بأن يتوقف عن التدخين، والطعام الدسم، فلا شيء يمكن أن يوقف رغبته في التلذذ بالحياة.
كان يجد هذه اللذة في أمور بسيطة: التدخين، القراءة، الكتابة، النميمة، السفر إلى الفيوم لزيارة أمه، أو لحراسة أرض العائلة، أو لاستعادة حكاية سقطت من رأسه عن الطفولة والصبا. كان لا يخجل من "بدويته" ولا ينفيها مع أنه كان صديقاً للنخبة في القاهرة من كل طيف؛ بل إنه يشعرك بفطريته وعفويته أنه أقرب للبدائية من البداوة.
حمدي هو أقدم صديق لي في القاهرة. عام 1995 جئت إليها في زيارة خاطفة لمدة ثلاثة أيام بصحبة صديقي الشاعر الراحل محمود مغربي، وكعادتنا مررنا على عمارات "العرائس" في شارع قصر العيني قاصدين مجلة "الثقافة الجديدة" لنسلم أعمالاً لمدير ورئيس تحريرها أحمد عبد الرازق أبو العلا ومحمد كشيك. أنهينا الزيارة في دقائق واتجهنا إلى باب الخروج واصطدمنا به قادماً على عجل لممارسة عمله سكرتيراً للتحرير في المجلة نفسها.
كانت أول مرة تقع عيني على حمدي. لم ترقني ابتسامته الساخرة وهو ينظر إلينا، كما أقلقتني الندبة على وجهه. صافح محمود مغربي، ثم سألني عن اسمي، وحين تأخرت في النطق بادر مغربي بتعريفي وقال له إنني كاتب قصة، فسألني ضاحكاً: "ما الذي يجعل كاتباً للقصة أصلع؟!"، كانت هذه هي المرة الوحيدة التي أحلق فيها رأسي بالموسى، وقلت لنفسي بينما أطالع وجهه: "هذا الإنسان لن يكون صديقاً لي أبداً!"، ثم طلب مني قصصاً غير منشورة، ولولا أن القصص مع مغربي لما حصل عليها.
كتب له مغربي أيضاً رقمي هاتف بيتينا على قصاصة ومضينا، لأفاجأ به يتصل بي قبل نهاية الشهر بيومين أو ثلاثة ليقول لي إن واحدة من القصتين ستنُشر في العدد الجديد من المجلة، وإنه معجب جداً بهما ويريد أن يقرأ لي المزيد. لم تكتمل فرحتي لأن القصة نُشِرت باسم "حسن عبد الجواد"، أرسلت إليه خطاباً غاضباً فاتصل بي معتذراً، وقال إنه نسي اسمي، ونصحني بأن أدوِّنه بعد ذلك على قصصي.
لم أنقطع عن زيارة القاهرة حتى استقررت فيها عام تخرجي 1998 والتحقت بـ"أخبار الأدب"، وحين بدأت أتلمس الحياة حول مبنى مؤسسة "أخبار اليوم" في وسط البلد اتجهت إلى معارفي، وعلى رأسهم حمدي أبو جليل. كان يقطن في "منشأة ناصر" بحلوان، الطريق إلى بيته أقرب إلى سفر، وكلما قصدته تذكرت جملة الطبيب في فيلم "أبيض وأسود" وهو ينصح البطل: "سافر حلوان.. هواها يرد الروح!". أنزل من الميكروباص وأسير في شارع محفور محاذراً أن يبتلعني. لا يمكن أن أنسى كرمه وحفاوته ومعاملته لي كشقيق.
تعرفت في بيته على الكاتب الرائع سعيد نوح، صاحب الرواية التي تحولت إلى "تريند" في وقت لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي قد ظهرت بعد وأعني بها "كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد". طاب له أن يحكي عن سعيد ومغامراته الغريبة وكرمه العجيب، وقد دعاني لزيارة دكانه في نفس الشارع. كان الدكان خاوياً تماماً إلا من آلة تصوير تقبع في مخزن صغير كالحُقِّ ملحق به، وتليفون على النصبة الأمامية، وكرسي لا أكثر. بدأ الزبائن يتقاطرون، واندهشت لأنني لم ألمح رجلاً واحداً.
كنَّ نساء أو فتيات، تأتي سيدة وتمد يدها بورقة فيها رقم تطلب من سعيد أن يتصل به، يعطيها السماعة، فتأخذ راحتها في الكلام وبعد أن تنتهي تسأله: "كم الحساب؟" ليحلف بأغلظ الأيمان أنه لن يأخذ قرشاً، ثم تأتي فتاة صغيرة وتطلب منه أن يصوِّر عشر نسخ من ورقة فولسكاب، وتضع في يده الجنيه فيعيده إليها ويقول لها: "هاتي حلاوة!". سألتُ حمدي: "كيف يكسب سعيد رزقه إذن؟!"، فيضحك قائلاً: "هو أكرم من حاتم الطائي، وبدد ماله على فقراء المنطقة".
