No Image
ترجمة

مصير الدولار تحت سياسات ترامب

05 فبراير 2026
جون كاسيدي - ترجمة: بدر بن خميس الظّفري
05 فبراير 2026

مر أكثر من أسبوعين منذ حاول دونالد ترامب ومعسكره إرغام الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة على الرضوخ في قضية غرينلاند، لكن أصداء تلك المواجهة ما تزال تتردد بقوة. يقول إيسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل وزميل مؤسسة بروكينغز، الذي كان يحضر المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس بسويسرا حين وصل ترامب: «كان هناك شعور حقيقي بأننا نشهد لحظة تصدع».

ويضيف: «ما بات واضحا للأوروبيين هو أنهم لم يعودوا قادرين على الوثوق بالولايات المتحدة باعتبارها حليفا موثوقا في الأمن العسكري أو الاقتصادي أو في أي شأن رئيسي آخر». ويتواصل تبلور التداعيات الجيوسياسية لهذا الإدراك، فيما تتأمل حكومات كثيرة حول العالم تحذير مارك كارني رئيس وزراء كندا، من أن «القوى المتوسطة» ينبغي أن تتكاتف للدفاع عن نفسها. أما في الأسواق المالية، حيث تسير الأمور بوتيرة أسرع، فقد ظهر بالفعل رد فعل دراماتيكي طرح تساؤلات جديدة حول القيادة الاقتصادية الأمريكية ومكانة الدولار الراسخة كعملة عالمية مهيمنة.

بعد أن تعهد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي رفضت مطالبه بشأن غرينلاند، هوى سوق الأسهم، وتراجع الدولار بدوره. لكن بعد وصوله إلى دافوس، تراجع فجأة عن تهديداته الجمركية، وأعلن، من دون سند واضح، أنه توصل إلى «اتفاق طويل الأمد» بشأن الإقليم القطبي، فاستعادت الأسهم سريعا معظم خسائرها.

ورحب بعض المراقبين بهذا التراجع الرئاسي بوصفه تكرارا لما حدث في أبريل الماضي، حين أعلن ترامب فرض رسوم كبيرة على قرابة مائة دولة، ثم خفضها بعد أسبوع واحد إثر ذعر المستثمرين. ومهما كان حجم الفوضى السياسية التي يثيرها ترامب، فإن شعورا سائدا في وول ستريت يرى أن الأسواق ستكبح في النهاية اندفاعاته القصوى، وفق المقولة التي صاغها كاتب عمود في صحيفة فايننشال تايمز روبرت أرمسترونغ: «ترامب يتراجع دائما» أو ما يعرف اختصارا بـ«تاكو».

لكن في حين تجاوز سوق الأسهم، الذي يعيش نشوة الذكاء الاصطناعي، أزمة غرينلاند سريعا، واصل الدولار تراجعه، ووصل في مرحلة ما أن فقد نحو 3 في المائة من قيمته. وقد يبدو هذا الانخفاض طفيفا لغير المتخصصين، لكن سوق الدولار شديد السيولة، حيث تنجز ملايين الصفقات في كل لحظة، والقفزات المفاجئة في الأسعار نادرة. وخلال الأيام التي سبقت دافوس، لم تظهر أخبار كبيرة عن نمو الناتج المحلي أو أسعار الفائدة أو غيرها من العوامل التي تحرك متداولي العملات.

ويقول براد سيتسر، الزميل البارز في شؤون الاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية: «الشيء الجديد الوحيد هو أن رئيس الولايات المتحدة أطلق تهديدا عسكريا ضد حليف في حلف شمال الأطلسي، وهدد بفرض رسوم جديدة على حلفاء آخرين للولايات المتحدة هم أيضا دائنون كبار لها. رئيس أمريكي متقلب كان العامل الحاسم في إشعال هذا الوضع».

