هل تنجو المنطقة من حرب زجّها في قلبها كيان الاحتلال؟
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
متى ستنتهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية - الإيرانية؟ وكيف ستكتب فصول النهاية؟ وما آفاقها؟ أسئلة متلازمة تشغل بال النخب السياسية، والناس أجمعين، هكذا بدت "العشر الأوائل" من الحرب التي تتزامن مع "العشر الأواخر" من رمضان، فصبغته بالدم ومزجته بالدمار، وأطلقت إشارات مقلقة في الإقليم، وتركت آثارها على مجمل الأوضاع.
تدخل الحرب الإقليمية ضمن سياقات تصعيدية يستغلها كيان الاحتلال الإسرائيلي، فيشن حرباً مفتوحة على لبنان، ويمارس التهجير ذاته الذي اتبعه في غزة التي ما زالت تئن تحت وطأة العدوان، فيما شقيقتها الضفة الغربية تستباح تحت ستار الحرب بانفلات رصاص المستوطنين الذي أسقط 8 فلسطينيين منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فكيف ستنجو المنطقة من حرب زجّها في قلبها الكيان الإسرائيلي؟ الذي لا ينفك يسعى لتحويلها جاذبة صواعق من خلال توسيع قوس الحرب في مسار يهدف إلى فرض السيطرة والهيمنة على المنطقة ضمن أطماعه وأحلامه بـ"إسرائيل الكبرى"، بل إنه جعل حليفته أمريكا في مهبّها، ومكشوفة على نهاية لا تحتمل الرمادية، فإما الانتصار وإما الإنكسار.
وجلي أنها العاصفة الأعتى والأقوى التي تضرب المنطقة بعد حرب العامين في غزة، وأخذت تعمّق الأبعاد والمآلات من دون أن تنجح واشنطن بلجم أطماع تل أبيب التي تركت آثارها على مجمل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ فبينما تواصل مقاتلات الاحتلال الحربية حصد أرواح النازحين والمدنيين في غزة، وتدك مدافعه الثقيلة ما تبقى فيها من مبان ومنازل تنشغل الضفة الغربية في كيفية الخروج من بين الاعتداءات اليومية والدماء المسفوكة.
وربما تلتمس الحرب الدائرة طريقاً للحل السياسي، لكن ما أن يفرغ رجال الدبلوماسية من وضع بنود ومسودات الاتفاق، وإبرام تهدئة، حتى تكون غزة والضفة الغربية قد أنهكت على وقع الاعتداءات التي يقارفها جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين.
مع المُعتدى عليهم
"إذا لم تنته الحرب بتغيير النظام الإيراني فالخاسر الأول والأكبر سيكون التحالف الأمريكي الإسرائيلي، كما أن الحرب الطويلة قد تنقلب على واشنطن، وتفتح الأبواب أمام فوضى إقليمية" هكذا علق الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري مبيناً أن الإدارة الأمريكية ترسم خريطة صراع جديدة في المنطقة، وما لم تتوقف الحرب بسرعة فإنها سترتد بتداعيات خطيرة على المنطقة والعالم، ووخيمة على الفلسطينيين وقضيتهم.
ويضيف: "من السابق لأوانه الحكم بشكل نهائي على مصير الحرب، ولكن لأن فلسطين هي قضية الحرية والعدالة، فلا يمكن أن تكون إلا مع المظلومين والمعتدى عليهم. القضية الفلسطينية هي الأساس والمحور، وعليه فتقيم كل بلد أو طرف يُبنى على ضوء مواقفه من القضية والحقوق الفلسطينية".
ويواصل: "تبدو هذه المواجهة أوسع مما كانت عليه في يونيو الماضي، وقد تطول، أو تتحول إلى حرب استنزاف، ولكل سيناريو أطراف تدعمه وعوامل تدفع باتجاهه، وخصوصاً في واشنطن؛ حيث تشير الاستطلاعات إلى أن نحو 70% من الأمريكيين يعارضون الحرب، ومن بينهم أعضاء في الحزب الجمهوري، وهنالك أصوات متحفظة داخل الإدارة الأمريكية نفسها في حين أنه في تل أبيب تقف المعارضة إلى جانب الحكومة، ويؤيد نحو 70% من الإسرائيليين الحرب، ولكل سيناريو تداعيات مختلفة ومتشعبة".