في إحدى الزيارات إلى بيت حمدي فتح نافذة تطل باتجاه عمارة سعيد، وطلب أن أنظر إلى السطوح، وجدت سعيد يركِّب أو يحاول تعديل وضع طبق "ستالايت"، وبسرعة اتصلت به ولم يكن قد حصل على رقمي بعد، وغيَّرت صوتي، وقلت له إنني مسؤول في البلدية وإننا نراقبه الآن ونرى تحركاته فوق السطوح، وإن الجيران اشتكوا، ولو لم تنزل حالاً سنضطر إلى التصعيد، وألقى سعيد بالطبق واختفى، فغرقنا في نوبة ضحك.
استمعت من حمدي إلى روايته "لصوص متقاعدون". كل يوم جمعة يقرأ عليَّ فصلاً أو فصلين. عشت مع أبطال الرواية خاصة أبو جمال أوقاتاً ممتعة، وكان حمدي يشعر بالإطراء كلما ضحكت بسبب مشهد فيها، مثل مشهد الراوي وجارته. كانت تطلب منه كلما نزل الدَّرَج ليلقي بكيس القمامة في الشارع أن يعتبرها أمه، ويترك لها الكيس لتتخلص منه بمعرفتها، وحينما آمن بأنها أمه فعلاً وترك القمامة أمام بيتها وبخته قائلة: "حوَّلت العمارة إلى زريبة". كذلك أتذكر جيداً مشهد النجار. بنى سقفاً ممتازاً للمسجد من جريد النخل وعروق الخشب بديلاً لسقفه المنهار، ثم بدأ يختال أمام الناس واقفاً فوق السقف الجريد ليختبر قوته متحركاً فوقه بثقة متناهية، ويبدو أنه بالغ قليلاً ليبهر الناس، فقد قفز في الهواء، ولم تستقر قدماه لحظة على السقف، فانهار به ودُفِن تحت ركام الخشب والجريد والخجل!
بعد صدور الرواية اصطحبتها في رحلتي إلى صحراء وادي النطرون بصحبة وفد عالمي. أقمت في مضيفة قريبة من دير الأنبا بيشوي، وكنت أشاهد الرهبان مساءً في عز البرد متحلقين حول ركوة نار تضيء وجوههم فيبدون كأنهم أبطال في لوحة لجويا. أخرجتُ الرواية من حقيبتي وبدأت قراءتها وضحكت كأنني أقرؤها للمرة الأولى، وحاولت كتم ضحكاتي حتى لا يستاء الرهبان من هذا الضيف المخبول الذي يقهقه في غرفته وحيداً. وبعد عودتي إلى القاهرة نقلت له ما كان فتأثر معتبراً أن هذه هي شهادة كبرى في حق روايته.
بعد سفر ياسر عبد اللطيف إلى كندا صار حمدي أبو جليل الأقرب إليَّ هو وأسامة الدناصوري، وبدلاً من أن أوزع المواعيد والاهتمامات واللقاءات على الاثنين عرَّفتهما على بعضهما فتوطدت علاقتهما، وصار حمدي أقرب إلى أسامة حين انشغلتُ بأداء خدمتي العسكرية لمدة عام، وللأسف وصلني خبر بأن أسامة على فراش المرض في مستشفى بوسط البلد، وسمح لي القائد بالخروج في هذا اليوم واستطعت أن أراه للمرة الأخيرة، وكان مدهشاً بالنسبة لي أن حمدي غير موجود، ويرفض الحضور من الفيوم لرؤيته، لأنه لا يريد أن يراه على هذا النحو.
كانت غرفة مكتب أسامة مكاننا الأثير، تدور فيها مبارزات الكلام بيننا، فالاثنان حكَّاءان من الطراز الرفيع وأنا كذلك لديَّ حكاياتي وإذا تركت لهما المجال فسيحولانني إلى إنسان أخرس. كان الضحك عنواناً لهذه القعدات الخاصة، يتحدث أسامة عن جده العمدة وكيف خرج التليفون من بيته في زفة شعبية حين خسر العمودية لصالح خصمه، ويرد حمدي بأن كلباً عقره ذات يوم وهو صبي، لكنه لم يترك حقه، وكمنَ في اليوم الثاني للكلب، وأمسكه وعقره في نفس الموضع بالضبط.