صحيح أن الهبوط المفاجئ للدولار وحده «لا يكفي لإحداث أزمة»، كما يقول سيتسر، وقد استعاد الدولار بعض خسائره عقب ذلك بعد أن رشح ترامب كيفن وارش، المصرفي الجمهوري المخضرم، ليحل محل جيروم باول في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي. وقد عكست ردة فعل السوق الفورية اعتقادا بأن وارش متشدد في مكافحة التضخم، وأن نفوذه في البنك المركزي قد يدعم الدولار.

غير أن ذلك يبقى غير محسوم. فقد قال لترامب خلال عملية الترشيح إنه يفضل خفض أسعار الفائدة، وهو ما كان الرئيس يريد سماعه. وإذا ما نظر إليه لاحقا على أنه مجرد تابع لترامب، فسيكون ذلك سلبيا للغاية بالنسبة إلى الدولار.

على نطاق أوسع، هناك خشية من أن يتحول تراجع العملة إلى مسار تراكمي إذا تآكلت ثقة المستثمرين الأجانب في إدارة الاقتصاد الأمريكي. فترامب لا يكتفي، كما يشير براساد، بتقويض حلف شمال الأطلسي واستخدام الرسوم الجمركية كأداة إكراه، بل أمضى أيضا اثني عشر شهرا في تقويض ركائز القوة الاقتصادية الأمريكية داخليا، من سيادة القانون إلى نظام الضوابط والتوازنات واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي.

لعقود طويلة، ظل وضع الدولار كعملة عالمية مهيمنة شبه بلا منازع. فقد راكمت المؤسسات المالية والبنوك المركزية الأجنبية كميات كبيرة من الأصول الأمريكية جزئيا لأنها تدر عوائد مرتفعة، وجزئيا لأنها اعتبرت ملاذا آمنا في عالم مضطرب. واليوم تعد الدول الأوروبية أكبر المستثمرين في الولايات المتحدة، إذ تمتلك ما يقدر بثمانية تريليونات دولار من الأسهم والسندات الأمريكية.

وهذه الاستثمارات تمول عجز الميزان التجاري الأمريكي وعجز الموازنة، وكلاهما بالغ الضخامة. وفي ستينيات القرن الماضي، وصف فاليري جيسكار ديستان، وزير المالية الفرنسي آنذاك ثم رئيس الجمهورية لاحقا، قدرة الحكومة الأمريكية على جذب الأموال الأجنبية بأسعار فائدة منخفضة بأنها «امتياز مفرط» يتيح للبلاد العيش فوق إمكاناتها. وقد استمر هذا الامتياز، لكن جورج سارافيلوس، رئيس أبحاث الصرف الأجنبي في بنك دويتشه الألماني، أشار في مذكرة لعملائه إلى أن تهديدات ترامب بغزو غرينلاند قد تجعل المستثمرين الأوروبيين أقل رغبة في زيادة حيازاتهم من الأصول الأمريكية، وبالتالي أقل استعدادا لتمويل العجزيْن المالي والتجاري للولايات المتحدة.

وكتب سارافيلوس: «في بيئة تزعزع فيها الاستقرار الجيو-اقتصادي للتحالف الغربي على نحو وجودي، لا يبدو واضحا لماذا سيظل الأوروبيون مستعدين لأداء هذا الدور».

وبالنسبة لبلد يتجاوز دينه العام ثلاثين تريليون دولار، وسجل عجزا في الموازنة يقارب 1.8 تريليون دولار العام الماضي، فإن أي إشارة إلى تردد المستثمرين الأجانب في شراء المزيد من أصوله يجب أن تؤخذ على محمل الجد. وقد أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي كان هو الآخر في دافوس، أن المدير التنفيذي لبنك دويتشه، كريستيان سيفينغ، اتصل به لينفي تأييد البنك لتقرير سارافيلوس.

غير أن سارافيلوس لم يتراجع عن تحليله المتشائم، ولسبب وجيه. فسيادة الدولار تقوم في نهاية المطاف على الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وعلى الثقة في الحكومة الأمريكية، وهما أمران يعمل ترامب على تقويضهما.

