نهاية عالَم العُملات المشفرة
05 فبراير 2026
نوريل روبيني
05 فبراير 2026
قبل عام واحد، عاد الرئيس الأكثر تأييدا للعملات الرقمية المشفرة في تاريخ الولايات المتحدة إلى السلطة بعد أن لبى أهواء مستثمري التجزئة الـسذج الجهلاء في العملات المشفرة وتلقى دعما ماليا ضخما من المطلعين شبه الفاسدين في عالم العملات المشفرة. كان المفترض أن تكون عودة دونالد ترامب فجرا جديدا للعملات المشفرة، حتى أن عددا كبيرا من المبشرين الانتهازيين تنبؤوا بأن عملة البيتكوين ستصبح «ذهبا رقميا»، لتصل قيمتها إلى 200 ألف دولار على الأقل بحلول نهاية عام 2025.
كما وعد، ألغى ترمب معظم الضوابط التنظيمية المرتبطة بالعملات المشفرة. ووقع على قانون توجيه وتأسيس الإبداع الوطني للعملات المستقرة الأمريكية (GENIUS)؛ ودفع باتجاه قانون وضوح سوق الأصول الرقمية (CLARITY)؛ واستفاد شخصيا من صفقات محلية وأجنبية مشبوهة بالعملات المشفرة؛ وروج لعملته الرقمية عديمة الفائدة، وعفا عن محتالين في مجال العملات المشفرة زعم أنهم ساعدوا منظمات إرهابية، واستضاف مأدبات عشاء خاصة لأصحاب المصالح في مجال العملات المشفرة في البيت الأبيض.
علاوة على ذلك، كان المفترض أن تستفيد العملات المشفرة من مختلف المخاطر الكلية والجيوسياسية، مثل تضخم الديون وعجز الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة؛ وانخفاض قيمة الدولار والعملات الورقية الأخرى، والحروب التجارية الجديدة، والتوترات المتنامية بين الولايات المتحدة وإيران، والصين، ودول أخرى عديدة. في الواقع، تساعد بيئة المخاطر المتصاعدة هذه في تفسير السبب وراء ارتفاع الذهب بأكثر من 60% في عام 2025.
لكن «الذهب الرقمي» انخفض بنسبة 6% في عام 2025. حتى وقت كتابة هذا التقرير، انخفضت عملة البيتكوين بنسبة 35% عن الذروة التي بلغتها في أكتوبر، إلى ما دون مستواها عند انتخاب ترمب، وانخفضت عملتا $TRUMP، و$MELANIA بنسبة 95%. في كل مرة ارتفع فيها الذهب استجابة للاضطرابات التجارية أو الجيوسياسية خلال العام الماضي، انخفضت عملة البيتكوين بشكل حاد. فهي، بعيدا عن كونها وسيلة للتحوط، تعـد طريقة للاستفادة من المخاطر، بما يـظهر ارتباطا قويا بأصول أخرى محفوفة بالمخاطر مثل أسهم المضاربة.
الواقع أن وصف البيتكوين أو أي أداة مشفرة أخرى بـ«العملة» كان دوما من قبيل الغش والتزوير. فهي ليست وحدة حسابية، ولا وسيلة دفع قابلة للتطوير، ولا مخزنا مستقرا للقيمة. وبرغم أن السلفادور جعلت البيتكوين عملة قانونية، فإنها تمثل أقل من 5% من معاملات السلع والخدمات. إن العملة المشفرة ليست حتى أصلا، فلا يرتبط بها مسار دخل، أو وظيفة، أو استخدام صناعي أو أي استخدام في العالم الحقيقي (على عكس الذهب والفضة).
بعد سبعة عشر عاما من إطلاق البيتكوين، كان «التطبيق القاتل» الوحيد في عالم العملات المشفرة هو العملة المستقرة: وهي نسخة رقمية من النقود الورقية القديمة، التي عملت الصناعة المالية والمصرفية على تحويلها رقميا قبل عقود من الزمن. أجل، لا يزال السؤال مطروحا حول ما إذا كان من الواجب أن تكون النقود الرقمية والخدمات المالية على سلسلة كتل (دفتر أستاذ موزع) أو على منصة دفتر أستاذ مزدوج تقليدية. لكن 95% من نقود «سلسلة الكتل» والخدمات الرقمية تظل سلسلة كتل بالاسم فقط. فهي خاصة وليست عامة، ومركزية وليست غير مركزية، وتخضع للترخيص وليست بدون ترخيص، ويجري التحقق من صحتها من قِبل مجموعة صغيرة من المصادقين الجديرين بالثقة (كما هي الحال في التمويل الرقمي والعمل المصرفي التقليدي) بدلا من وكلاء لامركزيين في مناطق اختصاص تغيب عنها سيادة القانون.
