الإذاعة ليست ماضيا.. بل حرفة تتجدد
تحتفل إذاعة سلطنة عمان باليوم العالمي للإذاعة الذي يُصادف الـ 13 من فبراير كل عام، ويأتي تحت شعار"(الإذاعة والذّكاء الاصطناعي) "، في إطار من الأهمية البالغة للخارطة الإعلامية التي تعيد رسمها التكنولوجيا، لاسيما أن الإذاعة ليست وسيلة إعلامية فقط، بل كونها ألفة نابعة من صوت يحفظه المستمع بدفئه الإنساني، ووصوله لأبعد نقطة عبر تردد القنوات.
ومع التسارع في تغير صيغة ولغة وشكل وسائل الإعلام، فالتجديد أصبح ضرورة، مواكبة لكل متغيرات العالم، وتماشيا مع مستجدات العصر الرقمي، فيما تواجه الإذاعة سؤالا أشد عمقا: كيف نحافظ على الهوية وروحها رغم التطور؟ ورغم تحديث الأدوات يبقى للصوت والكلمة شكلها وهويتها، حفاظا على الروح في المحتوى.
وفي استطلاع لآراء العاملين في القطاع الإذاعي، وما يواجهونه من حقيقة أن التطور لا يطال المحتوى بقدر ما يعيد صياغته، ولا يمس في المضمون بل بأدواتها المتجددة.
وحول ذلك قال يوسف اليوسفي –مدير عام إذاعة سلطنة عمان- : "حين نتحدث عن اليوم العالمي للإذاعة تحت شعار "الإذاعة والذكاء الاصطناعي"، فإننا لا نتحدث عن تكنولوجيا تختزل التجربة الإذاعية في خوارزميات، ولا عن سباق تقني محض، بل عن مسؤولية مهنية في زمن الفيض المعلوماتي والتقنيات الذكية متعددة الأوجه".
وأضاف: "القضية اليوم لا تكمن في امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي أو تبنيها فحسب، بل في كيفية توظيفها بوعي ومسؤولية؛ توظيف يعزز جودة الأداء الإذاعي، ويرتقي بالمحتوى، ويدعم دور الإذاعة في بناء الوعي المجتمعي، دون أن يمس رسالتها الإنسانية أو يفقدها خصوصيتها كوسيط يقوم على الكلمة الموثوقة، والصوت المسؤول، والعلاقة المتوازنة مع الجمهور، نحن نؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الصوت أمانة، وأن التقنية – مهما بلغت من تطور – تظل بحاجة إلى عقل مهني يوجّهها، ومنظومة قيم تضبط استخدامها، وفي إذاعة سلطنة عُمان، ينطلق تعاملنا مع التحول الرقمي من هذا الفهم".
تغير أسلوب الإعداد
تبدأ فكرة التغيير من الإعداد للمحتوى الإذاعي، حيث فرضت المنصات الرقمية واقعا جديدا على وسائل الإعلام، والإذاعة لم تعد بمعزل عن هذا التحول، حول ذلك قال أنس المشيفري معد برامج في إذاعة سلطنة عمان: "كوني معدّ برامج إذاعية عملت في هذا المجال لأكثر من عشر سنوات، أستطيع القول إن أسلوب إعداد المحتوى تغيّر بالفعل مع ظهور المنصات الرقمية، لكنه لم يتغيّر في جوهره. الإعداد في أساسه مهارة تقوم على إيصال المعلومة بأسلوب يلامس الناس ويصل إليهم بوضوح وجاذبية. هذا الجوهر لم يتبدل، لكن أدواته وإيقاعه تطوّرا".
وأضاف المشيفري: "في السابق، كنا نُعدّ البرامج المباشرة بروح مختلفة عن البرامج التسجيلية، ولكل منهما منهجيته، كما أن البرامج القصيرة تتطلب تكثيفاً وذكاءً في اختيار المفردة والزمن. كنا -ولا نزال- ننطلق من سؤال أساسي: من هو الجمهور؟ وما الأسلوب الأنسب لمخاطبته؟ فالإعداد ليس قالباً ثابتاً، بل عملية مرنة تُبنى وفق طبيعة البرنامج والفئة المستهدفة".
وقال أيضا: "مع المنصات الرقمية، برز عنصر السرعة والاختصار بوصفهما سمة العصر، أصبح المحتوى أكثر تكثيفاً، والإيقاع أسرع، والمنافسة أكبر. وهنا كان على المعدّ أن يكون أكثر مرونة ووعياً بالمنصة التي يُنتج لها: خصائصها، جمهورها، وسلوك المتلقي فيها. لم يعد يكفي أن ننتج مادة جيدة، بل يجب أن نعرف كيف نعيد صياغتها لتناسب كل منصة، مع الحفاظ على رسالتها وأهدافها".