نضجت صداقتنا على الهزائم الكارثية للمنتخب في نهاية التسعينيات وبداية الألفينيات قبل الصحوة بأقدام جيل وائل جمعة ومحمد أبو تريكة. ذهبنا في عام 1999 إلى بيت الكاتب الراحل محمد مستجاب وأمضينا معه بعض الوقت ثم عرَّجنا على مقهى ودفع كلٌّ منا خمسة جنيهات لنشاهد المباراة على القناة المشفرة. انتظرنا أربع ساعات والحرارة تكاد تقتلنا، فالمباراة تُلعب في الرابعة فجرًا بين منتخبي مصر والسعودية في كأس القارات نظراً لفارق التوقيت مع المكسيك، وفازت السعودية بخماسية.
خرجنا نترنح من هول الهزيمة وكنا على وشك البكاء، ثم شاهدنا المنتخب يخسر في الإسكندرية من كوت ديفوار، ويتعادل مع فرقة بالكاد تبدأ لعب الكرة هي بنين، وفجأة انتبه ثلاثتنا إلى أن النحس يرافقنا ربما لأننا معاً، فاتفقنا على ألا نشاهد أي مباراة للمنتخب سوياً حتى يفك الله الكرب، لكن المنتخب استمر في خساراته فقررنا ألا نتحدث على الهاتف قبل أي مباراة بيوم وحتى صافرة الحَكم. أوعزت لأسامة أن حمدي هو النحس، وأوعزت لحمدي أن أسامة هو سبب البلاء، واكتشفت بعد عدة أعوام أنهما اتفقا في السر على أنني غراب الشؤم!
كان أسامة يستعمل أغلفة الكتب الرديئة في صناعة أعقاب سجائره اللف، ينهض ويجول بعينيه في المكتبة ثم يتناول كتاباً ويقرأ عنوانه واسم كاتبه كأنه يتلو حكم الإعدام، ثم يمزق الغلاف ويقطِّعه بمقص صغير إلى مستطيلات يبدأ في برمها، وبعد قليل يمسك الكتاب ويقرأ منه لنضحك على ركاكة الصياغة أو سذاجة الرؤى، وحين يشعر أسامة بالتعب يتمدد على الكنبة لافاً شريط جهاز الضغط الزئبقي على يده ويبدأ في نفخ مكبسه، لننفجر في الضحك أنا وحمدي.
كان أسامة يقرأ قصائد ديوانه العظيم "عين سارحة وعين مندهشة" متفرقة قبل أن يقرر جمعها في ديوان، وأثرت فينا جداً، أو يقرأ الحكايات التي جمعها منه علاء خالد في مجلة "أمكنة" فنضحك، وكان حمدي يقرأ قصص مجموعاته "أسراب النمل"، و"أشياء مطوية بعناية فائقة"، و"طي الخيام"، وكنت أحبُّ أن يقرأ قصة "فمي" ففيها يصف وجهه وفمه وأسنانه وندبته التي تجعله مثل قاطع طريق في عين أي إنسان يقابله للمرة الأولى. كان يضحك كلما بُحت له بسرٍّ وطلبت منه ألا يفشيه ويقول: "حسك الأمني رهيب.. ما هو السر فيما قلته؟!"، ثم يضحك.
صار هو وأسامة أقرب الناس إليَّ. زوجتي اتصلت بهما حين تعرضتُ لوعكة صحية في بداية الألفية. صعد حمدي إلى الطابق الحادي والعشرين حيث أسكن وحملني إلى المصعد، وحين رآنا أسامة فتح باب السيارة وهرول باتجاهه ليساعده، ومدداني على الكرسي الخلفي لسيارة أسامة الخضراء، كنت محموماً وأهذي وسمعت الاثنين يتشاجران في مستشفى لأن الأطباء رفضوا استقبالي، ورغم الألم الذي يأكل روحي شعرت بالدفء في وجودهما كأنهما ملاذي الأخير. أدرك الآن بعد رحيلهما أنهما كانا دائماً ملاذي الأخير.
------
حمدي أبو جليّل كاتب مصري ولد في الفيوم سنة 1967، وتوفي يوم 10 يونيو 2023.
له عدة مجموعات قصصية هي "أسراب النمل"، "أشياء مطوية بعناية فائقة"، و"طي الخيام"، وعدة روايات: "لصوص متقاعدون" التي تُرجمت للإنجليزية والفرنسية والإسبانية، و"الفاعل" التي فازت بجائزة "نجيب محفوظ" سنة 2008، و"قيام وانهيار الصاد شين"، وصدرت روايته "ديك أمي" بعد وفاته.
وله أيضاً عدة كتب هي "القاهرة شوارع وحكايات"، و"الأيام العظيمة البلهاء.. طرف من خبر الدناصوري"، و"نحن ضحايا عك".