لن يصل التمويل اللامركزي الحقيقي إلى النطاق المطلوب أبدا. فلن تسمح أي حكومة جادة ــ ولا إدارة ترمب ــ بالسرية الكاملة للمعاملات النقدية والمالية، لأن ذلك سيكون بمثابة نعمة للمجرمين، والإرهابيين، والدول المارقة، والقوى غير الحكومية، والمتاجرين بالبشر، والمحتالين بأشكالهم كافة، والمتهربين من الضرائب.
علاوة على ذلك، ولأن المحافظ الرقمية والبورصات المنظمة يجب أن تخضع لقواعد مكافحة غسل الأموال ومعرفة العميل (AML/KYC) القياسية، فليس من الواضح ما إذا كانت تكاليف المعاملات من خلال «سلاسل الكتل» المرخصة والخاصة أقل، خاصة الآن بعد أن تحسنت دفاتر الأستاذ المالية التقليدية بفضل التسوية اللحظية وأدوات المقاصة الأسرع. وسوف يشهد مستقبل النقود والمدفوعات تطورا تدريجيا، وليس الثورة التي وعد بها محتالو العملات المشفرة. ويؤكد الانخفاض الأخير في قيمة البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة مرة أخرى الطبيعة الشديدة التقلب التي تتسم بها هذه الفئة من الأصول الزائفة.
أما عن قانون توجيه وتأسيس الإبداع الوطني للعملات المستقرة الأمريكية (GENIUS)، فقد مهد الطريق لتجربة مدمرة أخرى في مجال الخدمات المصرفية الحرة، كتلك التي انتهت إلى فشل ذريع خلال القرن التاسع عشر، وقد يذكر على أنه قانون الحمقى المتهورين. بموجب القانون، ولا تخضع العملات المستقرة للتنظيم كبنوك ضيقة (بمعنى أن الودائع والمدفوعات منفصلة عن عمليات الإقراض والاستثمار الأكثر خطورة)، ولا يحق لها الحصول على مزايا مقرض الملاذ الأخير أو تأمين الودائع التي توفرها البنوك المركزية.
وعلى هذا فإن إثارة حالة من الذعر وإشعال شرارة التكالب على استرداد الودائع من البنوك لا يتطلب سوى قيام قِـلة من الأشخاص الفاسدين في الولايات الأمريكية شبه التحررية بإساءة استثمار أموالهم أو وضع ودائعهم في مؤسسات ضعيفة مثل Silicon Valley Bank. كما حدث في القرن التاسع عشر، يـعـد النهج الأمريكي الحالي بفضل فساد ترمب وجهله، والتأثير الفاسد الذي تفرضه صناعة العملات المشفرة وصفة لانعدام الاستقرار المالي والاقتصادي.
كان الصراع الأخير بين البنوك الحقيقية وصناعة العملات المشفرة حول قانون وضوح سوق الأصول الرقمية (CLARITY) مثالا آخر على عجز ترمب عن فهم الأساسيات النقدية والمالية. القضية ليست رغبة البنوك في الحفاظ على احتكارها شبه الكامل للمعاملات النقدية. ففي نظام مصرفي احتياطي جزئي، تشارك البنوك في كل من المدفوعات وخلق الائتمان من خلال تحويل استحقاق الودائع قصيرة الأجل لتصبح قروضا وائتمانا أطول أجلا. وهذا يعني أنها توفر سلعة شبه عامة عظيمة القيمة.
من الواضح أن الودائع قصيرة الأجل لا تدفع فوائد لأنها تكاد تكون معادِلة للعملة. ومع ذلك، تمارس صناعة العملات المشفرة الضغوط للسماح بدفع فوائد على العملات المستقرة ــ بشكل مباشر أو غير مباشر عبر البورصات ــ وهذا من شأنه أن يقوض أسس النظام المصرفي الذي نعتبره جميعا أمرا مفروغا منه. لذا، يتعين علينا إما تغيير نظامنا المالي بشكل جذري لفصل المدفوعات عن إنشاء الائتمان (عبر بنوك ضيقة للمدفوعات وأموال جديدة قابلة للإقراض من المؤسسات المالية للائتمان)، أو منع العملات المستقرة من دفع الفوائد وإزالة دور البنوك كوسطاء.
هذه مسألة تتعلق بالاستقرار السياسي والمالي، وقليلة هي المسائل التي تضاهيها في خطورتها أو حساسيتها. الواقع أن جيمي ديمون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة JPMorgan Chase، محق في دق أجراس الإنذار بشأن التغييرات التي تريدها صناعة العملات المشفرة، وكان براين أرمسترونغ، من Coinbase، مخطئا تماما في تجاهله لهذه المخاوف.
إذا كان لدى ترامب أي مستشارين لم يفسدهم النقد المشفر، فإننا نأمل أن يتمكنوا من تعليمه كيف يعمل النظام المصرفي قبل أن يسمح لمصالحه الشخصية بتدمير أسسه. يا وزير الخزانة سكوت بيسنت، هل تسمعني؟
