هل تشرق شمس غزة أم يبقى مشروع ترامب حبر على ورق؟
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
حالة من الترقب والانتظار، يعيشها سكان قطاع غزة، بعد فتح محدود لمعبر رفح، تخلله إغلاق لعدة ساعات، بعد التصعيد الإسرائيلي الأخير، الذي أودى بحياة 21 مواطناً، وما زال عشرات الآلاف من الراغبين بالعودة أو المغادرة عالقون، بفعل المماطلة الإسرائيلية المتعمدة والمقصودة.
ويفترض أن يرضخ الكيان الإسرائيلي لبنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بيد أن المعطيات على الأرض لا تشير إلى الاستجابة، أو أن نهج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في المراوغة والمماطلة والعرقلة والتعطيل، ومواصلة الحرب الدامية، سيتغير أو يتبدل.
ويأمل الغزيون بأن تكون التصريحات الإسرائيلية حول فتح معبر رفح، حقيقية، وأن تمر دون عراقيل أو مطبات، لكن ما يتردد إسرائيلياً، بإنشاء معبر (رفح 2) على مقربة من المعبر الرئيس، والذي سيكون تحت الإشراف الإسرائيلي، وسيخصص لإجراءات الفحص الأمني والتفتيش، هز مضاجعهم.
ويترقب المواطنون بفارغ الصبر، فتح المعبر بوتيرة أعلى، كي يتمكنوا من مغادرة قطاع غزة في مهمة علاج الجرحى، موضحين أن الاحتلال لم يبق لهم مجالاً للبقاء في قطاع غزة، حيث لا مشافي ولا علاج أو دواء.
ولا يسعى أي من أبناء غزة للإقامة في الخارج، فقط يريدون علاج أبناءهم الجرحى والمرضى، لكن تنتابهم المخاوف من أن يتحول المعبر إلى مصيدة للاعتقال والتنكيل بالمواطنين.
قيود مشددة
ويسير العمل بمعبر رفح، وسط إجراءات وقيود إسرائيلية مشددة، مع السماح لعدد محدود من المواطنين باجتيازه، ويصف مواطنون هذه الإجراءات بـ"البطيئة" للغاية، مشيرين إلى أن جيش الاحتلال بدأ بالفعل بإقامة (رفح 2) بإقامة نقطة تفتيش داخل المعبر، ويتم نقل المغادرين بواسطة حافلات صغيرة، وأحياناً بمركبات إسعاف!.
وتحتاج الأعداد الهائلة من الجرحى والمرضى في قطاع غزة، إلى 440 يوماً من السفر، في ضوء المماطلة الإسرائيلية والسماح لعدد محدود بالمغادرة، ووفق منسق أعمال جيش الاحتلال في قطاع غزة، يسمح فقط بمغادرة 150 فلسطينياً من قطاع غزة، وعودة 50 إليه، شريطة أن يكون العائدون ممن غادروا قطاع غزة خلال عامي الحرب.
ونتيجة لهذه الإجراءات، يفقد نحو 10 جرحى أو مرضى حياتهم يومياً، مع استمرار انهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة، وتنذر الممارسات الإسرائيلية على معبر رفح، بتحويله إلى نقاط تفتيش دائمة، يمر من خلالها القادمون إلى القطاع، ويخضعون لفحص المعادن والوجوه.
وفق الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، فإسرائيل لم تتخل عن فكرة تهجير أهل غزة، ودليل ذلك ما تقوم به من خطوات رافقت إعادة فتح معبر رفح، وبالتزامن يتم تدمير كل شيء في "المنطقة الصفراء" وبالتالي فالاحتلال يريد تنفيذ المرحلة الثانية على غرار ما جرى في الأولى، وبخروقات هائلة، تجعل الأمر أقرب إلى عدم التطبيق، لأنه يريد إبقاء السيطرة الإسرائيلية وعدم الانسحاب من قطاع غزة.
ويواصل: الاحتلال لم يلتزم بالبنود الخاصة بفتح معبر رفح، إذ شاهدنا فتح محدود للمعبر، ترافق مع شروط صعبة، ولا تحقق الكرامة أو الحرية بالدخول أو الخروج لأهل غزة.. الأمر أبعد من فتح المعبر، فثمة شيء ما يجري في رفح، بعيداً عن الأعين.
تغيير معالم
وتخضع مدينة رفح لاحتلال عسكري إسرائيلي كامل، يرافقه حصار خانق، يعزل المدينة عن سائر قطاع غزة، وما زالت عشرات الجرافات العسكرية الإسرائيلية، تقوم بأعمال التجريف والتوسعة ورفع الركام، وتسوية الأرض وتحويلها إلى منبسطة، ولا يعلم أحد ما يدور في الأجزاء الشمالية والغربية المحاصرة من المدينة.
وحسب ما رشح من معلومات، فقد ظهر على معالم رفح تغيير ملحوظ، إذ مساحات واسعة منها بدت خالية من الركام، الأمر الذي يقرأ فيه مواطنون، بداية لمشروع إعادة الإعمار وفق الخطة الأمريكية المعروفة بـ"شروق الشمس".
ولم يخف مواطنون خشيتهم من أن يمر مشروع الإعمار هذا من خلال التعامل مع المدن الغزية كمناطق خالية من السكان، بعد انتزاع الأراضي والملكيات الخاصة من أصحابها، ومسحها دون مراجعتهم، وخصوصاً في ضوء الترويج الإسرائيلي لمشروع "رفح الخضراء" الذي تردد صداه أخيراً.
و"شروق الشمس"مشروع أمريكي وإن بدا يحمل اسماً شاعرياً، إلا أنه ينهض فوق أكثر بقاع الأرض ألماً، ويقوم على تحويل غزة من مدينة أنقاض، إلى مدينة ساحلية متطورة، تحوي منتجعات فاخرة، وشبكات كهرباء ذكية، لكن خلف هذه الصور المبهرة، تتراكم حول المشروع الذي تتجاوز كلفته الـ112 مليار دولار، ويرجح أن يمتد لـ10 سنوات، أسئلة من قبيل: أين سيعيش مليونا نازح أثناء الإعمار؟ وهل تنزع حماس سلاحها لبدء التنفيذ؟ وهل تشرق شمس غزة بالفعل أم يبقى المشروع حبر على ورق؟.
في قطاع غزة، تبدو المجريات على الأرض متشابهة ومتشابكة، ففي تل أبيب يرون في إعادة الإعمار فرصة لبناء نموذج "مجتمع فلسطيني بلا صواريخ أو أنفاق" بينما ترى واشنطن في هذا النهج ما يدعم فكرة "ريفييرا الشرق الأوسط" التي تحولت إلى "شروق الشمس" التي تخيلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشرق على غزة.
