No Image
بريد القراء

اسمه مسكين !

16 أبريل 2026
حامد منصور
16 أبريل 2026

اسمه حوده مسكين. وهذا اسم مستعار اخترته له ولسوف يكتشف المقربون لي اسمه الحقيقي وشخصيته. وإن دفعك فضولك أخي القارئ الكريم لمعرفة اسمه الحقيقي فكل ما عليك هو أن تضيف نقطة أسفل الحرف الأول من اسمه المستعار لتعرف اسمه الحقيقي على الأقل تكون قد عرفت اسمه الأول.

كان حوده يمثل لي نموذجًا صارخًا من شح الحظ وقلة النصيب في الحياة الدنيا فقد حرمه القدر من كل شيء تقريبًا فلا مال ولا بنون ولا صحة ولا تعليم ولا حتى جمال أو حسن هيئة، ومع كل ذلك كان راضيًا محبًا للحياة مقبلًا عليها وكأنه يمتلكها بحذافيرها ودائما يبدو وجهه الخالي من الحسن مبتسمًا مشرقًا معطيًا إشارات واضحة عن رضا عظيم بالنصيب والمقسوم.

بالطبع كانت حياته في شدة البساطة يعيش في كنف أخيه الأكبر ذلك الأخ الشهم الذي لم يقصر معه أبدًا على الرغم من ضيق ذات يده وكثرة أبنائه، وكذلك مرضه العضال. كان حودة عضوا بارزا في أسرة أخيه ومسؤولًا عن جزء من الدعم المادي والمعنوي لها؛ فدائما ما كان مصدرًا للسعادة والمساعدة للأسرة. أما عن السعادة فقد كان يملأ جو الأسرة بالمرح والمزاح والطرائف وخفة الدم، وأما عن المساعدة فذلك بأنه كان يعمل بصورة غير منتظمة، ويتحصل على القليل من الدخل، ولكن كان هناك الكثير أيضًا يتحصل عليه من مساعدات أهل البر والإحسان؛ فقد كان محبوبًا من الجميع، والكل يعرف ظروفه، فيغدقون عليه من صدقاتِهم، وكان كل هذا يصل الى أخيه واسرته.

أما أجمل ما في شخصية حودة فهو الظُرف وسرعة البديهة وقدرته البديعة على نشر البهجة والمرح أينما وجد أذكر يومًا أنى كنت أُمازحه، فأخذ يضحك بصوت عال، فإذا بشريكنا في الحوار يقول له مشاكسًا مازحًا «أتضحك وأبوك ميت؟» فرد عليه بظرف كبير قائلًا «وكيف تضحك أنت وأبوك تائه؟» طبعًا قصف جبهة وذكاء وسرعة بديهة عالية جدًا.

وكما قلت فإنه كان دائمًا راضيًا، ومع ذلك كانت تنتابه نوبات من الحزن الشديد، وعندها ينزوي في ركن قصي يلُفه الصمت لفًا صمتًا عميقًا كصمت القبور، ويغمره الحزن كما يغمر الماء الحجر في ظلمات البحور، ويأخذ في البكاء بكاءً طويلًا مريرًا لا نهاية له. كنت أحس به، وأشفق عليه كثيرا، وأعلم أنه كان يتساءل بينه وبين نفسه قائلًا «وآهٍ يا دنيا أين حظي منكِ؟ لا شيء... لا شيء إطلاقًا...!». وكنت أتمنى أن أجلس معه في بعض هذه الأوقات؛ لأُحدثه ولأُخفف عنه، وأبشره أنه من زمرة المساكين تلك الزمرة التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوا- ربه أن يحشره معهم؛ فيا له من فضلٍ كبير وشرفٍ عظيم! فالعوض هائل وبسخاءٍ ليس له نظير ونعيم الآخرة الذي لا ينقضي أبدًا في انتظاره ليخلُد فيها الى ما لا نهاية، وأن الدنيا وإن طالت لا بد أن ينتهي أمرها بحلوها، ومرها، وعسرها، ويسرها. ومع الأسف لم تسنح لي فرصة لأبلغه هذه الكلمات، وإن كنت أظنه يعلمها جيدًا ويعيها تمامًا.

