مصير الدولار تحت سياسات ترامب
ويضيف: «ما بات واضحا للأوروبيين هو أنهم لم يعودوا قادرين على الوثوق بالولايات المتحدة باعتبارها حليفا موثوقا في الأمن العسكري أو الاقتصادي أو في أي شأن رئيسي آخر». ويتواصل تبلور التداعيات الجيوسياسية لهذا الإدراك، فيما تتأمل حكومات كثيرة حول العالم تحذير مارك كارني رئيس وزراء كندا، من أن «القوى المتوسطة» ينبغي أن تتكاتف للدفاع عن نفسها. أما في الأسواق المالية، حيث تسير الأمور بوتيرة أسرع، فقد ظهر بالفعل رد فعل دراماتيكي طرح تساؤلات جديدة حول القيادة الاقتصادية الأمريكية ومكانة الدولار الراسخة كعملة عالمية مهيمنة.
ورحب بعض المراقبين بهذا التراجع الرئاسي بوصفه تكرارا لما حدث في أبريل الماضي، حين أعلن ترامب فرض رسوم كبيرة على قرابة مائة دولة، ثم خفضها بعد أسبوع واحد إثر ذعر المستثمرين. ومهما كان حجم الفوضى السياسية التي يثيرها ترامب، فإن شعورا سائدا في وول ستريت يرى أن الأسواق ستكبح في النهاية اندفاعاته القصوى، وفق المقولة التي صاغها كاتب عمود في صحيفة فايننشال تايمز روبرت أرمسترونغ: «ترامب يتراجع دائما» أو ما يعرف اختصارا بـ«تاكو».
ويقول براد سيتسر، الزميل البارز في شؤون الاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية: «الشيء الجديد الوحيد هو أن رئيس الولايات المتحدة أطلق تهديدا عسكريا ضد حليف في حلف شمال الأطلسي، وهدد بفرض رسوم جديدة على حلفاء آخرين للولايات المتحدة هم أيضا دائنون كبار لها. رئيس أمريكي متقلب كان العامل الحاسم في إشعال هذا الوضع».
غير أن ذلك يبقى غير محسوم. فقد قال لترامب خلال عملية الترشيح إنه يفضل خفض أسعار الفائدة، وهو ما كان الرئيس يريد سماعه. وإذا ما نظر إليه لاحقا على أنه مجرد تابع لترامب، فسيكون ذلك سلبيا للغاية بالنسبة إلى الدولار.
وهذه الاستثمارات تمول عجز الميزان التجاري الأمريكي وعجز الموازنة، وكلاهما بالغ الضخامة. وفي ستينيات القرن الماضي، وصف فاليري جيسكار ديستان، وزير المالية الفرنسي آنذاك ثم رئيس الجمهورية لاحقا، قدرة الحكومة الأمريكية على جذب الأموال الأجنبية بأسعار فائدة منخفضة بأنها «امتياز مفرط» يتيح للبلاد العيش فوق إمكاناتها. وقد استمر هذا الامتياز، لكن جورج سارافيلوس، رئيس أبحاث الصرف الأجنبي في بنك دويتشه الألماني، أشار في مذكرة لعملائه إلى أن تهديدات ترامب بغزو غرينلاند قد تجعل المستثمرين الأوروبيين أقل رغبة في زيادة حيازاتهم من الأصول الأمريكية، وبالتالي أقل استعدادا لتمويل العجزيْن المالي والتجاري للولايات المتحدة.
وكتب سارافيلوس: «في بيئة تزعزع فيها الاستقرار الجيو-اقتصادي للتحالف الغربي على نحو وجودي، لا يبدو واضحا لماذا سيظل الأوروبيون مستعدين لأداء هذا الدور».
غير أن سارافيلوس لم يتراجع عن تحليله المتشائم، ولسبب وجيه. فسيادة الدولار تقوم في نهاية المطاف على الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وعلى الثقة في الحكومة الأمريكية، وهما أمران يعمل ترامب على تقويضهما.
