أجراس - طوافين الشعراء: أحلام مؤجلة
الماء والريح مني
الطين منك،
والحجارة الصماء، وهذا الفلك لي
ينقصني فقط قليل من الظلام
وبعض الهاربين
ليكتمل الطوفان
فتح الله بوعزة
***
تمثل قصة الطوفان مشتركاً سرديًا لمعظم أساطير الشعوب والحضارات القديمة والديانات، وإن اختلفت في بعض تفاصيلها. فقد وجدت في أساطير حضارات وادي الرافدين مثل السومرية والبابلية وفي ملحمة جلجامش العظيمة، وفي أساطير اليونان والديانة الزرادشتية أو المجوسية، وفي الديانة الهندوسية. كما وردت في التوراة والقرآن الكريم.
ولئن كان الطوفان في بعده الطبيعي يمثل قوة تدميرية هائلة مثل البراكين والأعاصير والزلازل، فإنه في أبعاده الدينية يمثل جانبا من غضب الرب وانتقامه من البشر بعد أن يسود الطغيان والفساد وتنتشر المعاصي والموبقات ويتعذر الإصلاح.
وقد وظف كثير من الشعراء قصة الطوفان في قصائدهم، وإن كان لكل شاعر طوفانه الخاص، وفقًا لأهدافه الفنية والحمولات الفلسفية والفكرية التي يتوخى تضمينها في النص، مثل آرتر رامبو وأمل دنقل ومحمد الفيتوري وقاسم حداد ومحمد علي شمس الدين، وغيرهم.
أمل دنقل يجري (مقابلة خاصة مع ابن نوح)، ولعله يشير إلى الابن الذي تمرد رافضًا ركوب السفينة، وفضل أن يأوي إلى جبل يعصمه من الماء. إنه يأخذ ملمح الخروج عن القطيع في موقفه المناوئ للجموع التي ركبت موجة الفساد، فآثر هو أن ينحاز لصوت الشباب المناضل من أجل مبادئ العدالة والحرية والإصلاح، ومن أجل إنقاذ سفينة الوطن في وجه طوفان الهزائم والخيانات، وهو يشهد اندلاع الطوفان ويسجل لحظات غرق المدنية بتفاصيلها أمام ناظريه:
جاء طوفانُ نوحْ
المدينةُ تغْرقُ شيئًا.. فشيئًا
تفرُّ العصافيرُ، والماءُ يعلو
على دَرَجاتِ البيوتِ، الحوانيتِ،
مَبْنى البريدِ، البنوكِ، التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين)،
المعابدِ، أجْوِلةِ القَمْح، مستشفياتِ الولادةِ
بوابةِ السِّجنِ، دارِ الولايةِ،
أروقةِ الثّكناتِ الحَصينهْ.
لقد رأى جميع «الجبناء» يفرون نحو السفينة، بما فيهم الحكماءُ، المغنونَ، سائس خيل الأمير، المرابونَ، قاضي القضاةِ ومملوكُهُ، حاملُ السيفِ، راقصةُ المعبدِ، جباةُ الضرائبِ، مستوردو شَحناتِ السّلاحِ، وعشيقُ الأميرةِ في سمْتِه الأنثوي الصَّبوحْ!
وفي هذا الموقف بنحاز أمل دنقل إلى شباب المدينة الشجاع الذي آثر الصمود في وجه الطوفان الجارف «علَّهم يُنقذونَ.. الوطنْ». ويرفض الشاعر صعود السفينة كي ينجو هو بجلده مثلما فعل الجبناء، متهكما على من طعموا خبز الوطن في الرخاء «وأداروا له الظَّهرَ يوم المِحَن». ويسجل موقفه الأخير بعد انحسار الطوفان:
كان قلبي الذي نَسجتْه الجروحْ
كان قَلبي الذي لَعنتْه الشُروحْ
يرقدُ الآن فوقَ بقايا المدينة
وردةً من عَطنْ
هادئاً.. بعد أن قالَ «لا» للسفينةْ
وأحب الوطن.
أما الشاعر محمد الفيتوري فيبشر بـ(الطوفان الأسود)، وهو ثورة الإنسان الأسود وتحرره من نير العبودية والذل والاسترقاق والبيع في أسواق النخاسة، مهدور الآدمية ومنتهك الكرامة الإنسانية. يبدأ الفيتوري قصيدته الملحمية الطويلة بأمنيات لرجل أبيض يحلم بالمال لكي يقتني بعض الأشياء التي يحلم بامتلاكها، ثم يذهب إلى أرض إفريقيا أسوة ببعض بني جلدته الذي عادوا من هناك أثرياء متخمين بالأموال، قائلا:
«متى أجد المال؟
كي أشتري حذاء، وكلبا، وثوبا جديدْ
وأمضي إلى أرض أفريقيا
لأصطاد قافلة من عبيد!»
فإني امرؤ أبيض كالثلوج
ولست عظيما لأني فقير
وقد كان لي رفقة..