كانت أحوال حودة حافزًا دائمًا لي للتفكير في شؤون الدنيا وأحوالها ودائما ما كنت أضع حوده - وهو المسكين المُعدم - في مقارنة مع شخصية جبارة آتاها الله عز وجل كل نعم الدنيا، أو أعطاها أجمل ما في الدنيا - على حد تعبيره هو شخصيًا -، وهي شخصية الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل -رحمه الله-، وقد آتاه الله من كل نعم الدنيا مال وبنين وصحة وشهرة طاغية، ولست أدري لماذا كنت دائمًا أعقد هذه المقارنة تُرى لبعد المسافة بينهما بمئات السنوات الضوئية؟ والذي يجعل المقارنة عميقة شيقة ذات مغزى ربما، أو لعلي كنت أبحث عن نموذج صارخ أعارض به نظرية الـ 24 قيراطا التي أرفضها تمامًا، تلك النظرية التي يرى أصحابها أن الله عز وجل قد قسم الأرزاق بين الناس بالتساوي، ولكن على أشكال وأصناف شتى؛ فالبعض قد يأخذ المال، ولا يأخذ البنين، والبعض الآخر قد يأخذ البنين، ولا يأخذ المال، وهكذا على أن يتساوى الجميع في المجموع؛ فلكل فرد 24 قيراطا كاملة لا ينقص أحد عن أحد. ولكني أرى عكس ذلك؛ فالله عز وجل قد جعل اختلاف الحظوظ من الدنيا سُنة كونية لحكمة عظيمة يعلمها، ولنتأمل قوله عز وجل في صورة الزخرف: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (32) صدق الله العظيم.

نعود لحوده؛ حيث كان كغيره من الناس له أحلام وأمنيات، ولعل أجملها وأهمها هو حلمه بالزواج والارتباط وتكوين أسرة. وقد حكى لي يومًا أنه تقدم لخطبة إحدى الفتيات، ووافق أهلها عليه، وتمت الخطبة، وخرج يومًا معها للتنزه، ودخلا معا السينما. كان يحكي وكأنه يحكي عن أجمل أيام حياته، ولكن -يا للأسف- الحلم لم يكتمل، وفُسخت الخطبة وإن كان الحلم لم يتبخر بالنسبة له.

وجاء يوم الختام يوم إسدال الستار عن الدنيا وما بها من ألم وعناء يوم الرحيل إلى مقر سعادة السعداء، ولكن شاء القدر أن يكون الرحيل قاسيًا، بل قاسٍ جدا؛ فقد حدث أن طلب منه أخوه أن يصعد لسطح المنزل؛ ليحضر بعض الأغراض، فصعد إلى السطح. ونظرًا لضعف بصره وقلة اتزان جسده تعثر على حافة السطح، وسقط من ارتفاع سبعة أدوار مرتطمًا بالأرض، فلقي حتفه، وصعدت روحه الطيبة إلى بارئها. بالطبع تحطم جسده إلا أن من رأوه حينها قالوا: إنه من الغريب أن وجهه كان سليمًا، والأغرب أن وجهه كان يشع نورًا، وإن كنت أرى أن هذا ليس بالغريب؛ فهو في الحقيقة سعيد برحيله عن الدنيا، وباستعداده ليتسلم جائزته الكبرى جائزة الصبر والرضا والنجاح في الاختبار بتقدير امتياز.

رحل سعيدًا، وشيعه جمعٌ عديدٌ من الناس على عكس ما هو متوقع، كما أن عزاءه تم في سرادق كبيرة حضره جمع غفير من الناس أيضًا على عكس ما هو متوقع. بالطبع لم يكن أخوه يملك من المال ما يتيح له إقامة هذا السرادق الكبير، ولكن حدث أن أحد وجهاء المنطقة كان قد توفي في يوم حادثة حوده، وأقيم لعزائه سرادق كبير، وبعد انتهاء العزاء قرر أهل هذا الوجيه ترك السرادق كما هو لأهل حوده ليتلقوا عزاءهم فيه.

رحمك الله يا جوده يا من كنت لي رمزًا حيًا لزمرة المساكين، وما أدراك ما زمرة المساكين؟!