فأجاب: «لا، أعتقد أنه رائع. الدولار في حال ممتازة». وقد أدت هذه التصريحات إلى مزيد من البيع، فهبطت العملة إلى أدنى مستوى لها في أربع سنوات. وكما يحدث غالبا، ترك بيسنت لشرح كلام رئيسه. فظهر في قناة سي إن بي سي في اليوم التالي وأصر على أن «لدينا سياسة دولار قوي»، وجادل بأن تخفيضات الضرائب والرسوم الجمركية التي يعتمدها ترامب ستجلب مزيدا من الأموال إلى الولايات المتحدة وتعزز الدولار على المدى الطويل.
أما الوجه الآخر لهذه المعادلة فهو أن الأمريكيين الذين يزورون لندن أو باريس سيجدون الفنادق والوجبات أكثر كلفة، كما سترتفع في الداخل أسعار السلع المستوردة، التي تأثرت أصلا بالرسوم الجمركية. ومن الواضح أن ترامب يفكر بهذه الطريقة؛ إذ أشار في تعليقاته عن الدولار إلى أنه كان «يقاتل بشراسة» مع الصين واليابان لأنهما كانتا دائما تسعيان إلى خفض قيمة عملتيهما لاكتساب ميزة تنافسية.
وكان أكثرها لفتا للانتباه اقتراح يقضي بأن يستبدل بعض الدائنين الأجانب للولايات المتحدة سندات الخزانة القصيرة الأجل التي يحملونها بسندات طويلة الأجل جدا ذات عوائد أدنى. وقد علق محلل في مؤسسة بروغيل، وهي مركز أبحاث مقره بروكسل على صلة وثيقة بالاتحاد الأوروبي، بأن «البساطة الظاهرية لهذا المقترح تتناقض مع عواقبه المدمرة، التي تتمثل في احتمال حدوث تعثر تقني في سداد سندات الخزانة الأمريكية». وأي إشارة إلى أن إدارة ترامب تدرس مثل هذا المخطط بجدية قد ترسل الدولار وسوق السندات إلى دوامات هبوط حادة.
وحتى الآن لم يبرح هذا الاقتراح مكانه، لكن مع إصرار ترامب الظاهر على انتزاع الإتاوات والامتيازات من الدول الأجنبية حيثما استطاع، سواء عبر الرسوم الجمركية أو غيرها من الأدوات، فلن يكون مفاجئا أن يبدأ بعض المستثمرين في الخارج بإعادة التفكير في إيداع أموالهم لدى «العم سام».
وحتى أواخر الأسبوع الماضي، كانت أسعار الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تحلق عاليا، لكنها لا توفر عائدا وتشتهر بتقلباتها الحادة. أما أنصار «بيتكوين» فيروجون لها بديلا عن الدولار، لكنها خلال الأشهر الماضية تصرفت بعكس الملاذ الآمن، إذ فقدت ثلث قيمتها منذ مطلع أكتوبر. وأسواق السندات الأوروبية لا تزال مجزأة، بينما أصبح سوق السندات الصينية ثاني أكبر سوق في العالم، غير أن الاستثمار فيه ينطوي على مخاطر جيوسياسية كبيرة.
كل ذلك يجعل كثيرا من كبار المستثمرين مترددين في التخلي عن العملة الأمريكية. ويقول براساد: «إذا كان لديك بضعة مليارات من الدولارات للاستثمار، يمكنك بسهولة أن تجد شيئا آخر غير الأصول المقومة بالدولار لتنويع محفظتك. لكن إذا كنت تدير عشرات المليارات أو مئات المليارات، فلا يوجد في الواقع مكان آخر تذهب إليه».
ويقول: «ديون الحكومة الأمريكية لا تزال تنمو بقوة من دون أي خطة واضحة لاحتوائها. والمؤسسات التي دعمت هيمنة الدولار يتم تمزيقها أمام أعيننا. كل ذلك ينبغي أن يكون كافيا لخفض الدولار درجات أخرى، إن لم يكن تدميره بالكامل».