في هذه المرحلة، ليس واضحا تماما من الذي يبيع الدولار. يقول سيتسر: «حركة الأسعار تتسق مع إعادة مؤسسات أوروبية النظر فيما إذا كانت تريد مواصلة زيادة استثماراتها في الأصول الأمريكية، كما تتسق مع قيام أموال المضاربة السريعة بالاستباق على هذا الاتجاه». وفي الأسواق، يعرف الرهان ضد الدولار باسم «تجارة التدهور». وبحلول مطلع الأسبوع الماضي، كان الدولار قد تراجع بما يكفي لأن يسأل مراسل سياسي ترامب إن كان قد انخفض أكثر مما ينبغي.

فأجاب: «لا، أعتقد أنه رائع. الدولار في حال ممتازة». وقد أدت هذه التصريحات إلى مزيد من البيع، فهبطت العملة إلى أدنى مستوى لها في أربع سنوات. وكما يحدث غالبا، ترك بيسنت لشرح كلام رئيسه. فظهر في قناة سي إن بي سي في اليوم التالي وأصر على أن «لدينا سياسة دولار قوي»، وجادل بأن تخفيضات الضرائب والرسوم الجمركية التي يعتمدها ترامب ستجلب مزيدا من الأموال إلى الولايات المتحدة وتعزز الدولار على المدى الطويل.

ولا يمكن استبعاد مثل هذا السيناريو. فمنذ الأزمة المالية العالمية في 2007-2009، نما الاقتصاد الأمريكي بوتيرة أسرع من اقتصادات متقدمة كبرى أخرى، ما جعله أكثر جاذبية للمستثمرين الأجانب. وإذا ما حقق الذكاء الاصطناعي في الأشهر والسنوات المقبلة دفعة للناتج المحلي والإنتاجية كما يعد أنصاره، فقد يستمر هذا التفوق الأمريكي، بل وربما يتسارع، وقد يرتد الدولار صعودا كما يتوقع بيسنت.

لكن من المحتمل أيضا أن يدخل الدولار في حلقة هبوطية متسارعة. فبرغم تطمينات بيسنت، ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الإدارة الأمريكية ترحب في الواقع بتراجع قيمة الدولار، بل قد ترغب في أن يمضي هذا التراجع أبعد من ذلك. فالعملة الأضعف تجعل الصادرات الأمريكية، مثل الحفارات التي تنتجها شركة كاتربيلر والتوربينات التي تصنعها شركة جي إي فيرنوفا، أكثر قدرة على المنافسة في الخارج، ما قد يدعم المصدرين الأمريكيين ويساعد على خفض العجز التجاري.

أما الوجه الآخر لهذه المعادلة فهو أن الأمريكيين الذين يزورون لندن أو باريس سيجدون الفنادق والوجبات أكثر كلفة، كما سترتفع في الداخل أسعار السلع المستوردة، التي تأثرت أصلا بالرسوم الجمركية. ومن الواضح أن ترامب يفكر بهذه الطريقة؛ إذ أشار في تعليقاته عن الدولار إلى أنه كان «يقاتل بشراسة» مع الصين واليابان لأنهما كانتا دائما تسعيان إلى خفض قيمة عملتيهما لاكتساب ميزة تنافسية.

وبعض الاقتصاديين المقربين من الرئيس شككوا صراحة في منطق العملة القوية. فقد كتب ستيفن ميران، الذي شغل منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض حتى سبتمبر الماضي، في مذكرة سياسات نشرت بعد انتخابات 2024 بفترة وجيزة، أن «جذور الاختلالات الاقتصادية تكمن في المبالغة المزمنة في تقييم الدولار». وفي تلك الورقة، ناقش ميران، الذي يشغل اليوم منصب محافظ في الاحتياطي الفيدرالي بتعيين من ترامب، بعض الخيارات لخفض العجز التجاري ومعالجة مشكلة ديون الولايات المتحدة.