وعرج المشيفري في حديثه لاستخدام الذكاء الاصطناعي فقال: "الذكاء الاصطناعي جاء كأداة مساندة تسهّل وتسّرع بعض مراحل العمل، من البحث إلى التحليل وحتى تنظيم الأفكار. هو لا يلغي دور المعدّ، بل يعزّزه إذا أُحسن استخدامه. يمكن القول إنه يمنح المعدّ قدرة أكبر على مواكبة هذا التسارع الهائل في تدفق المحتوى، وكأنه يوسّع دائرة الإنتاج دون أن يمس جوهره الإبداعي".
الإذاعة محتوى متعدد القنوات ..
وأكد جاسم البداعي - معد برامج إذاعية- إلى أن التجديد والتطوير أصبح ملاحظا في السنوات الأخيرة، وقال: "أسلوب إعداد المحتوى الإذاعي تغير لكن هذا التغيير تكميلي وليس جوهري، في الواقع الإذاعة اليوم لا تعد المحتوى فقط للبث المباشر، بل يتم تصميمه ليصبح قابلاً لإعادة الاستماع بل أصبح التركيز الآن على التفاعل المباشر مع المستمعين، واستخدام البيانات والتحليلات لتحديد اهتمامات الجمهور مثل البودكاست، المقاطع القصيرة، والمحتوى التفاعلي عبر وسائل التواصل".
وأضاف البداعي: "على مستوى العمل الإذاعي، انعكس هذا التحول في أسلوب الإعداد؛ إذ أصبحنا كمُعدي برامج نولي اهتمامًا أكبر بهيكلة الحلقات بمرونة تتيح تقديم المحتوى بصيغ قصيرة أو ممتدة، بما يتلاءم مع تنوع أنماط الاستماع، كما نحرص على استخدام لغة إذاعية مشوقة تحافظ على انتباه المستمع، سواء أثناء البث المباشر أو عند إعادة الاستماع والمشاركة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وفي ظل المنصات الرقمية، تحولت الإذاعة إلى محتوى متعدد القنوات يتكامل فيه الصوت مع الصورة والنصوص والروابط التفاعلية التي تُثري التجربة السمعية، مع بقاء جوهر الإذاعة ثابتًا بوصفها فن إيصال المعلومة عبر الصوت الحي بأسلوب جذاب وقريب من الجمهور".
مفهوم التجديد دون فقدان الهوية
تعد الإذاعة وسيلة تقليدية لها طابعها الخاص، وعلى الرغم من أن التجديد أصبح ضرورة، إلا أن الإذاعة والتي هي فن عريق تواجه السؤال: هل التجديد يمكن أن يبدد ملامح هويتها؟ وإجابة على ذلك يقول محمد الشملي – مخرج برامج إذاعية-: "كشخص يعمل في الإذاعة من خلف الميكروفون وأمام غرفة التحرير، أرى أن مفهوم التجديد لدى الإذاعيين لا ينفصل عن فهم عميق لهوية الصوت ورسالة المحتوى.
التجديد الحقيقي لا يكون في اللهاث خلف التقنيات فقط، بل في توظيفها لخدمة المضمون، وتحديث أدوات الإنتاج وأساليب التفاعل دون المساس بروح الإذاعة القائمة على البساطة والصدق والقرب من الناس.
فالإذاعة قادرة على التكيّف مع المنصات الرقمية والبودكاست ووسائل التواصل، لكنها تظل وفيّة لجوهرها كوسيلة تعتمد على الصوت الإنساني، والحكاية، وبناء الثقة مع المستمع. التجديد إذًا هو أن نواكب الوسائل دون أن نتخلى عن جوهرنا: صوت يلامس، مضمون يثري، ووجود يظلّ موثوقًا في حياة الناس".
وحول ذلك قال المذيع خالد البداعي: "التجديد مهم جدًا في الأسلوب لا المضمون وفي الطريقة لا الجوهر وهذا يتيح لك كمقدم في الإذاعة أن تنوع في المحتوى الرصين والمحافظ على القيم والهوية والهدف وتبثه بأساليب حديثة ومبتكرة وفي العرف الإذاعي في تقديم أي محتوى يأتي التجديد الحقيقي من احتياجات المستمعين لا من تقليد الآخرين".
