العرب والعالم

نازحو غزة في شِباك الوهم الإسرائيلي

04 يونيو 2026
فنجان قهوة دموي..
04 يونيو 2026

على خشب طاولة متهالكة في زاوية خيمة مائلة، ما زالت رائحة البُنّ تمتزج بغبار الإسمنت المحروق. لم تكن القهوة قد بردت بعد، ولم تكن حبات الهيل قد استقرت في قاع الفناجين الصغيرة حين انشقّت السماء. في غزة، لا يستغرق الموت أكثر من ثانية واحدة ليحسم حكاية عائلة كاملة، وليثبت مجددًا أن «المناطق الآمنة» ليست سوى مصيدة موت جرى إعدادها بدقة خلف شاشات الإحداثيات العسكرية لجيش الاحتلال.

كانت الساعة تشير إلى هدوء مفترض في يوم الأحد الماضي، بعد نحو عامين و7 أشهر على حرب إبادة لم تترك تفصيلًا واحدًا للحياة. وفي ظل الهدنة التكتيكية «الأمريكية-الإسرائيلية» الهشة والخرائط السياسية الملونة بالأصفر القاتل والبرتقالي الأقل قتلًا والأخضر الآمن، هوى صاروخ إسرائيلي على عمارة فرح الملاصقة لخيام نازحين في شارع عُمر المختار وسط مدينة غزة، ليكتب فصلًا جديدًا في خرافة الأمان الدولي المصطنع.

رشفة غيّبها الصاروخ

«كنا نجلس في الخيمة، نلوك الوقت والصبر، ونحاول أن نسرق من العيد ضحكة مستعارة».. هكذا يبدأ شاهد عيان من المنطقة المستهدفة حديثه لـ«عُمان». يتذكر كيف التأم شمل شباب المخيم حول فنجان قهوة، هربًا من ضيق الشتات إلى رحابة الرفقة.

يكمل وصوته يتهدج: «بينما كنا نشرب القهوة، باغتتنا غارة بصاروخين سقطا وسطنا دون أي سابق إنذار. الصاروخان استهدفا الشقة الملاصقة تمامًا للخيمة. لم نجد أنفسنا إلا وسط قذائف من اللهب والشظايا. لا يوجد وقف لإطلاق النار، ولا توجد حماية، هذا هو حال العيد في غزة؛ دماء في الفناجين، وفقد مستمر».

تجسد الصور الميدانية التي التقطتها عدسات «عُمان» من عمق الحدث هذه السردية الدموية؛ ففي عتمة الليل الدامس، تحولت الخيمة إلى ركام ممزق من الشوادر الزرقاء والبيضاء المتداخلة مع الهياكل المعدنية الملتوية التي سُحقت تمامًا تحت وطأة العصف. ومن نافذة الشقة السكنية المستهدفة في الطابق العلوي، يندلع لسان ضخم من اللهب البرتقالي المتوهج، يقذف شراراته في عتمة الليل ليضيء جدران البناء المتفحمة، في مشهد يختزل لحظة الانفجار التدميري الذي التهم أحلام النازحين.

السجل المدني يفقد عائلة أخرى

لم تكن الضربة مجرد تدمير لكتل إسمنتية، بل كانت عملية شطب نهائية لسلالة بشرية. أُغلق ملف عائلة كاملة مُسحت من السجل المدني؛ الطفلة سارة سامح رجب، ارتدت ثوب العيد مرتين، مرة في الصباح، ومرة حين صعدت شهيدة رفقة جدها القائد في المقاومة عماد أسليم «أبو حسان».

سارة هي ابنة الشهيد سامح رجب، الذي سبق وأن استشهدت زوجته وأبناؤه في غارة سابقة، وبقي هو وسارة يلملمان ما تبقى من الروح، قبل أن يرتقي الأب لاحقًا في قصف بحي الزيتون. واليوم، تلحق سارة بوالدها وأمها وإخوتها، لتنتهي الحكاية وينغلق القيد الإنساني لعائلة لم يعد لها وجود على قيد الأرض.

أحمد أسليم، شقيق الشهيد «أبو حسان»، يتحدث لـ«عُمان» بقلبٍ يملؤه الصبر: «أبو حسان رجل صنديد، نجا من خمس محاولات اغتيال سابقة، وهذه كانت السادسة التي اختارها الله له خاتمة. الاحتلال غادر، يتحدث عن تهدئة وعن مناطق آمنة، فأين الأمان في ضربة تستهدف أطفالًا ونساءً عُزّل؟ بينما يضحي العالم بالمواشي في العيد، نضحي نحن بأبنائنا وفلذات أكبادنا».