وكان أكثرها لفتا للانتباه اقتراح يقضي بأن يستبدل بعض الدائنين الأجانب للولايات المتحدة سندات الخزانة القصيرة الأجل التي يحملونها بسندات طويلة الأجل جدا ذات عوائد أدنى. وقد علق محلل في مؤسسة بروغيل، وهي مركز أبحاث مقره بروكسل على صلة وثيقة بالاتحاد الأوروبي، بأن «البساطة الظاهرية لهذا المقترح تتناقض مع عواقبه المدمرة، التي تتمثل في احتمال حدوث تعثر تقني في سداد سندات الخزانة الأمريكية». وأي إشارة إلى أن إدارة ترامب تدرس مثل هذا المخطط بجدية قد ترسل الدولار وسوق السندات إلى دوامات هبوط حادة.

وحتى الآن لم يبرح هذا الاقتراح مكانه، لكن مع إصرار ترامب الظاهر على انتزاع الإتاوات والامتيازات من الدول الأجنبية حيثما استطاع، سواء عبر الرسوم الجمركية أو غيرها من الأدوات، فلن يكون مفاجئا أن يبدأ بعض المستثمرين في الخارج بإعادة التفكير في إيداع أموالهم لدى «العم سام».

صحيح أن مزيدا من الضعف المحدود في الدولار لن يكون بالضرورة كارثيا إذا بقي تحت السيطرة، لكن أي تهديد جدي لدوره الراسخ كعملة تبادل عالمية ومخزن للقيمة قد تكون له عواقب هائلة وغير قابلة للتنبؤ. والعوامل الرئيسية التي ما تزال تعمل لمصلحة العملة الأمريكية وتمنع تحولا أكثر دراماتيكية هي القوة النسبية للاقتصاد الأمريكي وغياب بدائل مناسبة للأصول الأمريكية، ولا سيما سندات الخزانة.

وحتى أواخر الأسبوع الماضي، كانت أسعار الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تحلق عاليا، لكنها لا توفر عائدا وتشتهر بتقلباتها الحادة. أما أنصار «بيتكوين» فيروجون لها بديلا عن الدولار، لكنها خلال الأشهر الماضية تصرفت بعكس الملاذ الآمن، إذ فقدت ثلث قيمتها منذ مطلع أكتوبر. وأسواق السندات الأوروبية لا تزال مجزأة، بينما أصبح سوق السندات الصينية ثاني أكبر سوق في العالم، غير أن الاستثمار فيه ينطوي على مخاطر جيوسياسية كبيرة.

كل ذلك يجعل كثيرا من كبار المستثمرين مترددين في التخلي عن العملة الأمريكية. ويقول براساد: «إذا كان لديك بضعة مليارات من الدولارات للاستثمار، يمكنك بسهولة أن تجد شيئا آخر غير الأصول المقومة بالدولار لتنويع محفظتك. لكن إذا كنت تدير عشرات المليارات أو مئات المليارات، فلا يوجد في الواقع مكان آخر تذهب إليه».

ومن المرجح أن هذا الجمود يعني أننا لم نصل بعد إلى نهاية هيمنة الدولار أو الطلب الأجنبي على سندات الخزانة. غير أن براساد، الذي أصدر مؤخرا كتابا بعنوان «حلقة الهلاك» عن تصاعد الاضطراب في الاقتصاد العالمي، يرى أن المسار الحالي للسياسات، أي مسار ترامب تحديدا، غير قابل للاستمرار على المدى الطويل.

ويقول: «ديون الحكومة الأمريكية لا تزال تنمو بقوة من دون أي خطة واضحة لاحتوائها. والمؤسسات التي دعمت هيمنة الدولار يتم تمزيقها أمام أعيننا. كل ذلك ينبغي أن يكون كافيا لخفض الدولار درجات أخرى، إن لم يكن تدميره بالكامل».