الإذاعة مهنة وليست عمل
ويدرك العاملون في الإذاعات على أن العمل الإذاعي ليس وظيفة يومية، بل هي التزام يتجاوز ساعات البث، فالصوت –أمام اللحظة الإنسانية- يتحول لأمانة، والقضايا المجتمعة تحول العمل إلى مهنة، وحول ذلك قالت المذيعة مشاعل القاسمية: "لطالما كان هذا الشعور يسكنني منذ لحظة قررت دراسة الإعلام في الجامعة ثم مواصلة الدراسات العليا.
لم أنظر للإعلام يومًا على أنه وظيفة تؤدى في ساعات محددة بل رأيته التزامًا معرفيًا وإنسانيًا ومسؤولية أخلاقية قبل أن يكون حضورًا صوتيًا، شعرت أن الإذاعة مهنة حين أدركت أن كل كلمة تُقال عبر الأثير يمكن أن تُواسي قلبًا أو تفتح أفقًا أو تُغير فكرة.
حين فهمت أن ناقل الصوت ليس أداة بل أمانة. وأن الإعداد والبحث والتدقيق وتجويد اللغة وصناعة المحتوى، كلها تفاصيل تصنع الفارق بين موظف يقدّم برنامج ومهني يصنع أثر.
وأضاف: "بالنسبة لي الإذاعة حرفة تتجدد لأن الإنسان يتجدد، والقضايا تتجدد، والرؤى تتجدد، ونحن نلتقي عبرها كل يوم بنبض مختلف".
مهنة لها تأثير وبصمة
وحول ذلك قالت شمس الريسية- مخرجة برامج إذاعية: "الحقيقة أنني دخلت الإذاعة منذ البداية بشغف وقناعة وحب تام لهذا المجال، لكن كانت هناك لحظات معينة حوّلت هذا الحب إلى إحساس عميق بالمسؤولية المهنية.
أتذكر عندما كان الضيوف يأتون للاستديو ويقولون: “أنتِ شمس؟! أخيراً شفنا شمس!” - هذا الشعور بأن بصمتك أصبحت مألوفة ومؤثرة لدرجة أن الناس يشعرون أنهم يعرفونك، رغم أن عملي خلف الكواليس ولا يذكر إلا أن اسمي المذكور في ختام كل حلقة من البرنامج، أو عندما تصل رسائل من المستمعين أثناء البرنامج يقولون: المخرج اليوم شمس، صحيح؟ يعرفون أسلوبي وبصمتي الإخراجية حتى قبل أن يُعلن اسمي، وحتى عندما ألتقي بأناس خارج نطاق العمل ويقولون: “استمعنا لبرامج باسمك” ويشيدون بمحتواها - كل هذه اللحظات أعطتني بُعداً آخر للعمل، هنا أدركت أن الإذاعة ليست مجرد وظيفة تؤديها ثم تنساها، بل مهنة لها تأثير حقيقي، ومسؤولية تجاه كل من يستمع، وبصمة تبقى في ذاكرة الناس".
ما الذي لا يمكن أن تفقده الإذاعة مهما تغيرت؟
رغم كل التحولات التقنية، تبقى الإذاعة مع تغير منصاتها وأدواتها لها خصوصيتها الثابتة، وجمهورها المُحب، وصوتها الذي يعلق في الأذهان، ربما يعود ذلك لصوتها الصادق، وقربها من الناس، ومصداقية لم تنشأ في يوم وليلة، بل بنيت منذ عقود طويلة.
قدمنا سؤالا أقرب للعاطفة والوجدان للعاملين في الإذاعة حول ما لا يمكن أن يفقد، وما هو الشيء الذي يحافظ على روح الإذاعة؟
قال هيثم الزدجالي: "ما لا يمكن أن تفقده الإذاعة مهما تغيّرت هو جوهرها الإنساني.
الإذاعة ليست جهاز بثّ ولا تردّدًا على الموجة، بل علاقة ثقة طويلة بين صوتٍ ومستمع. قد تنتقل من الراديو التقليدي إلى التطبيقات والمنصات الرقمية، وقد تتغير عادات الاستماع، لكن الحاجة إلى صوت صادق يرافق الناس في تفاصيل يومهم تبقى ثابتة.