سواعد عارية تحت النار

في قلب الفوضى الليلية، وتحت ضوء الهواتف المحمولة وكشافات الطوارئ الضعيفة، يظهر تلاحم بطولي؛ حيث يهرع شبان المخيم بملابسهم البسيطة يساندون رجال الدفاع المدني بسترهم الفسفورية البرتقالية. يتجمعون في زقاق ضيق ومظلم، تتصبب جباههم عرقًا ممتزجًا برماد البارود، وهم يحملون نقالة إسعاف بدائية يركضون بها لإنقاذ أحد المصابين وسط بيئة ميدانية شديدة الخطورة.

وفي داخل المبنى المستهدف، يتكشف حجم الكارثة؛ جدران داخلية متآكلة غطاها السواد الكامل، وأسلاك كهربائية متهدلة تتأرجح من الأسقف الخرسانية المشققة كشرايين مقطوعة. يقف رجال الإنقاذ وسط بحر من الرماد والحطام، يسلطون أضواء كشافاتهم اليدوية عبر الدخان الكثيف الذي يخنق الأنفاس، باحثين عن أي بصيص للحياة داخل الغرف التي تحولت واجهاتها الخلفية إلى فجوات مفتوحة على النيران الملتهبة.

يقول بلال عليان أحد العاملين في الدفاع المدني وهو يمسح وجهه المُغبر: «توجهت طواقمنا فورًا إلى مكان الاستهداف. المبنى يقطنه نازحون، وتلتصق به خيامهم. أقمنا خطوط إطفاء سريعة لإخماد الحريق المندلع، وانتشلنا عددًا من الشهداء والمصابين وسط ظروف بالغة الصعوبة وشح شديد في المعدات والوقود. نعمل بصدورنا العارية وبأيدينا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه».

وداع في وضح النهار

ومع شروق شمس اليوم التالي، ينقشع ظلام الليل لتتجلى الفاجعة في وضح النهار تحت أشعة الشمس الساطعة. في باحة مستشفى الشفاء، وقف جمع غفير من الرجال والشباب بخشوع وحزن عميق، يرتدون ملابس العيد البسيطة والمغبرة، وقد انحنوا برؤوسهم في صلاة جنازة بملامح يملؤها الانكسار والصمود معًا.

أمامهم على الأرض الترابية الجافة، كانت جثامين الشهداء داخل أكفان بيضاء بلاستيكية ناصعة، مربوطة بعناية، يعلو أحدها كفن قماشي أبيض تقليدي يبرز انحناءة الجسد الهامد. فيما يجلس ثلاثة رجال داخل صندوق مركبة، يرتدي أحدهم قميصًا مقلمًا ويضع قبعته بأسى، بينما يمد يده المرتجفة ببطء ليتلمس الكفن الأبيض، في وداع أخير مشحون بالألم والدموع المحبوسة، يواسون فيه بعضهم بعضًا بلمسات على الأكتاف المثقلة بالهموم.

يوضح قريب آخر للشهيد زيف الهدنة: «الاستهدافات مستمرة منذ أيام دون توقف، والطيران لا يغادر سماء القطاع. لقد استُنزفت طاقاتنا بالكامل، هددونا بالتهجير، لكننا نؤكد أننا هنا عشنا وعليها سنموت رغمًا عن العدو».

أقدس الأيام.. أعمق الجراح

تنتهي الحكاية هنا، لكن مأساة الإبادة في غزة تواصل كتابة فصول جديدة. تبرهن هذه المجزرة، التي جرت في توقيت كان يُفترض فيه أن تعلو تكبيرات العيد بالبهجة، على أن غزة باتت بقعة جغرافية خارجة عن قوانين الحماية الدولية.

بين فنجان قهوة لم يكتمل، وصاروخ لم يخطئ هدفه في التدمير، تتلاشى الأكاذيب السياسية حول «الهدن والمناطق الآمنة». الحقيقة الوحيدة الثابتة تحت سماء غزة هي أنه لا أمان فوق هذه الأرض، لا في خيمة لجأ إليها المشردون، ولا في شقة سكنية تكتظ بالنازحين، وحتى في أقدس الأيام وأكثرها حرمة، يبقى الكفن هو الهدية الوحيدة التي يقدمها الاحتلال لأطفال ونساء وشيوخ غزة.