الكاتبة الأردنية نداء غانم: قرأت قصص "فلنذهب معاً إلى النهر" بقلب أمٍّ
نداء غانم كاتبة ومترجمة أردنية تقيم في دبي لها كتاب بعنوان "خفيف كالهواء، ثقيل كمروحة" وهو مجموعة من النصوص الأدبية القصيرة التي تميل إلى الشذرات والقصص القصيرة جدًا. كُتبت نصوصه على فترات متباعدة ونُشرت بدايةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تُجمع لاحقًا في كتاب واحد. يتميَّز بخفَّة لغته وقصر نصوصه، لكنه يترك أثرًا تأمليًا عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية واللحظات العابرة، وقد شكَّل تجربة أولى في النشر لها، وها هي تنشر قصة طويلة لها في مجموعة مشتركة بعنوان "فلنذهب معاً إلى البحر".
عملت نداء في مجالي التعليم وتكنولوجيا المعلومات، وترجمت روايتي "الرئيس اختفى" لبيل كلينتون وجيمس باترسون و"آرثر وجورج" لجوليان بارنر. حول تجربتها في الكتابة والترجمة يدور هذا الحوار.
أبدأ معك من السيرة الذاتية المبتكرة لكِ والتي وردت في الكتاب القصصي المشترك "فلنذهب معاً إلى النهر"، وهي "تشبه نداء نافذة صامتة في طابق علوي لقمة برج شاهق، قد لا يرفع الكثيرون أبصارهم ليروها لكنها تطلُّ على عوالم وتفاصيل لا تُعدُّ".. بشكل أبسط ماذا يشير إليه هذا التعريف لك ككاتبة وإنسانة؟
ميلي إلى العزلة أعمق من أن يكون مجرد هروب من الضجيج، إنه اختيار واعٍ، ومسافة أحرص على الحفاظ عليها. في هذا البعد الهادئ عن الجلبة اليومية تتضح التفاصيل الدقيقة للحياة، تلك التي تلتقطها العين قبل أن تُكتب على الورق. الكتابة عندي ليست بحثًا عن الانتباه، بل محاولة صادقة لفهم ما لا يُفهم بسهولة، في صمتٍ يكفيني.
هناك أثر واضح لمدينة دبي التي تعيشين فيها على القصة، فثمة أبراج شاهقة وجنسيات متعددة.. كيف ترين أثر المكان في قصتك؟
المكان ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر حي يشارك في تشكيلها. مدينة مثل دبي، بأبراجها الشاهقة وتنوعها الثقافي وتعدد جنسياتها، تخلق حالة خاصة من الأسئلة حول الهوية والانتماء، وربما العزلة أيضًا. هذه التفاصيل تتسلل إلى الكتابة بشكل طبيعي، لأن الكاتب في النهاية يكتب من المكان الذي يعيش فيه، ومن الأسئلة التي يثيرها هذا المكان في داخله.
"مصابيح الذاكرة" هل هي قصة عن الافتقاد أو عزلة البطلة في مدينة حديثة أو ما يتبقى في الذاكرة عن أشخاص رحلوا كالأم مثلاً؟
مصابيح الذاكرة هي كل ذلك معًا.
هي قصة عن العزلة والاغتراب والفقد، وعن ذلك الضوء الخافت الذي تتركه الذاكرة خلفها. ما يتبقى في داخلنا من أشخاص مرُّوا في حياتنا، من مواقف ومشاعر، يصبح أحيانًا أكثر حضورًا من الواقع نفسه.
لماذا اخترتِ التركيز على استبطان مشاعر البطلة أكثر من التركيز على مشاهد حياتها الواقعية؟
ثيمة القصة نفسها قادتني إلى هذا الخيار. عندما تكون الفكرة مرتبطة بالذاكرة والمشاعر الداخلية يصبح استبطان العالم النفسي للشخصية أكثر أهمية من متابعة تفاصيل حياتها الخارجية. لذلك جاء التركيز على الداخل أكثر من المشهد الواقعي.
لماذا قررتِ المشاركة في هذه المجموعة القصصية المشتركة؟
المجموعة جاءت نتيجة ورشة متقدمة لكتابة القصة القصيرة جمعتني بقاصّات مميزات سعدت بالتعرّف إليهن واحدة تلو الأخرى.
كما أنني أؤمن بأن الكتابة المشتركة لا تنتقص من العمل الإبداعي، تمامًا كما أن الكتابة الفردية لا تمنحه أفضلية مطلقة. كل تجربة تضيف شيئًا جديدًا للكاتب.