وإن يكن هناك اختلال في ميزان القوى، إلا أن إيران ليست لقمة سائغة أو سهلة الهضم؛ إذ يمكنها الرد بهجمات مضادة على إسرائيل، أو على القواعد والأساطيل الأمريكية في المنطقة، وإذا طال أمد الحرب فقد تنخرط أطراف أخرى فيها، وتفتح جبهات جديدة، ما يوسع نطاقها ويزيد كلفتها، كما يقول المصري.
ويختم: "ربما تنتهي الحرب بانتصار طرف وهزيمة الآخر، أو قد تقف عند "لا غالب ولا مغلوب". وقد يتحقق الانتصار بالضربة القاضية أو بـ"النقاط" عبر إنهاك الخصم وتآكل قدراته، ومع ذلك في الحرب الدائرة يبقى الغموض سيد الموقف؛ لأن أهداف الحرب من الجانب الأمريكي غير واضحة، إن كانت إسقاط النظام الإيراني، أم إضعافه، أم تغيير سلوكه وسياساته، أم أنها حرب محدودة ترمي إلى تعديل شروط التفاوض مع طهران وفرض وقائع جديدة؟ هذه عناصر مؤثرة في خلفية المشهد".
مؤشرات فشل أمريكي إسرائيلي
وإذ يستمر القتال على وقع إصرار الطرفين على الانتصار، وبعيداً عن كل الخسائر المتوقعة؛ فإن ثمة تداعيات لا يمكن إغفالها، ويرجح مراقبون أن تأتي بها الحرب أيضاً.
من خلف غبار الحرب يقرأ الكاتب والمحلل السياسي عبد المجيد سويلم سيناريوهات عدة، ليستنتج وضوح المشهد الإسرائيلي المصدوم من جاهزية طهران لحرب طويلة، وتسلحها بخطة متدرجة ومتدحرجة لإبقاء الكيان الإسرائيلي بأكمله في حالة ترقب وقلق على مدار الساعة.
وما لم تحدث تطورات نوعية أو مفاجآت في مجريات الحرب يرجح سويلم أن تظل السمة العامة بوتيرة التوازن والندية الحالية مستقرة مشدداً: "إذا توقفت الحرب عند هذه المرحلة من التوازن فهذا يصبّ في مصلحة إيران، ولا يعطي أي معنى للتفوق لواشنطن وتل أبيب، بل يمكن اعتباره علامة عجز وفشل".
ويشرح: "المرحلة الأولى من الحرب غُلفت بفشل "أولي" فاضح، فلم تنجح الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في تحقيق أهم الأهداف المعلنة للحرب، والمرهونة بوقفها بإسقاط النظام الإيراني، وربما يكون المتغير الوحيد في المرحلة الثانية، الإعداد لتدخل بري مع الزج بدول الخليج العربي في الحرب مباشرة، وإنشاء تحالف دولي للمشاركة فيها؛ وعليه سنكون أمام تغيرات حتمية في المشهد؛ لأن الاستمرار في الحرب كما في المرحلة الأولى يصب في مصلحة إيران في حين تتناقض وتتباين الأفضليات بين أمريكا وإسرائيل مع كل وقت ينقضي من هذه الحرب".
ويبدو واضحاً أن تغيير أهداف الحرب لن يغير من وجهتها أو وتيرتها؛ فكل ما تسعى إليه واشنطن في هذه المرحلة الحصول على مظلة دولية لتبرير استمرارها في الحرب إذا ما كانت مضطرة لذلك، وهو نفس الموقف الذي تنشده تل أبيب، فهل يجدي الاستقواء بالغطاء الدولي لتغيير مسار الحرب؟ ثمة موجات من الأخذ والرد، وربما جولات دراماتيكية، وفصول جديدة من المواجهة، كفيلة بقلب المجريات، وإحداث مفاجآت.
