No Image
بريد القراء

مبادئ الحوكمة وعلاقتها بكفاءة التنمية الإدارية "الحكومية" في سلطنة عمان

08 يناير 2026
08 يناير 2026

في ضوء التحولات الإدارية والتنظيمية المتسارعة التي يشهدها القطاع الحكومي، وسعيه المتزايد نحو تحسين الأداء المؤسسي ورفع جودة الخدمات العامة بما يتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة و"رؤية عُمان 2040"، فقد انطلقت دراسة بحثية من فرضية أساسية مفادها أن تبني مبادئ الحوكمة الرشيدة يسهم بشكل مباشر في تعزيز كفاءة التنمية الإدارية وتحسين فعالية الأداء المؤسسي.

وأشار سعيد بن جمعة الغطريفي إلى أن الحوكمة في المؤسسات الحكومية تمثل إطارًا متكاملًا لتنظيم العلاقات الموجودة بين القيادة الإدارية وأصحاب المصلحة، ويكون هذا بغرض تحسين الأداء المؤسسي وضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية بكفاءة وشفافية.

وتعتبر الحوكمة أكثر من مجرد تطبيق القوانين؛ فهي تشمل تحديد المسؤوليات، وضمان الشفافية في الإجراءات، وتفعيل نظم المساءلة، وإشراك أصحاب المصلحة في صنع القرار.

وبرز مفهوم الحوكمة وفق تعريف لجُنية بنت سيف الخروصية، الذي أفاد بأن الحوكمة تعد أداة محورية لتحقيق هذه الأهداف، إذ تمثل إطارًا تنظيميًا يحدد العلاقات بين القيادة الإدارية وأصحاب المصلحة، ويوفر آليات لضمان الشفافية والمساءلة والكفاءة في اتخاذ القرار. وتعد الحوكمة ليست مجرد مبادئ نظرية، بل أداة عملية يمكن من خلالها تحسين جودة الأداء المؤسسي، وضمان الالتزام بالقوانين واللوائح، وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحكومية.

كما أشارت رقية بنت خلفان العبدلية إلى أنه مع دخول التقنية الرقمية في إدارة المؤسسات الحكومية، أصبح للحكومة الإلكترونية وحوكمة البيانات دور بارز في تحسين فعالية الأداء الإداري، حيث توفر البيانات الدقيقة والمؤشرات المؤسسية أساسًا علميًا لاتخاذ القرارات وتحسين التخطيط الاستراتيجي. وبناءً على آراء كل من ماجدة بنت ناصر الجابرية، فقد أظهرت الدراسات التطبيقية في سلطنة عُمان أن المؤسسات التي اعتمدت نظم الحوكمة الإلكترونية وحوكمة البيانات سجلت مستويات أعلى من الكفاءة المؤسسية مقارنة بالمؤسسات التي لم تطبق هذه المبادئ بفعالية.

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة وتحليل الأدبيات النظرية والدراسات التطبيقية العربية والأجنبية، مع التركيز على الدراسات العُمانية الحديثة التي تناولت الحوكمة الإدارية، والحوكمة الإلكترونية، وحوكمة البيانات. كما تم ربط نتائج هذه الدراسات بالسياق المؤسسي للمؤسسات الحكومية، بهدف تقديم قراءة تحليلية ناقدة لواقع تطبيق الحوكمة، وتحديد أوجه القوة والقصور في ممارساتها الإدارية.

وتبين أن الحوكمة تمثل إطارًا مؤسسيًا متكاملًا يسهم في تنظيم العلاقات بين القيادة الإدارية وأصحاب المصلحة، من خلال تعزيز الشفافية، وتفعيل المساءلة، وتوسيع نطاق المشاركة في صنع القرار، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد. وقد تبين أن تطبيق مبادئ الحوكمة لا يقتصر على الامتثال الشكلي للقوانين واللوائح، بل يتطلب تبني ممارسات إدارية عملية تؤدي إلى تحسين جودة الأداء المؤسسي وتعزيز الثقة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين.

وأكدت النتائج أن مبادئ الحوكمة الأساسية، وعلى رأسها الشفافية والمساءلة والمشاركة والكفاءة وسيادة القانون، تسهم بصورة مباشرة في رفع كفاءة التنمية الإدارية. فالشفافية تعزز وضوح الإجراءات والقرارات الإدارية، وتحد من الممارسات غير الرشيدة، بينما تمثل المساءلة عنصرًا جوهريًا في ضمان تحمل المسؤولية عن الأداء والنتائج، وتحسين الالتزام بالخطط والسياسات المعتمدة. كما تسهم المشاركة في إشراك الموظفين وأصحاب المصلحة في عملية صنع القرار، مما يرفع من جودة القرارات الإدارية ويعزز فرص نجاح تنفيذها. في حين تؤدي الكفاءة إلى الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والمالية، وتقليل الهدر الإداري، وتحقيق الأهداف المؤسسية بأقل تكلفة ممكنة، وتضمن سيادة القانون الالتزام بالتشريعات واللوائح المنظمة للعمل الحكومي، وتعزز العدالة التنظيمية.

وأوضحت الدراسة الدور المتنامي لـ"الحوكمة الإلكترونية وحوكمة البيانات" في دعم كفاءة التنمية الإدارية، حيث تسهم النظم الرقمية في توفير بيانات دقيقة وموثوقة تدعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة، وتسهم في تسريع الإجراءات الإدارية وتحسين جودة الخدمات الحكومية. وقد أظهرت الدراسات التطبيقية في سلطنة عُمان أن المؤسسات التي تبنت هذه النظم سجلت تحسنًا ملحوظًا في سرعة إنجاز المعاملات، وانخفاضًا في الأخطاء الإدارية، وارتفاعًا في مستويات رضا المستفيدين.

ورغم هذه النتائج الإيجابية، كشفت الدراسة عن وجود تفاوت ملحوظ في مستوى تطبيق مبادئ الحوكمة بين المؤسسات الحكومية، يعود إلى مجموعة من التحديات، أبرزها ضعف الوعي المؤسسي بأهمية الحوكمة، وقصور برامج التدريب وبناء القدرات البشرية، وعدم جاهزية البنية التحتية الرقمية في بعض الجهات الحكومية، إضافة إلى ضعف نظم المتابعة والتقييم المستمر للأداء. وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى تطبيق شكلي لمبادئ الحوكمة، دون تحقيق أثر فعلي ومستدام على كفاءة التنمية الإدارية.

وخلصت الدراسة إلى أن تطبيق مبادئ الحوكمة يعد أداة استراتيجية فاعلة لتعزيز كفاءة التنمية الإدارية في المؤسسات الحكومية، شريطة أن يتم تطبيقها بصورة شاملة ومتكاملة، مدعومة بالتزام القيادة العليا، وتفعيل آليات المساءلة والرقابة، وتنمية الموارد البشرية، وتوظيف الحوكمة الإلكترونية وحوكمة البيانات بشكل فعّال. وأوصت الدراسة بضرورة تعزيز برامج التدريب وبناء القدرات في مجالات الحوكمة، وتطوير نظم التقييم المستمر للأداء المؤسسي، ودعم ثقافة تنظيمية قائمة على الشفافية والمشاركة، بما يسهم في تحقيق تنمية إدارية مستدامة ورفع جودة الأداء والخدمات الحكومية.