احتمالات بيضاء... قراءات في أدب الحرية الفلسطيني
بطبعة أنيقة ثانية صدر كتاب "احتمالات بيضاء" للكاتب المحامي حسن عبادي عن دار نشر الرعاة برام الله، وقد حرره الكاتب فراس حاج محمد، و جاء ب 300 صفحة من القطع الكبير، غلاف الكتاب ازدان بأغلفة كتب الاسرى الفلسطينيين الكتّاب في القصة والرواية والشعر، وقد اهدى الكاتب عبادي الكتاب الى حفيديه ماهر ووليم وزوجته سميرة التي شجعته على الكتابة والى كل حرف حر كتب حرفا حفر في ذاكرته وشكّل قطعة من لوحة فسيفساء لم تكتمل بعد. يبتكر عبادي مصلحا جديدا لأدب السجون، هو أدب الحرية لديه فلسفته للاسم، سنتعرف عليها بعد قليل، ما يميز كتاب عبادي هو كونه صاحبه، فعبادي ليس فقط كاتبا، هو محام مشهور في الدفاع عن حقوق وحياة اسرى فلسطين في سجون الاحتلال، يزورهم باستمرار بحكم كونه يسكن حيفا في فلسطين عام 48، ينظر الفلسطينيون الى المحامي عبادي نظرة احترام كبير كونه يدافع عن أبنائهم ويطمئن على احوالهم، ويفضح ممارسات السجّانين، يشجعهم على الكتابة ،يطبع كتبهم يتابع نشرها، و يكتب نقدا لها، اذن هذا ليس كاتبا عاديا، فهو ممارس لمهنة مقدسة يحتاجها الفلسطينيون أيّما حاجة، خاصة هذه الأيام الجحيمية التي يعاني منها المعتقلون في عهد بن غفير المتوحش. الكتاب امتداد لمشروع توثيقي مهم جدا، افتتحه عبادي ب بكتاب "الكتابة على ضوء شمعة 2022"، ليتبعه كتابان آخران: "يوميات الزيارة والمزور 2024"، و"زهرات في قلب الجحيم 2024". هذه الحلقات الأربع، كما يقول مقدم الكتاب الناقد والكاتب المعروف فراس حاج محمد، تشكل سلسلة متصلة تهدف إلى توثيق تجربة الأسرى كجزء من الذاكرة الوطنية، وهو مشروع ممتد منذ سنوات، وقد بدأه الكاتب عبادي منذ عام 2019 مع بداية زياراته للأسرى الكتّاب في سجون الاحتلال..
الكتاب مجموعة من المقالات النقدية لعدد من إصدارات الكتّاب الاسرى في سجون الاحتلال، أجمل فيها هو عفويتها وإنفلاتها من القيود الاكاديمية والمصطلحات الجاهزة، أما عن تسمية هذا الادب بأدب الحرية فيكتب حاج محمد:
(إن التمييز المحوري الذي يقترحه المؤلف، بين مصطلحي "أدب السجون" و"أدب الحرية" ليس مردّه التفضيل اللغوي لمصطلح على آخر، بل يحمل تحولا فكريا وفلسفيا عميقا، إن "أدب السجون" العربي غالبا ما يصف أدبا يدعو إلى اليأس وتثبيط العزائم وزرع الخوف، بينما "أدب الحرية الفلسطيني" هو غصن وارف من أدب المقاومة الذي يهدف إلى شحذ همم المقاوم والمعتقل. يعكس هذا الأدب "فلسفة التحدي" ويؤكد ضرورة المقاومة حتى وإن كان الثمن باهظا، سواء أكان سجنا أم نفيا أم قتلا، يرفض هذا التمييز الرؤية الاستسلامية ويؤكد أن السجن ليس نهاية المطاف، بل هو ساحة أخرى للنضال الفلسطيني الممتد تاريخيا، وجغرافيا، والمتعدد في أشكاله. هذا التحول الفكري لدى المؤلف، يعكس وعيا متزايدا لدى الأسرى أنفسهم بأهمية السردية المقابلة للسردية المهيمنة للاحتلال الصهيوني، وتوج هذا التحول بمشاركته في تنظيم "مؤتمر أدب الحرية" في عمان عام 2025).
يروي عبادي عن بداية اهتمامه بأدب الحرية الفلسطيني هذه الحكاية الطريفة والمؤلمة:( بدأت مشوار التواصل مع الاسرى الكتّاب خلف القضبان، وهناك سمعت من أ حدهم هذه القصة : دخل أسير لمكتبة السجن سائلا عن كتاب، فأجابه السجّان: الكتاب ممنوع وغير متوفر لكن صاحبه في الزنزانة رقم 110.).
الكتاب يحتوي اكثر من 30 مادة نقدية عن إصدارات الاسرى الكتاب منها صدى القيد للاسير الكاتب احمد سعدات ووجع بلا قرار للكتاب كميل أبو حنيش وكتاب كفاح كفاح للاسير كفاح حطاب ومرايا الأسر للكاتب حسام كناعنة وتحت عين القمر للكاتب معتز فخري وكتاب قبة السماء لرفيقة درب الأسير إبراهيم سلامة، وغيرها من المقالات.
يذكر بأن العديد من هؤلاء الكتّاب خرج في صفقة المقاومة الأخيرة ويتواجد الآن في مصر وتركيا، أما كتبهم فقد تمت طباعتها، وهي متوفرة في المكتبات.
