No Image
العرب والعالم

طفرة إعادة التسلح العالمية تنطوي على مخاطر مالية وسياسية

04 يونيو 2026
تحليل
04 يونيو 2026

واشنطن "د.ب.أ": أظهرت بيانات معهد ستوكهولم الدول لأبحاث السلام استمرار الإنفاق العسكري العالمي في الارتفاع على مدار الأعوام الـ11 الماضية. وفي عام 2025، تجاوز الإنفاق العسكري العالمي نسبة 5ر2% من إجمالي الناتج المحلي، في أعلى مستوى منذ عام 2009. ولم يبد الكثير من القادة أدنى اهتمام لإجراء خفض ملموس في البرامج المحلية التي تحظى بشعبية لدى الناخبين من أجل إفساح المجال ماليا لزيادة الإنفاق على التسلح. وفي وقت يقترب فيه الدين الحكومي العالمي من 100% من إجمالي الناتج المحلي، بحسب صندوق النقد الدولي، يسعى الساسة إلى الجمع بين "المدافع والزبدة"، أي زيادة الإنفاق العسكري مع الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي.

وتقول ريبيكا باترسون، الباحثة الاقتصادية، والزميلة الأولى بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والتي تركز أبحاثها على الاقتصاد الكلي العالمي، والأسواق المالية، والسياسات الجيوسياسية، إنه خلال السنوات الأخيرة، بشكل خاص، ساد التركيز على الدفاع، مدفوعا بمخاوف الحروب الدائرة في أوروبا والشرق الأوسط، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في أنحاء العالم، فضلا عن التساؤلات بشأن قوة التحالفات التاريخية، "وقد دفعت هذه الأجواء قادة أوروبا إلى زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 14% العام الماضي مقارنة بعام 2024، مقابل 1ر8% ارتفاع في آسيا خلال الفترة نفسها".

وترى باترسون في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية أن الخطر يكمن في استمرار إعادة التسلح دون زيادة ملموسة في وتيرة النمو الاقتصادي أو إدخال تعديلات على الموازنات العامة لزيادة الإيرادات أو خفض الإنفاق في مجالات أخرى. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى ارتفاع هيكلي في تكاليف الاقتراض، أو حدوث أزمة مالية، و"لذلك، يتعين على المسؤولين عن إدارة الموازنات العامة إدراك المخاطر السياسية والمالية التي بدأ مستثمرو السندات العالمية بالفعل رصدها".

مرشح لمزيد من الارتفاع

ووفقا للباحثة والمستثمرة باترسون، فإن الإنفاق العسكري مرشح لمزيد من الارتفاع، في ظل وصول عدد الصراعات العالمية إلى أعلى مستوى لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بحسب تقرير للمجلس.

وخلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لعام 2025، وافقت الدول الأعضاء (32 دولة)، باستثناء إسبانيا التي حصلت على إعفاء، على زيادة الإنفاق السنوي على الدفاع إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي، بحلول عام 2035. وفي الوقت نفسه، تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي بمواصلة التحول التاريخي لليابان نحو زيادة الإنفاق الدفاعي.

ويبدو من المرجح أن طوكيو سوف تسلك مسارا يقود إلى مستويات إنفاق أعلى وأكثر قربا من نموذج حلف الأطلسي. وربما يكون التطور الأكثر لفتا للانتباه هو اقتراح البيت الأبيض موازنة دفاع بقيمة 5ر1 تريليون دولار للسنة المالية 2027، والتي سوف تمثل، حال اعتمادها، زيادة بنسبة 40% مقارنة بالميزانيات السابقة، وستكون أكبر ميزانية للبنتاجون في تاريخ أمريكا.

وتقول باترسون إن الناخبين في الدول التي شهدت صراعات عسكرية قريبة من حدودها، أظهروا دعما واسعا لزيادة الإنفاق الدفاعي، "غير أن هذا التأييد غالبا ما يتراجع عندما يسأل هؤلاء ما الذي يمكن أن يتخلوا عنه لتمويل مزيد من الإنفاق العسكري".

وعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "يوجوف" في يونيو 2025، أن 49% من المشاركين في بريطانيا يؤيدون زيادة الإنفاق الدفاعي، لكن 57% عارضوا رفع الضرائب لتمويل هذه الزيادة، فيما رفض 53% خفض الإنفاق الحكومي في مجالات أخرى لتوفير الموارد اللازمة لها. ولذلك، ليس من المستغرب أن يخلص صندوق النقد الدولي في دراسة نشرت في أبريل 2026 إلى أن نحو ثلثي الزيادات الأخيرة في الإنفاق الدفاعي الوطني تم تمويلها عبر الاقتراض والعجز.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 7 نقاط مئوية خلال الفترة نفسها. وبطبيعة الحال، لا تعتمد سلامة الأوضاع المالية للدول على حجم العجز الحكومي وحده، حيث تعزز وتيرة النمو الاقتصادي وتكاليف الاقتراض الاستدامة المالية العامة.

وأشارت دراسة صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي إلى أن أي نمو اقتصادي قد ينتج عن زيادة الإنفاق الدفاعي يعتمد على عدد من العوامل، من بينها حجم الإنفاق الموجه للمنتجات المحلية مقارنة بالمستوردة، ونسبة الإنفاق المخصصة للموظفين والبحث والتطوير، إضافة إلى مدى ضيق سوق العمل في وقت تنفيذ هذا الإنفاق.

وبشكل عام، "يدعو الصندوق إلى توخي الحذر عند وضع توقعات بشأن النمو الاقتصادي المرتبط بالإنفاق الدفاعي". وتقول باترسون إن وجود بيئة تضخمية يزيد تعقيد الزيادات المستمرة في الإنفاق الدفاعي. وعلى الرغم من تراجع معدلات التضخم بشكل كبير مقارنة بالذروة التي بلغتها عام 2022، فإن التضخم في العديد من الاقتصادات المتقدمة ظل خلال عام 2026 أعلى من المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية، وهو ما حد من قدرة صناع السياسات على تخفيف السياسة النقدية.

وأدت تداعيات حرب إيران إلى تفاقم الصورة التضخمية خلال الأشهر الأخيرة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى احتمالات متفاوتة لزيادة الضغوط التضخمية خلال عام 2026 وربما حتى عام 2027، وذلك بحسب مدة وحدة الصراع. ودفعت هذه الضغوط السعرية بعض البنوك المركزية إلى زيادة معدلات الفائدة، مقارنة بالتوقعات التي كانت سائدة بين المستثمرين قبل الحرب، بخفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري .

ويتزامن ارتفاع أسعار الفائدة الأساسية مع توقعات بزيادة إصدار السندات الحكومية لتمويل الإنفاق المتزايد على "المدافع والزبدة" معا، أي الإنفاق العسكري والبرامج الاجتماعية في الوقت نفسه. وتفرض تكاليف الاقتراض المرتفعة قيودا على القطاعين العام والخاص، فبالنسبة للحكومات، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين العام، أما بالنسبة للقطاع الخاص، فإن ارتفاع العوائد على السندات الحكومية ينعكس في صورة تكاليف اقتراض أعلى للشركات والأسر.

وبحسب باترسون، يتمثل الخطر الأكبر في أن يرى المستثمرون في نهاية المطاف أن إصرار الحكومات على تمويل المزيد من "المدافع والزبدة" في ظل البيئة الحالية التي تتسم بارتفاع التضخم وتزايد الضغوط المالية، قد تجاوز الحدود المقبولة.

وفي ختام التقرير، تقول باترسون إنه يمكن استيعاب سعي صناع السياسات اليوم إلى ضمان شعور المواطنين بالأمان في عالم يزداد اضطرابا وغموضا، وكذلك رغبتهم في مساعدة الأسر على مواجهة الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف المعيشة. ولكن هذه التوجهات والسياسات المقترحة يجب أن تؤخذ في الاعتبار، إلى جانب ردود فعل البنوك المركزية والأسواق المالية، التي تراقب عن كثب تطورات الإنفاق الحكومي والعجز المالي.