No Image
ترجمة

الأمر لم يحسم: فرنسا متشائمة لكن حكم اليمين المتطرف ليس قدرا محتوما

21 مايو 2026
جوزيف دي ويك - ترجمة: أحمد شافعي
21 مايو 2026

مما يطمئن النفس على فرنسا أنها ثابتة على مدار السنين؛ فالقطارات تتحرك غالبا في مواعيدها، والقهوة في بلد المقاهي لا تطاق، والطبقة الثقافية مهما تكن الأجواء أو المواسم لا تزال تطرح تنويعات بليغة من ثيمة واحدة: فرنسا دائما على وشك الانهيار.

يبدو المزاج الراهن مألوفا فضلا عن أن القدرية بطبيعة الحال عادة في فرنسا. ففي عشاء حضرته قريبا مع أصدقاء في باريس توافرت لي القائمة المتوازنة المعتادة، فقوامها طعام ومزاج عظيمان، ومعهما تنبؤات كارثية. وبعد تسع سنين من حكم إيمانويل ماكرون اليميني تقف فرنسا على حافة هاوية حسبما قال قائل وهو يقضم عودا من الهليون.

ثم أضافت أخرى أن البلد يحوم في موضع ما بين الحرب الأهلية والإفلاس المالي.

تحت سماء باريس الرمادية المتداخلة مع أسطح بناياتها الزنكية لم يكن من اتفاق على الكثير. ولكن قبل عام من انتخابات عام 2027 الرئاسية يبدو أن الشعب الفرنسي قد انتهى إلى النتيجة نفسها، وهي أن حزب التجمع الوطني (RN) اليميني المتطرف سوف يغزو الإليزيه للمرة الأولى.

لقد قال الروائي ميشيل ويلبيك مرة: إن «فرنسا موهوبة في الاكتئاب» قبل أن يضيف بالغموض المعهود فيه «وأنا مثل فرنسا». فلعل ذلك كان اعترافا بمدى فداحة خطأ ويلبيك المتكرر في ما يتعلق بالسياسة في فرنسا. فهو لم ير لماكرون أي فرصة للانتصار على مارين لو بان في 2017. وبلغت به الجرأة في روايته «الخضوع» أن تخيل فوز حزب إسلامي بانتخابات 2022 الرئاسية، وهذا في بلد يتعامل مع رهاب الإسلام باعتبارها من طبائع الأمور، ويقدس ساعة تناول الكوكتيل.

هكذا يتجدد السؤال: هل القلق من الانتخابات الرئاسية في العام القادم محض لحظة عابرة في تاريخ بلد ينزع إلى الهستيريا والتشاؤم؟

مؤكد أن اليمين المتطرف لم يقترب من السلطة قدر اقترابه الآن. فوفقا لاستطلاعات رأي حديثة سيفوز مرشح حزب التجمع الوطني سواء أكان ماري لو بان أم جوردان بارديلا بأي جولة إعادة محتملة إلا في مواجهة رئيس وزراء ماكرون السابق إدوار فيليب.

لكن الآن إذ يواجه فيليب تحقيقا في اتهام بالفساد، وفي ظل الإحساس بأن نصف الطبقة السياسية الفرنسية يدرسون فرصهم في حال خوض الانتخابات الرئاسية؛ فمن غير المؤكد بالمرة أن يخرج فيليب من الأزمة الراهنة وهو مرشح يمين الوسط، ناهيكم بأن يصل إلى الجولة الثانية؛ إذ انجرف الناخبون الفرنسيون إلى مدى بعيد جهة اليمين خلال العقد الماضي، فباتت أمام اليسار المنقسم معركة شاقة.

وهكذا شأن الانتخابات الرئاسية في المرتين السابقتين؛ قد يكون السؤال الحاسم هو ما إذا كان ناخبو اليسار قادرين على ابتلاع عزتهم وانتخاب مرشح يمين الوسط في جولة الإعادة. وبوصفه عمدة مدينة (وميناء لو هافر) ـ وهي تاريخيا مدينة الطبقة العاملة، يحظى فيليب بشيء من المصداقية في أوساط ناخبي اليسار. ولكن حتى قبل إعلان المحققين عن تحقيقهم يوم الثلاثاء كان كثيرون بالفعل ضجرين من اضطرارهم دائما إلى الاختيار بين أهون الشرين بالحفاظ على بقاء يمين الوسط في السلطة.

كما يبدو أن أقساما من ناخبي اليمين غير المتطرف شبه راغبين في وقوع كارثة التجمع الوطني بدافع من العدمية، والشوق إلى حدث.

