No Image
بريد القراء

عندما ينتهي" الدرس" يرحل الألم!

29 مايو 2026
29 مايو 2026

يقال: إن الإنسان يتعلم من أخطائه، فهل فعلًا نحن بحاجة إلى الخطأ حتى نتعلم دروس الحياة؟

كل الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم، يؤكدون حتمية الخطأ لحصول الصواب، إذن في المعتقد الإنساني أمر ارتكاب الأخطاء لا مفر منه، وليس بالضرورة أن يكون هذا الخطأ جسيمًا أو أمرًا سيئًا، فبعض الأخطاء هي تصحيح لمسار أو مفهوم أو معتقد خاطئ، وقد تكون بمثابة جرس تنبيه يعيد الإنسان إلى الطريق الصحيح.

وهذا قد يكون عبارة عن استرشاد بما أتى به المثل الصيني القديم: "السقوط يعلمك كيف تنهض، والخطأ يعلمك كيف تكون صوابًا".

من الأطوار الغريبة التي يتقمصها الإنسان بعد نجاته من زلزال الأحداث المؤلم والأخطاء المتكررة، أنه يقف على رجليه وينفض عن وجهه غبار الخطيئة دون اكتراث لما حدث، ثم ينطلق ثانية وكأنه طير جريح سقط أرضًا ثم عاد إلى التحليق ثانية دون وعي بما فقده من دم أو جهد.

البعض يتحامل على نفسه ليواصل مسيره حتى تنتهي طاقته ويصبح غير قادر على تحمل ألمه وجراحه المفتوحة، عندها يدرك أشياء لم يدركها وقت القوة!.

الناجون من طوفان الغرق، أول فكرة تأتيهم ليست أخذ العظة من الطريقة التي سلكوها للخروج من دائرة الموت، ولكن كيف يمكنهم التخلص من محنة الألم التي داهمتهم منذ قليل سواء من خوف أو جزع أو يأس!.

بعد أقل من دقائق معدودة، يبدون في هيئة غير التي كانوا عليها، الآن أصبحوا أكثر خفة وانطلاقة نحو الحياة، وهنا نسأل: هل الضرورة تحتم علينا الاكتراث بما مررنا به أم أن تجاوز المحنة ينسينا كيف نتعلم من الدروس الماضية حتى لا نقع فيها مرة أخرى؟

وهذا ما دفع الكاتب أوسكار وايلد للقول بأن الخطأ يولد الخبرة، فيقول: "الخبرة هي ببساطة الاسم الذي نطلقه على أخطائنا".

بالمقابل، الحكماء والنجباء يؤكدون على أن شدة الألم وعمق التجربة هما من يعلمان الإنسان الكثير من الدروس من مدرسة الحياة، حتى وإن اعتقد الإنسان بأنه قد أغلق الصفحة الماضية بكل ما فيها من سوء، فإن الدروس غير المستفادة منها سابقًا قد تأتي إلينا مرة أخرى حتى وإن لم تكن بنفس الشدة أو سيناريو حدوثها.

الإنسان بطبعه الوجودي يدرك الأشياء بعد حين، فإما أن يعي ما فيها أو يتجاهلها وكأن شيئًا لم يكن!.

البعض يراجع ما فات، ويوزن الأمور بميزان ما فقد، ليتعلم من الخطأ حتى لا يقع فيه إدراكًا من عدم حاجته إلى حمل أوجاع قديمة على ظهره حتى ولو هدأت رياح الشدة أو زال خطر انبعاثها، ومرجع ذلك أيضًا هو رغبته في أن يصبح إنسانًا جديدًا لا يهم إن كان الآن "أقوى أو أصفى" من الماضي، لكن المهم أنه أدرك دروس الحياة رغم مرارتها وصعوبة مذاقها.

الحياة تمضي لمن يختار أن يمضي معها بسلام حتى وإن كانت المحنة الماضية أقوى منه بكثير أو أفقدته شيئًا من قوته أو من المحيطين به.

أغلب الناس يقولون إن "الحادثة المؤلمة" لا تنتهي ظلالها بمجرد انتهاء وقت سطوع الشدة، فالحدث الصادم يترك بصماته "النفسية والجسدية" تترسب في قاع القلوب، وقد تستمر لفترة أطول مما يتوقع الإنسان حتى تتلاشى وتذوب مع الزمن.

ولهذا ينصح الخبراء والعلماء في مجال الصحة وغيرها بضرورة الانتباه جيدًا لمثل هذه الحالات، ويدعون الناس إلى التأقلم المباشر مع المستجدات الجديدة بهدف حصول التعافي والعودة ثانية إلى مستوى القوة والاستعداد لأحداث ربما تكون أقسى مما قد مضت، لكن هذه المرة تكون أكثر اختلافًا واستعدادًا من الماضي.

يقول د. محمد الخالدي في تغريدة له نشرها على حسابه الشخصي: "حين ينتهي الدرس، يرحل الألم"، وهذا معناه بأن الألم ليس عدوًا كما نظن، إنه معلم صارم، لكنه الأكثر إخلاصًا في تدريسك، والأصدق في إيقاظك. قد يأتيك متخفيًا في هيئة خسارة، أو يُظهر وجهه القاسي حين تنكسر أحلامك، لكنه لا يأتي عبثًا، ولا يزور حياتك بلا سبب. كل وجع تحمله بين ضلوعك يخبرك بشيء، يُعلّمك درسًا، ويمنحك نظرة أعمق نحو الحياة".

أما رائد المدرسة الواقعية الروسي فيودور دوستويفسكي فله مقولة شهيرة: "لا تحاول أن تكون إنسانًا لا يخطئ فهذا مستحيل، بل كن إنسانًا يتعلم من أخطائه فهذا عظيم".

إذن رغم أن الأخطاء في بعض الأحيان تفسر على أنها هفوة كبيرة وذنب عظيم، لكن بالمقابل ينظر إليها الأذكياء على اعتبار أنها بمثابة نقطة انطلاق لاكتساب الوقت في تعلم دروس ذات قيمة في الحياة.