كيف قرأتِ قصص بقية الكاتبات وما أقرب صوت إلى ذائقتك؟ وماذا يعني أن يكون العمل أنثوياً بالكامل؟
قرأت هذه القصص بقلب يشبه قلب أم شهدت ولادة كل قصة على حدة، فقد عرفت بذورها الأولى حين كانت مجرد أفكار أو مسودات خلال الورشة، ثم رأيتها تكتمل وتتشكل حتى وصلت إلى صورتها النهائية في الكتاب.
لكل قاصة صوتها الخاص وأسلوبها الذي يميزها ويمنح قراءتها مذاقًا مختلفًا. الكتابة تحدٍّ للجميع، لكنها بالنسبة للمرأة كثيرًا ما تكون معركة داخلية قبل أن تكون مواجهة مع العالم. في هذه المجموعة اجتمعنا ككاتبات لكل منا صوتها، لعل هذا الصوت يصل إلى القرّاء في أماكن مختلفة.
أنتِ مترجمة ونقلتِ إلى العربية عدة أعمال مهمة.. هل عطَّلت الترجمة ظهورك ككاتبة؟ وما أثرها الإيجابي عليك؟
الترجمة في جوهرها شكل من أشكال الكتابة، لكنها كتابة بصوت الآخر. إنها أشبه بعزف موسيقى غيرك بلغتك.
الترجمة والكتابة يشبهان طفلين يتنازعان مكانتهما في القلب. ربما نجحت الترجمة أحيانًا في إزاحة الكتابة قليلًا، لكنها في الوقت نفسه أثرت أسلوبي وجددته وأضافت لي الكثير. كل كاتب ترجمت له ترك أثره الخاص في طريقتي في النظر إلى النص، فمع جيمس باترسون تعلّمت إيقاع السرد السريع وبناء التشويق الذي يُبقي القارئ متيقظًا حتى النهاية، بينما مع جوليان بارنز اكتشفت جمال الاقتصاد في اللغة والقدرة على تحويل الأسئلة الفلسفية والذاكرة إلى مادة سردية عميقة، إضافة إلى ما تعلمته من ترجمة المقالات الأدبية لعدد من الكتَّاب.
عضويتك في عدة أندية للقراءة ماذا أفادتك؟ هل تعتبرين أنك قارئة في المقام الأول؟
أعرِّف نفسي كقارئة في المقام الأول.
نوادي القراءة تجربة ثرية ومتكاملة أنصح بها دائمًا. مناقشة الكتب بشكل جماعي تفتح أمام القارئ زوايا جديدة للنص، وتجعله يرى الكتاب من منظورات متعددة، كما تعرِّفه على عوالم أدبية وأنواع مختلفة من الكتب ربما لم يكن سيصل إليها وحده.
لماذا تهتمين بالكتابة الذاتية وأدب السيرة؟
الكتابة الذاتية الجيدة تحمل قدرًا من الضعف الإنساني.
ليس المطلوب أن يظهر الكاتب قويًا طوال الوقت، بل أن يكون صادقًا وحقيقيًا. السيرة الذاتية تتيح لنا أن نقرأ حيوات الآخرين من الداخل، وأن نتأمل التجربة الإنسانية بكل ما فيها من هشاشة وصدق.
ما جيلك في الأردن وكيف تتفاعلين مع الحركة الأدبية هناك؟
أتابع الحركة الأدبية في الأردن من خلال قراءة أعمال العديد من الكتّاب في الرواية والقصة والكتب غير الروائية، كما أن علاقتي جيدة ببعضهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. يصعب حصر الأسماء، لكن الأردن تضم كتّابًا مميزين، ومن بينهم مثلًا هشام بستاني وأماني سليمان على مستوى القصة القصيرة.
أما مسألة الجيل فهي مفردة تثير داخلي كثيرًا من الأسئلة، إذ لا أعرف حقًا إلى أي جيل أنتمي.
⸻
ما عملك القادم.. وما حلمك للأدب؟
لا أفضل عادة الإفصاح عن عملي القادم قبل أن يكتمل، فأنا أحب أن يعلن العمل عن نفسه عندما يحين وقته.
أما حلمي للأدب فبسيط وممتد في الوقت نفسه: أن أبقى قادرة دائمًا على أن أفهم نفسي وأفهم ما حولي من خلال الكتابة.
