نواف سلام من الجنوب: "الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل"
وسط ترقّب نتائج رياح المفاوضات الأمريكية- الإيرانية في مسقط، أقفل الأسبوع الفائت في لبنان على إيقاع "ورشة" دبلوماسيّة، هي الأوسع منذ فترة، تداخلت فيها ملفّات الأمن بالسياسة والإقتصاد، وعكست إستنفاراً دولياً وعربياً لترتيب أوراق الساحة اللبنانية أمام جملة الإستحقاقات الداهمة. واللافت في هذه "الورشة"، أنها جمعت عناوين متباعدة ظاهريّاً ضمن سلّة واحدة، بدءاً من أمن الحدود ومستقبل التمويل الخارجي، مروراً بإيقاع الإصلاحات المطلوباً عربياً ودولياً، ووصولاً الى ملفّ السلاح. وذلك، في انتظار أن يلقى هذا الزخم الدبلوماسي صداه في "مؤتمر باريس" لدعم الجيش، المقرّر انعقاده في 5 مارس المقبل، حيث تتّجه الأنظار إلى الغطاء المالي واللوجستي المطلوب، ليس كـ"منحة عابرة"، بل كـ"رافعة" لتمكين المؤسّسة العسكريّة من أداء مهامها في لحظة إقليمية شديدة السيولة.
وما بين مضامين هذا المشهد، الذي ضجّ بالأسئلة الأمريكيّة المتجدّدة حول قدرة الدولة على الإمساك بالقرار الأمني في المرحلة المقبلة، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية دعمها مؤسّسات الدولة اللبنانية، مؤكدة أن "نزع سلاح حزب هو أولويّة" في أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي المقابل، أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون موقفاً له دلالته السياسيّة، إذ أصرّ على أن تنفيذ خطّة نزع السلاح "تدريجيّ" مع مراعاة الحفاظ على السّلم الأهلي، وذلك في توازن يهدف، بحسب تأكيد أوساط رسمية لـ"عُمان"، إلى تمرير المرحلة الثانية من خطّة بسط سلطة الدولة من دون كلفة داخليّة باهظة.
أما "اللجنة الخماسيّة" العربية والدولية، ومن خلال سفرائها في بيروت الى جانب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، فبدت كأنها تتحرّك بميزان دقيق، بين منع الإنزلاق الى "دعسات ناقصة" والضغط السياسي لتسريع مسار حصريّة السلاح بيد الدولة بالطريقة التي لا تهدّد السّلم الأهلي، مع ما يعنيه الأمر، وفق تأكيد مصادر سياسية متابعة لـ"عُمان"، من إعادة تثبيت واقع أن لبنان لا يزال تحت المظلّة الخارجية، ولكن بشروط أكثر صرامةً، وبمواعيد أقصر، وبهوامش مناورةٍ أضيق.
وهكذا، لم تكن "الورشة" الدبلوماسيّة التي شهدتها بيروت، خلال الأسبوع الفائت، مجرّد ازدحام مواعيد، بل إعادة رسمٍ للأولويّات: جيش يُطلب دعمه سريعاً، سلاح يُبحث عن طريقة لحصره تدريجيّاً، وهدنة داخلية يُطلب صونُها حتى لا تتحوّل الدولة إلى مشروع صدام. وبين واشنطن التي تتمسّك بشروطها إزاء سلاح "حزب الله"، وباريس التي تربط الدعم بشرط "احتكار هذا السلاح"، و"الخماسيّة" التي تحاول إدارة الإيقاع، يبقى العامل الحاسم محليّاً: هل تنجح السلطة في تحويل الإستنفار الخارجي إلى رافعة للدولة، لا إلى وصاية جديدة أو انقسام جديد؟
الدولة في الجنوب
ومن بوّابة الجنوب، بعمقه وتاريخه وشعبه، إحتفى الرئيس نوّاف سلام بمرور عام على تشكيل حكومته، وذلك في زيارة هي الأولى من نوعها، إذْ وصلت في عمقها الى بلدات الخطوط الأمامية، ميدانياً وسياسياً ووجدانياً، وحملت بين طيّاتها رسالة واضحة كرّست عودة السيادة الى الدولة وعودة الدولة الى الجنوب. وركّز رئيس الحكومة على أن عودة الدولة الى الجنوب لا تكون بالأمن والعسكر فقط، إنّما أيضاً من خلال الخدمات، معلناً مواجهة الإحتلال الإسرائيلي بإعادة الإعمار، ورافضاً كلّ ما يُحكى عن "المنطقة العازلة" ومشاريع التهجير. وعليه، كانت الرسالة الواضحة، ومفادها أن "الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل". ووسط هذه الأجواء، أجمعت أوساط وزاريّة عبر "عُمان" على أن الدلالات والأبعاد البارزة للجولة الواسعة التي قام بها الرئيس سلام في الجنوب، خلال اليومين الفائتين، لم تقف عند كلّ ما يتصل بحضور الدولة في هذه المنطقة التي تعيش حال حرب وتهجير ودمار وقلق فحسب، بل إنّ دلالة رمزية أساسية واكبتها، وتمثلت في أن سلام شاء إحياء ذكرى مرور سنة على تأليف حكومته من الجنوب تحديداً. وهي دلالة تكتسب أبعادها في الشكل والمضمون معاً، إذْ برزت في محطات الجولة كلّ الأولويّات المتعلقة بإعادة الإعمار، كما في الوضع المعقد المتصل باحتلال إسرائيلي لنقاط حدوديّة.
وفي السياق، تجدر الإشارة الى أن حكومة الرئيس سلام أبصرت النور في 8 فبراير من العام 2025، تحت تسمية "حكومة الإصلاح والإنقاذ"، وهي الحكومة الـ78 بعد الإستقلال والـ21 بعد اتفاق الطائف عام 1989. ويومها، إعتلى الرئيس السابق لمحكمة العدل الدوليّة، القاضي سلام (1953) سدّة الرئاسة الثالثة، وانضمّ الى نادي رؤساء الحكومات في لبنان. وذلك، بعدما تمكّن من تأليف حكومة العهد الرئاسي الأولى، التي أتت في ظلّ تحوّلات إقليمية وداخلية إستثنائية، وزخم عربي وأجنبي، وتحديداً من رعاة التسوية التي أتت بقائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بعد طول تغييب للرئاسة الأولى في حقبة الفراغ الطويل الذي سبق انتخابه، والذي جعل حكومة تصريف الأعمال، برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، تستهلك مدّة قياسيّة في السلطة منذ عام 2022.