الإذاعة تمتلك ميزة لا تزاحمها فيها أي وسيلة أخرى: أنها تخاطب الخيال لا العين، وتترك مساحة للمستمع ليكون شريكًا في المعنى لا متلقّيًا سلبيًا، وما لا يمكن أن تخسره أيضًا هو قدرتها على الإصغاء للمجتمع، على التقاط نبض الناس، وأسئلتهم، ومخاوفهم، وأفراحهم، وتحويل كل ذلك إلى محتوى حيّ يشعر المستمع أنه كُتب له لا عنه. التقنية قد تختصر المسافات، لكن الصوت وحده هو القادر على خلق الألفة، وعلى مرافقة الإنسان في وحدته، وفي عمله، وفي سفره، وحتى في صمته".
وقال خالد البداعي: شكل المنصة الإذاعية وموسيقاها وسرعة إيقاعها قد تتغير ولكن نبرة صوت المذيع وعفويته وضحكته وحميميته مع الأذن التي تصغي إليه كل ذلك باقٍ لا يتغير ، كذلك القرب من الناس ببساطة الإذاعة مع الموظف في سيارته والطالب في الحافلة والمستمع في البيت كل ذلك أيضًا لا يفقد في الإذاعة".
وقالت مشاعل القاسمية: "قد تتغير التقنيات وتتعدد المنصات ويتحوّل البث من موجات تقليدية إلى منصات رقمية... لكن الإذاعة لا يمكن أن تفقد روحها الإنسانية ولن تفقد دفء الصوت ولن تفقد الصدق ولن تفقد قدرتها على أن تكون قريبة دون أن تُرى".
وقال أنس المشيفري: "أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الصوت الإنساني. الإذاعة ليست مجرد وسيلة، بل علاقة حميمة بين صوت ومستمع. قد تتغير الوسائط، وتتعدد المنصات، بل وحتى تُنتج أصوات اصطناعية، لكن الحس الإنساني، والصدق في الطرح، والقدرة على التأثير، ستظل عناصر لا يمكن استبدالها، ما دام الصوت حاضراً في حياة الناس".
وقالت شمس الريسية: "مهما تطورت الإذاعة وتغيرت أشكالها، هناك ثوابت لا يمكن التخلي عنها. الصوت هو جوهر الإذاعة، رغم ان البعض تحول للبث المرئي، لكن الصوت يظل هو الأساس لأنه الأكثر حرية وسهولة في الوصول.
يمكنك الاستماع وأنت تقود، تعمل، تطبخ، او تتحرك، الصوت لا يطلب منك أن تتوقف أو تنظر، بل يرافقك أينما كنت. هذه المرونة لا تُضاهى، و هناك تلك العلاقة الخاصة بين المذيع والمستمع - علاقة بُنيت على الألفة والثقة عبر السنين. الإذاعة تدخل حياة الناس بهدوء، تصبح عادة يومية، رفيقاً مألوفاً. هذه الحميمية لا تُصنع بسهولة ولا يمكن استبدالها، وأخيراً، المصداقية - بدونها تفقد الإذاعة معناها. الثقة التي يمنحها المستمع لصوت يسمعه كل يوم هي ما يجعل الإذاعة مؤثرة وحاضرة رغم كل التغيرات".
وقال جاسم البداعي: "لا يمكن للإذاعة أن تفقد ثلاثة مرتكزات أساسية تُشكل جوهر هويتها الإعلامية. أولها الثقة والمصداقية؛ ففي زمن تتزاحم فيه الأخبار غير الدقيقة والمحتوى المضلِّل، تبقى الإذاعة الموثوقة ملاذًا للمستمع الباحث عن معلومة دقيقة ومعالجة مهنية قائمة على التحري والالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي، وهي ثقة تُبنى ولا تُشترى.
وثانيها الرفقة والتفاعل الإنساني؛ فالإذاعة ليست مجرد وسيط ناقل، بل رفيق يومي حاضر في تفاصيل حياة الناس، من السيارة إلى البيت ومكان العمل، وقدرتها على التواصل الصوتي المباشر، ومخاطبة هموم الجمهور بلغة بسيطة وصادقة، تصنع علاقة حميمة يصعب على المنصات الرقمية الأخرى تعويضها بالكامل.
أما الركيزة الثالثة فهي السرعة والبساطة وسهولة الوصول؛ إذ تظل الإذاعة الوسيلة الأسرع والأوسع انتشارًا، لا تتطلب تقنيات معقدة أو اتصالًا عالي السرعة، ما يجعلها حاضرة للجميع، وذات قيمة استثنائية في الظروف الطارئة والمناطق البعيدة.
ومهما تغيرت الوسائط وتطورت الأدوات، يبقى هذا المزيج من الثقة والرفقة وسهولة الوصول هو ما لا يمكن أن تفقده الإذاعة، وهو سر استمرارها وتأثيرها".
