No Image
بريد القراء

المرآة لا تظهر النفوس المريضة!

29 مايو 2026
29 مايو 2026

في بحثك عن الحقيقة.. انتبه، فمرآة عيوننا الصغيرة لا تكشف كثيرًا من الحقيقة!.. عبارة توجز تجربة حياة كاملة، فظاهر الأشياء ليس بالضرورة يتطابق مع الخفاء، فرب ابتسامة تخفي وراءها سرًا لا يمكنك الوصول إليه إلا عندما يؤذيك صاحبها.

لا تسرف في تخيلاتك بأن كل الأشياء التي تراها لسان صادق لما يختزل بداخلها، فبعض الوجوه وإن بدت ضاحكة فإن جوهرها يعج بالغل والحقد والحسد عليك وعلى الآخرين، ويا حبذا لو كان بيدها قرار العطاء أو المنع للخير، سوف تتلذذ كثيرًا في الأذية دون اكتراث أو خوف!.

مثل هؤلاء الناس ليس منهم مأمن من شرورهم ولا معاشرتهم ومعرفتهم، فهم يتلونون وفق الظروف التي يتواجدون فيها، وينتظرون الوقت المناسب لحدوث حالة "التحول ضد الغير" أو من أجل قلب موازين الأمور التي تعتبر قضيتهم الأولى والأخيرة.

في أغلب الأوقات يدعون الطيبة، ويتحدثون عن الفضيلة، ويعارضون الظلم بأقوالهم ويطبقونه بأفعالهم، لكنهم والله يظلمون أنفسهم بهذه الادعاءات الكاذبة، فالله تعالى يقول: "وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، وهذه الآية هي تنزيه الله عز وجل عن ظلم العباد بإهلاكهم أو تعذيبهم دون استحقاق، وبيان أن ما أصابهم من عذاب ونقمة هو نتيجة طبيعية لكفرهم، ومعاصيهم، وفسادهم في الأرض.

أستاذ الطب النفسي د. علي باحاذق له رأي جميل أعجبني وأنا أقرأه؛ لأنه توصيف صحيح لما أريد قوله، فالمنشور الذي نشره في حسابه في "إكس" يقول: "المرآة تكذب.. فهي لا تعكس الحقيقة كما هي، بل تعكس ما يصدّقه الإنسان عن نفسه.

تُظهر الملامح، لكنها تخفي الروح، وتُبرز الصورة الخارجية، لكنها تغطي على ما انكسر في الداخل.

قد تعكس ابتسامة فيما القلب ينهار، أو تُظهر تماسكًا فيما يختبئ خلفه عالم من الفوضى.

فالمرآة ليست صادقة كما يظن الكثيرون، إنها سطح أملس يُعيد الشكل، لكنه يعجز عن إظهار العمق.

الصدق الحقيقي لا تلتقطه المرايا، بل تُدركه العيون التي ترى ما وراء المظهر، وتقرأ ما بين السطور الصامتة للروح".

إذن، كيف يمكن أن نسلم أنفسنا لأشخاص لا يخافون الله في أقوالهم وأفعالهم؟.

الخوف من الله هو الذي ينقي النفوس من أرجاس الأفعال والأقوال، والخوف هو أيضًا مدعاة إلى الفضيلة والتمسك بالمبادئ والأخلاق، لكن أطماع الدنيا كثيرة، ولهذا يرى البعض بأن اغتنام الفرص في أذية الناس هو استحقاق دنيوي يقومون به تجاه الآخرين، بينما الله سبحانه وتعالى هو الذي يحاسب البشر عن أعمالهم سواء في الدنيا أو الآخرة.

تحدث رجل حكيم يومًا عن معاناته مع البشر فقال: "لم أشاهد أقبح من إنسانٍ يؤذيك ثم يقف أمامك بوجه المظلوم كأنك أنت من آذاه، يقلب الحقائق بجرأة، ويحملك ذنب جرحٍ صنعه بيديه، ثم يمضي وكأن ضميره في إجازة، فلا تستهلك روحك في تبريرٍ لن يُسمع، ولا تنتظر عدلًا ممن اعتاد تزييفه، بعضهم لا يكتفي بأذاك بل يريدك أن تعتذر له عنه."

في كتب التاريخ هناك مقولة عظيمة للفيلسوف الفرنسي أناتول فرانس يؤكد فيها على أمر مهم: «تبقى النفوس الخبيثة خبيثة، حتى لو أعطيتها من الود أطنانًا».. فيما يرى الكاتب علي إبراهيم الموسوي: «الزمن لا يغير النفوس وإنما يُظهر ما ترسب بها سواء أكان خيرًا أو شرًا، تمامًا كمن يحرك مياهًا راكدة».

نحن البشر اعتدنا على قراءة الظاهر؛ لأننا لا نعلم ما تضمره الصدور، في المرآة كل شيء يدعو إلى الاطمئنان، لكن ما تفرزه النفوس من قول وفعل لا علاقة له بالظاهر، وهذا التضاد ما بين الظاهر والمخفي لن ينتهي سجاله، بل سيظل الناس يأمنون على أنفسهم من الآخرين؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة الآخرين.