ثم عادوا سراة عظاما فلمْ لا أسير؟»
ويختتم الفيتوري قصيدته بحلم رجل من ذوي البشرة السوداء يحلم بالحرية والكرامة، معانقا إخوته، منتشيا بدموع الفرح، ليرى جوع الزنوج الثائرة زاحفة هادرة تحطم أغلال الطغاة مرددة أناشيد النصر والفرح:
وأسكره حلمه العاطفي
فبعثر أشواقه أجمعين
وعانق إخوانه باكيا
ومد يديه إلى الآخرين
وهزته أفراحه.. فأفاق
على ظل صفصافة واقفة
وكانت جموع الزنوج العراة
تحركها ثورة العاصفة
فسار يغني مع السائرين
وهم زاحفون إلى الطاغية
ويحفر فوق جدار الزمان
أغاني إفريقيا الدامية»
أما الشاعر البحريني قاسم حداد فيتحسر في قصيدته (الطوفان) على القمر الغائب الذي ترك البشرية في ظلام دامس. إنه قمره «الذي يشتاقه ليل البشر»، القمر المشرد، «المخضب بالدماء، قمري الذي يشتاقه قلب السماء». إن ثمة ظلامًا هائلًا يغشى الوجود، وثمة جوع عام للنور الذي يكشف وجه الحياة الحقيقي ويعطي الإنسانية أملا في العيش الكريم، ويصرخ قائلا:
نبغي الولادة من جديد
يا ويلتاه، بشر نسير بلا رؤوس
آه على القمر الذي ألف القيود
بالليل من سجن إلى سجن يهان
قمري الحزين
حطم جدار الموت يا طوفان نوح
واغسل تراب الأرض واكتسح الحدود
واكسر حديد السجن للقمر الحزين
واقلب جذور العالمين
المجد لك
المجد يا طوفان لك
المجد للإنسان يا طوفان نوح
لكننا من غير فجر لا نعيش
وفي الوقت الذي يتفجع ألمًا وعذابًا، يتمسك قاسم حداد بعرى الأمل بظهور القمر الذي ينير الليل وينشر ضياءه على الوجود. ويخاطب قمره الحزين الغائب قائلا:
قمري الحزين
لابد أن تأتي الرياح مع المياه
لابد أن يجتاحنا الطوفان في هذي الحياة
فابشروا يا أصدقاء
في آخر الليل الجريح
يعيش مصباح جديد
ويختتم قاسم حداد قصيدته مخاطبا الأقمار الإنسانية جمعاء، محييا فيها قوة النور وقدرتها على صناعة المحبة والأمل والثورة على اليأس والجمود، في ثورة إنسانية كبرى كبرى تشبه المخاض العظيم الذي تولد منه البشرية نقية فتية جديدة مبرأة من ظلامها وآلامها المتوارثة:
يا كل أقمار البشر
يا قوة الإنسان يا موت القدر
طوبـى لكم، طوبـى لكم
طوبى لصناع المحبة والأمل
ولكل إنسان يثور على الملل
قد جاءنا الطوفان يصطحب النهار
ويصيح قد جاء المخاض
يجتاح عالمنا، وإنسان عتيد
يأتي.. لقد جاء المخاض
آه على القمر الذي يجتاح جدران الحديد
قد جاءنا طوفان نوح
نوح جديد
للشاعر الدكتور محمد علي شمس الدين أيضًا قصيدة حملت عنوان (الطوفان) وهي تمثل بناء موسيقيا في ثلاث حركات، جاءت الحركة الأولى بعنوان (الطفل)، فيما جاءت الحركة الثانية بعنوان (النبوءة)، أما الحركة الثالثة فجاءت بعنوان (الأناشيد)، وهي قصيدة فلسفية طويلة.
أما الشاعر الفرنسي آرتور رامبو فله قصيدة بعنوان (بعد الطوفان)، يرى فيها أن طوفانًا واحدًا لا يكفي لإصلاح الحياة البشرية وإعادتها إلى حياة المثل والقيم والخير والمحبة. فبمجرد ما ينتهي الطوفان سيعود البشر إلى سلوكهم الوحشي وممارساتهم القبيحة.
يبدأ رامبو القصيدة بقوله:
ما أن انسحبت فكرة الطوفان
حتى وقف أرنب بين البرسيم والجرسيات المتمايلة،
ونطق خلال بيت العنكبوت بصلاته لقوس قزح».
يقول كاظم جهاد مترجم الآثار الشعرية لآرتور رامبو عن هذه القصيدة: «يصور الشاعر الحياة البشرية وهي تستأنف بعد انحسار الطوفان. تستعيد الممارسات البرجوازية والمهنية وتائرها السابقة، بل بأسوأ من ذي قبل، فيراق الدم من جديد وتبدأ التطيرات أو الخرافات عملها، ويبسط السأم ظلاله ثانية، مما يفجر الحاجة إلى طوافين جديدة».
لقد نزف الشعراء مدادا عظيما، وسكبوا دموعًا غزيرةً، وسفكوا أحلامًا كبيرةً، وحلموا بطوافين النور الهائلة تثور في أقاصي العالم وتكسو الوجود بالحب والخير والأمل والعدالة والحب والكرامة، وتنقذ الإنسانية من وحشيتها وقسوتها وطيشها وجبروتها. وسيظل الشعراء يوقدون شموع الأمل من أجل عالم أجمل وغد أكثر سلاما وسكينة.