غير أن الأمر لا يعدو الاستسلام في أغلب الأحيان؛ فالشعب الفرنسي يبدو في بعض الأحيان أشبه بشخص يظل يسمع في الأخبار أن لصا يجوب الحي، فإذا به من فرط الخوف يضع علبة الحلي على عتبة البيت. فقد يحدث في العام القادم أن تختار فرنسا السماح للتجمع الوطني بتولي السلطة فقط لتتخلص من قلق انتظار ذلك لوقت أطول، غير أن في التاريخ درسين يجدر بنا أن نتذكرهما.

أولا: الانتخابات الرئاسية الفرنسية نادرا ما تجري مصداقا لتنبؤات الخبراء والنخب السياسية قبل عام من إجرائها. والأمثلة وفيرة. فلم يكن أحد يراهن على فوز فرانسوا أولاند في انتخابات 2012، فإذا به يبرز إثر انسحاب (دومينيك شتراوس كان) من السباق بسبب اعتقاله بناء على اتهامات بالاغتصاب (أسقطت لاحقا). في عام 2017 لم يتنبأ كثيرون بأن ماكرون ـ المصرفي السابق الذي تحول إلى السياسة، ولم يحقق فيها شهرة كبيرة ـ سيخرج فائزا.

فالأمر إذن غير حتمي. ويبقى السباق الرئاسي مفتوحا على مصراعيه.

والدرس الثاني أشد إثارة للفضول؛ ففرنسا ـ في حدود علمي ـ هي البلد الوحيد الذي يشهد ما أطلق عليه ظاهرة «الناخب اليميني المتطرف الخجول» المعكوسة.

دأبت استطلاعات الرأي على المغالاة في تقدير تأييد التجمع الوطني في الإعادة الرئاسية؛ ففي 2022 منح متوسط جميع استطلاعات الرأي التي أجريت في غضون عام من جولة الانتخابات الأولى لمارين لوبان 44٫2%، فحصلت على 41٫45%. وفي 2017 حصلت من متوسط استطلاعات مماثل على 37٫78%، فانتهت بـ 33٫9%.

بصفة عامة يعزف الناخبون عن الاعتراف بتأييد اليمين المتطرف، لكن الأمور مختلفة في فرنسا. ففي الحانة أو غرفة تبديل الثياب قد يقول الناس إنهم سيمتنعون عن التصويت أو سيصوتون للتجمع الوطني عقابا لباريس، ثم يأتي كثير منهم في غرفة الاقتراع، فيختار من يجسد الوضع القائم بمثل استمرارهم في شرب القهوة الرديئة التي يزدريها الجميع؛ فعدم المبالاة أيضا جزء من الاستعراض في فرنسا .

وفي حين أن استطلاعات الرأي تستمر في إظهار القلق العميق من المستقبل؛ فإن أغلب الفرنسيين راضون بشكل لافت بحياتهم الراهنة. في 2026 قال 75% من المشاركين في مؤشر إبسوس للسعادة: إنهم سعداء، وكان ذلك ارتفاعا بنسبة 4% عن 2024. وفي ظل امتلاك قرابة 60% من الشعب الفرنسي لمنازلهم يبقى مواطنو فرنسا ممتلكي أصول، ومن ثم أميل إلى الحذر.

نعم تظل لدى فرنسا شهية إلى المغامرات السياسية الجريئة؛ فالطبقة الثورية تظل حية للغاية مثلما يتبين من كل جولة مظاهرات، غير أن فرنسا في تاريخ الجمهورية الخامسة انتخبت رئيسا ذا برنامج راديكالي حقيقي مرة واحدة، وذلك هو الاشتراكي فرانسوا ميتران سنة 1981.

اليوم القوة الرديكالية الوحيدة التي تحظى بطريق ذي مصداقية إلى السلطة تتمثل في التجمع الوطني الذي يرمي إلى ثورة من نوع شديد الاختلاف والإزعاج، لكن في الوقت الذي تستجمع فيه حملة 2027 الرئاسية زخمها يجدر بنا أن نتذكر تحذير الشاعر بول كلوديل لمواطنيه: «الأسوأ ليس دائما المؤكد».

ولو أن لدى فرنسا تلك النزعة القدرية الاكتئابية فذلك لأن لديها تراثا تطوعيا ومثاليا؛ فذلك التراث هو الذي أوجد أمة (الحرية والمساواة والإخاء). وذلك التوتر هو الذي يحافظ على البلد حيا من الناحية السياسية، وبعيدا عن عدم المبالاة، ولذلك ثمة أسباب للتفاؤل.